أمين جبار

ما الذي يجعل من الفساد منبتّا في المجتمع؟ و كيف يمكن فهمه كمنظومةٍ مقاوِمة لكل أشكال التغيير؟
جرت العادة ،في الحديث عن ظاهرة الفساد، على تناوله ضمن سياقات فردية تقف عند حدود تتبع سلوكيات معزولة لأشخاص ذوي صلاحيات استغلوا نفوذهم لتحقيق مآرب غير مشروعة و في تجاوز واضح للقانون. و في أحسن الأحوال، يتم اعتباره منظومة، و التي لا يتم فهمها في نهاية المطاف إلا كتجميع كمّي لنفس السلوكيات الفردية التي تمت الإشارة إليها. هذا الفهم لا يتسم بالشمولية المطلوبة و الكفيلة بالنفاذ إلى الأسس البنيوية التي تقوم عليها ظاهرة الفساد، حيث يكون فهمه على هذا النحو عاملا مغذيا لبنيته و مطورا لها، فتغدو محاربته متمثلة في استبدال أفراد تبين تورطهم في ممارسات غير قانونية بآخرين دون مسّ بالأسس و العلاقات التي أنتجت السلوك الفاسد. إن عملية الاستبدال هذه تعتبر مقوما أساسيا لاستمرار منظومة الفساد نفسها، خصوصا مع التغييب التام لمبدأ المحاسبة – و هو للإشارة، يعكس مدى العناية التي تحظى بها منظومة الفساد - الذي من شأنه أن يكون رادعا لكل فعل مخالف للقانون و مخل بالتعاقدات الاجتماعية المُبرمة.
إن الوقوف في فهم الفساد عند حدود ما يطفو على السطح من سلوكيات لذوي النفوذ ( تلاعبات، اختلاسات، استغلال للنفوذ...) و استحضار تبعات ذلك على الشرائح الاجتماعية العريضة المتضررة، و التي قد تصل في أحيان كثيرة إلى حد فقدان الحياة، فإنه يبدو أن هذه الفئة المتضررة ما كانت لتنتظر و لو لحظة واحدة لشن حرب عليه. غير أن استفحاله و استمراريته توحي بوجود نوع من التواطئ الضمني و القبول به كإمكانية لتدبير وضعيات معينة.
إن ما يجعل من الفساد ظاهرة ممتدة و مستعصية على المحاربة هو انخراط الجميع في تغذيته بسلوكيات قد تبدو بعيدة كل البعد عنه، بما في ذلك المتضررين المباشرين منه. و هذا ما يعكس وجهه الآخر الأكثر خطورة، فيبدو على هذا النحو أشبه بسرطان منتشر في كل أنحاء الجسم الاجتماعي. فالقول ببنيوية الفساد ( منظومة) – مفهوم البنية أكثر ملائمة نظرا لممانعته للتغيير - يأخذ بعده الفعلي و معناه العلمي حين يتم تشخيص كل امتداداته الاجتماعية، و تحديد البؤر الأكثر تغذية له، و التي تنتج من القيم و الأفكار ما يدعمه، حيث تصب هذه الأخيرة كلها في تضخيم النزعات الفردية على حساب مستلزمات الحياة الجماعية.
لا شك إذن في كون المشاركة الجماعية في إنتاج الفساد و استمراريته أمر واقع، و مؤشر على تحوله من مجرد سلوكيات معزولة و مدانة قيميا و أخلاقيا و إنسانيا إلى شكل عادي من أشكال التدبير اليومي لوضعيات يجد الفرد نفسه في مواجهتها. هذا النوع من التعاطي اليومي مع ممارسات غير قانونية و التطبيع معها يعمل على توريط الكل بحيث يصبح الجميع فاسدا مع وقف التنفيذ. ذلك يجعل من معظم أفراد المجتمع في خوف دائم من كشف تورطهم الذي قد يكون بسيطا جدا لكنه على الرغم من ذلك يبقى فسادا ما دام قد تم في غفلة من القانون أو بتواطئ مع ممثلي هذا الأخير. و قد عبر عن ذلك المفكر "طيب تيزيني" بقوله في أحد حواراته عن الدول العربية أنه في ظل "دولة أمنية" تسعى لملاحقة كل أفراد المجتمع فإن الشعار المؤطر لممارستها يكون هو " يجب أن يفسد من لم يفسد بعد بحيث يصبح الجميع ملوّثين ومدانين تحت الطلب ".
واضح أن من يجد نفسه متورطا في وضعيات غير قانونية، و لو تعلقت بأبسط الأمور، لن يقف في صف المناهضين للفساد، و إن فعل فإنه سيتراجع عند أول همس له بما يمكن أن يطاله من السير في هذا المسار.
إن الفساد باعتباره بنية لا يمكن محاربته إلا بشكل جذري و بنيوي، لأن كل انتقائية في مواجهته، بمعنى التركيز على فئة دون أخرى أو سلوكيات دون أخرى مهما قلّ قدرها، من شأنه أن يسمح للبنية أن تتجدد. فالخاصية الأساسية لهذه الأخيرة تكمن في قدرتها على تحقيق التوازن و لجم كل تغيير يطال جزءا من أجزائها.