في هذا المقال، يوجه القاضي محمد الهيني، رسالة مثيرة لأعضاء مجلس المستشارين، مطالبا إياهم باليقضة التشريعية، بسبب ما تتضمنه مشاريع القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية من "إساءة للوطن ولصورته بالخارج"، بحسبه.

وهذا نص المقال كاملا:

 

مناقشة مشاريع "السلطة القضائية "تحت القصف التأديبي لقضاة الرأي 

رسالة لأعضاء مجلس المستشارين

إن كشف الاختلالات الدستورية التي تعتري مشاريع ما يسمى بالسلطة القضائية في الندوات والملتقيات العلمية وفي المقالات والأبحاث العلمية وفي اجتماعات الهيئات المهنية للقضاة والهيئات الحقوقية الوطنية والدولية جعل قضاة الرأي هدفا من طرف وزارة العدل لأن تسويقها وتلميعها لصورة هذه المشاريع ظلت حبيسة أروقة وزارتها ،ولم يصدقها أحد، على اعتبار أن المرتكزات الدستورية والمعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية غائبة نصا وروحا عنها، مما جعل الوزارة تعلق مشجب فشلها الذريع في إقرار نصوص ضامنة لاستقلال السلطة القضائية على قضاة الرأي وجمعيتهم نادي قضاة المغرب، فحركت أدوات القصف والعنف التأديبي على مجرد حرية التعبير المكرسة دستوريا لإنهاء ضجيج وأزمة الردة الدستورية لتخلو لها الساحة التشريعية لتمرير مشاريعها.

إن أعضاء مجلس المستشارين مطالبين اليوم أكثر من أي وقت مضى باليقظة التشريعية لكون المشاريع تتضمن إساءة حقوقية للوطن وصورته في الخارج لكون الخيار الديمقراطي للدولة بما يتضمنه من فصل للسلط والمكتسبات الحقوقية من حرية التعبير والحق في التنظيم للقضاة في مهب الريح ، فالمشاريع تؤسس لوهم كبير إسمه السلطة القضائية التي لم تبق منها إلا الإسم، وحلت محلها سيطرة وزارة العدل على المجلس الأعلى للسلطة القضائية وعلى القضاة والمحاكم ، فلا وجود لاستقلال حقيقي وفعلي للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل، وكأنه ليس هناك دستور 2011 ، بل تم التراجع بشكل خطير حتى عن بعض إيجابيات النظام الأساسي للقضاة الساري المفعول والتساؤل الجوهري هنا كيف يمكن تصور سلطة قضائية بدون مقومات الحياة والوجود؟

وهكذا تم انتهاك استقلالية القضاء الفردي والمؤسساتي بتخويل الوزير صلاحية تقيييم المسؤولين القضائيين وتخويله حق الحضور لأشغال المجلس متى طلب ذلك، وإعدام أي استقلال إداري أو مالي سواء للمجلس أو المحاكم،حتى صار المجلس المذكور مجرد لجينة للبت في ضمانات الوضعية الفردية للقضاة تحت نظر وبصر الوزارة، حتى ترقي من تشاء وتؤدب من تشاء بغير ضابط ،وأصبح الرئيس المنتدب رئيسا لمجلس وليس لسلطة قضائية مستقلة دستوريا، فلا يملك حتى اقتناء قلم واحد للمحاكم ،ولا الإشراف على الادارة القضائية للمحاكم والمسؤولين القضائيين، مما ترتب عنه وضعية شاذة ليس لها مثيل في التاريخ ،قضاة تابعون للمجلس ومسؤولون ومحاكم تابعون للوزير، وترتب عنه أن القضاة باتوا مفصولين عن محاكمهم .

وعوض أن يحدد مجال التعليمات وحدودها وحماية ممثل النيابة العامة المعترض على التعليمات غير القانونية بحماية استقلاله اعتبر التعليمات أوامر يتعين الالتزام بها، وكأننا إزاء نظام عسكري يعرف نظام الطاعة العمياء مما جرد المقتضى الدستوري من كل فعالية لعدم تقيده بقيدي التعليمات الكتابية وقانونيتها كشرطين لازمين لا غنى لأحدهما عن الآخر في المادة 43 من مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية .

وتم أيضا المس باستقلالية النيابة العامة كسلطة قضائية مستقلة من خلال إلزام رئيسها الوكيل العام للملك بمحكمة النقض بعرض تقريره أمام البرلمان رغم أنه لا يمكن مراقبتها من طرفه،لأنه دستوريا يراقب فقط السلطة التنفيذية، فضلا عن أن الدستور،و لاسيما الفصل 160 منه قطع الشك باليقين بتحديده على سبيل الحصر المؤسسات التي تقدم تقارير أعمالها للبرلمان وهي مؤسسات الحكومة وبعض المؤسسات العامة ،ولا يمكن بداهة لسلطة دستورية أن تقدم تقريرها لسلطة أخرى على قدم المساواة والتوازن معها.

و يجب الإقرار بعدم جدوى وجوب تقديم الوكيل العام للتقرير أمام البرلمان ،إذ لا يترتب عنه أي مفعول قانوني، فاللجن البرلمانية لا تملك اتخاذ أي إجراء بحقه، فضلا عن أن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية، ولا يجوز استبدال هذه الضمانة بما هو أدنى منها باعتباره الممثل الأسمى للأمة ،والحكم بين السلطات ،مما يبرز أزمة عدم دستوريته.
والأدهى من هذا أنه تم إدخال صور غريبة للخطأ التأديبي في سابقة عالمية إسمها الخطأ الخطير في القانون كانقلاب كبير على طرق الطعن القضائي، وإيقاف القضاة لمجرد متابعة جنائية بدون تحديد ولو لمخالفة السير ، ودون انتظار الحكم النهائي في خرق خطير لقرينة البراءة المكرسة دستوريا ،والتأسيس لخلق قضاة صامتين غير مزعجين لأن المطالبة باستقلال السلطة القضائية معاكسة للاصلاح تعتبر جريمة لا تغتفر ويقتاد أصحابها للتأديب في غفلة من الدستور، بأن خلق مصطلح جديد لا قبل للقانون المقارن به إنه التصريح الذي يكتسي صبغة سياسية كمفهوم خرافي ومطاط لإلصاق التهم الباطلة بالقضاة وخنق أصواتهم المطالبة بالتغيير للصمت عن مناقشة قوانين تهمهم ،وأسقط عن القضاة حقهم الدستوري في تأسيس جمعيات مدنية أو تسييرها بأي شكل من الأشكال في مخالفة واضحة للفصل 111 من الدستور متناسين أنهم أعدموا أيضا الحق في الانتماء للجمعيات المدنية، لأن الجمع العام للمنخرطين يتمتع أيضا بصفة تقريرية في الجمعيات، لا لشيء إلا لكون مشاركة القضاة في النقاشات المجتمعية عبر الجمعيات الحقوقية جعلت القضاة كائنات حقوقية تتنفس حرية التعبير وتسعى للإصلاح وحماية الحقوق وصون الحريات، في بادرة ممارساتية اعتبرت تشويشا على الإصلاح المزعوم .

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تم تكريس التعاطي التحجيري مع حق القضاة في التعليم والتكوين والتدريس والبحث العلمي كحقوق مضمونة دستوريا ،فالصفة القضائية لا يمنحها الرئيس المنتذب وإنما ظهير التعيين فضلا عن أن هذه القيود الغرض منها التضييق على القضاة في نشاطهم الجمعوي والمهني وحراكهم الحقوقي والقضائي بمبررات غير مقبولة، فالأنشطة العلمية تفيد القضاة ولا تؤثر على أدائهم المهني إلا إيجابيا وليس سلبا لأن العلم وسيلة لترقية الفكر والأداء القضائي ولم يكن يوما يتصور إقامة حواجز عليه، كما أن تقييد البحث العلمي بإذن أو رخصة يبدو مثيرا للسخرية لأن التفكير لا يخضع للرقابة، فعملية التفكير والبحث مضمونة،فشتان بين البحث العلمي كمنهج وفكر ومنشوراته كنتاج وتحصيل العملية الذهنية، وفي نفس الإطار حظرت المادة 49 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة على القضاة إبداء الرأي في أي قضية معروضة على القضاء مما يستشف منه أن القضاة ممنوع عليهم التعليق على الأحكام القضائية لغرض علمي، والحال أن نطاق الحظر يقتصر على إبداء الرأي في قضية معروضة على القاضي نفسه، مما يظهر أن نية إقصاء القضاة من المشهد العلمي حاضرة وبقوة، وشبه كره شديد وغير مبرر للبحث العلمي للقضاة، لأن ارتفاع منسوب الوعي القضائي شكل مصدر إزعاج وقلق بالغين لواضعي المشروعين، فعوض محاصرة الجهل والفساد تم محاصرة فكر التنوير والتخليق،وخنق حرية القضاة في التعبير والتنظيم .

و في خرق سافر للضمانة الدستورية للقضاة بعدم النقل تم تخويل المسؤولين القضائيين صلاحية الانتداب عن طريق نقل القضاة من المحكمة التي يشتغلون بها إلى محاكم أخرى، وهو ما يشكل مسا بالاستقرار الاجتماعي للقاضي، و يتحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة لفرض التعليمات و التدخل في مسار القضايا تحت وطأة التهديد بالانتداب، و نفس الأمر ينطبق على مؤسسة النقل التلقائي للقضاة إثر ترقيتهم، لذلك ما فتيء نادي قضاة المغرب يطالب بضرورة وضع ضوابط قانونية ضامنة لاستقلالية القاضي عند ممارسته لمهامه القضائية وذلك بتجنب تضمين مشاريع القوانين لوسائل تتيح المس باستقلال القضاة في عملهم، بعيدا عن التأويل المغلوط الذي يروجه البعض عن مفهوم استقلال القضاة و كأنه دعوة إلى التسيب، إذ بما ذكر من مضامين أعلاه لن يكون هناك سوى تسيب في مواجهة حقوق و حريات المواطنين .

إن إعادة النظر في مشاريع الردة الدستورية جدريا يبقى مطلب مجتمعي وليس قضائيا فحسب في اتجاه ضمان استقلالية السلطة القضائية من منطلق أن الأمن القانوني والقضائي للقاضي أولوية الأولويات، لأنه لا يمكن للقاضي حماية الحقوق والحريات وهو مفتقد للحماية الذاتية، مادام أن استقلال القاضي ليس امتيازا شخصيا له ،وإنما امتيازا للمتقاضين للاحتماء بقضاء مستقل وعادل.

وبالنسبة للملفات التأديبية لقضاة الرأي فإننا سنحرص على ضمان محاكمة تأديبية عادلة بفرض احترام حقوق الدفاع والمطالبة بإيقاف المتابعات التأديبية لأنها انتقامية وسياسية جعلت الوزير الرميد خصما وحكما وبالتالي فقد حياده واصبح شخصا غير جدير بالثقة لرآسة المجلس الأعلى للقضاء، مما يتعين إيقاف هذه المحاكمات إلى حين تأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية لأنها مخالفة للقانون والهدف منها تكميم الافواه وسيطرة التنفيذي والسياسي على القضاء من خلال تسريع المساطر التأديبية بشكل صاروخي يبعث على الشك والريبة والتخوف من الإجهاز على حقوق الدفاع وضمان المحاكمة التأديبية العادلة ،فرجاء احترموا ذكائنا وسمعة وطننا حقوقيا.