في هذا المقال المثير والمفصل، يوجه القاضي محمد الهيني رسالة ثانية لأعضاء مجلس المستشارين من أجل تنبيههم من خطورة مشاريع القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية والمعروضة عليهم من طرف وزير العدل والحريات مصطفى الرميد.

وسرد الهيني، في مقاله هذا، العديد من النقاط التي تشكل تراجعات خطيرة -بحسبه- محذرا من عدم دستورية هذه المشاريع داعيا المستشارين إلى استدراك الأمر قبل فوات الأوان.

وفي ما يلي نص المقال كاملا:

رسالة لمجلس المستشارين:الحاجة لاستدراك أزمة عدم دستورية مشاريع
"السلطة القضائية" قبل فوات الأوان ؟

استحضارا للتوجيهات الملكية السامية والمقتضيات الدستورية للسلطة القضائية في مناقشة وتقييم مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاء يجعلك تخرج بقناعة أكيدة أنها تشكل في الحقيقة انتكاسة وردة دستورية في مجال استقلال السلطة القضائية ،ومقتضياتها خارجة عن زمن دستور 2011 نصا وروحا ،فضلا عن هذه النصوص تم إعدادها وفق مسطرة أحادية ضيقة الأفق لوزارة العدل دون استشارة المعنيين بالأمر ومختلف الحقوقيين العاملين في حقل العدالة بما فيهم أعضاء لجنة الحوار القضائي حول إصلاح القضاء الذي كان يفترض تخويلهم مسؤولية صياغة مشاريع الإصلاح القضائي.

ومساهمة منا في النقاش الوطني حول تنزيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالسلطة القضائية من خلال تجميع وتقييم الآراء والتصورات وتبادل الأفكار والخبرات حول سؤال إصلاح القضاء بالمغرب الذي يكتسي أهمية بالغة بالنظر إلى انتظارات المواطنين وآمالهم في قضاء قوي وفعال ومنصف،وبالنظر للانتقادات والملاحظات الموضوعية والوجيهة لمنهج إعداد مشاريع قوانين السلطة القضائية ولنصوصها من طرف كل الجمعيات المهينة والحقوقية والتي أجمعت على ضرورة إعادة النظر فيها جدريا في اتجاه ضمان استقلالية السلطة القضائية من منطلق أن الأمن القانوني والقضائي للقاضي أولوية الأولويات ،لأنه لا يمكن للقاضي حماية الحقوق والحريات وهو مفتقد للحماية الذاتية، مادام أن استقلال القاضي ليس امتيازا شخصيا له ،وإنما امتيازا للمتقاضين للاحتماء بقضاء مستقل وعادل يمكن حصر أهم الاختلالات الجوهرية غير الدستورية لمشاريع السلطة القضائية في المواضيع التالية :

أولا:-الخطأ الخطير في قانون الموضوع أو المسطرة 

تثير المادة 97 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة المصادق عليه من قبل لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب إشكالية عدم دستوريتها لأنها تتناقض واستقلال السلطة القضائية ،وكذا مضمون الفصل 117 من الدستور الناص على أن القاضي يتولى حماية الحقوق والحريات وصيانة الأمن القضائي ،والتطبيق العادل للقانون حسب المادة 110.

فالمادة 97 المذكورة تلغي قانونيا وعمليا الاجتهاد القضائي للقضاة والمحاكم ،لأن القضاة مدعوون إلى التطبيق الحرفي والّآلي للنصوص القانونية وتطبيقها حرفيا على الوقائع المعروضة عليهم -دون عبرة لحماية الحقوق والحريات والأمن القضائي ولا التطبيق العادل للقانون -وذلك تحت طائلة تعرضهم للمساءلة التأديبية بدعوى وقوعهم في الخطأ المسطري أو الموضوعي الخطير في خرق سافر وفاضح بأبجديات وظيفة القاضي الدستورية والدولية ولدور محكمة الطعن ولوظيفة سلطة التأديب التي خولها المشروع صلاحية الرقابة على التطبيق السليم للقانون وتقدير درجة خطورته وكأنها محكمة الطعن التي استعيض عنها بجهاز التأديب الذي سيعتمد الخطأ في القانون لتقييد عمل القضاة وفرملة اجتهاداتهم والضغط عليهم وتهديدهم بصفة مباشرة أو غير مباشرة للتأثير على استقلالية القضاء والقضاة في أحكامهم.

والثابت من استقراء المعايير الدولية للمسؤولية القضائية أنه يمنع اتخاذ أي اجراءات تأديبية لمعاقبة القضاة عن محتوى القرارات والأحكام القضائية لتوقي الاستخدام التعسفي والسيء للتدابير التأديبية على حساب استقلال القضاء لأنه من واجب الدول وضع معايير موضوعية لتوقيف أعضاء السلطة القضائية أو عزلهم وإخضاعهم اعقوبات تأديبية لضمان سيادة القانون وتعزيز الثقة في السلطة القضائية وتأمين ضمانات لقيام القاضي مهامه دون خوف من المساءلة عن مجرد تطبيق القانون حتى لا يتردد في الإعمال السليم له ليشعر بالأمان والثقة في عمله وأحكامه ،هذه المعايير والتقارير الدولية للأمم المتحدة محط إجماع العديد من مجالس السلطة القضائية بالعالم والمؤكدة أن الأخطاء في القانون مجاله طرق الطعن وليس التأديب.

ثانيا-الموقف السياسي أو التصريح المعتبر كذلك

المثير للجدل هو توسيع مجال الحظر ليشمل ليس فقط الموقف السياسي وإنما أيضا التصريح المعتبر سياسيا أي الذي يكتسي صبغة سياسية-المادة 97- والمعد خطأ جسيما يترتب عنه توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه والذي قد يترتب عنه عزله من سلك القضاء، مما سيعصف بشكل واضح بحرية التعبير بالنسبة للقضاة وسيجعلهم قضاة صامتين لا رأي لهم ،لأن كل تصريح أو موقف إذا لم يكن سياسيا سيعتبر كذلك من باب الاشتباه قياسا على" الظهير المنسوخ لكل ما من شأنه "للتضييق عليه ،وهذا يعد في الحقيقة مخالفة للدستور ولاسيما الفصل 111 الذي متع القضاة بحرية التعبير طالما أن التعبير متوافقا مع مبادئ التجرد والاستقلال والأخلاقيات القضائية،فضلا عن أن هذا المفهوم غير منضبط بالمرة ،ويستوعب جميع التصريحات التي يمكن الإدلاء بها من طرف القاضي بمناسبة عمله الجمعوي أو المهني أو العلمي في المنتديات العلمية والثقافية وفي وسائل الإعلام ،والهدف منه إقبار كل رأي قضائي حر مدافع عن استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ،لأنه سيؤدي إلى فتح مجالات المتابعات التأديبية الموجهة عن كل انتقاد للسلطة التشريعية أو التنفيذية أو حتى لمؤسسات السلطة القضائية ،وكأنها معصومة من الخطأ.

إن التجريم التأديبي "لكل تصريح معتبر سياسيا" يبرز أزمة القلق التشريعي من تنامي موجة حرية التعبير وتأثيرها على أداء المؤسسات التي عوض أن تتلقف مكامن الخلل وتسعى لإصلاحها تحاول وأد مكتشفيه"الخلل" والرمي بهم في أحضان التأديب حتى يرتدع دعاة الاصلاح ويلتزمون بإخراس ألسنتهم،لأن سيف التأديب قد يسلط عليهم عاجلا أو آجلا بشكل مطاطي وبتفسير واسع لا يخضع إلا لمخيلة أصحابه ،لأنه حمال أوجه تبعا للتفسير المراد له ولاستخداماته المتعددة التي يمكن استغلالها لا قدر الله للمس باستقلال القاضي مستقبلا في أي وقت وزمن .

ثالثا-حظر تأسيس الجمعيات المدنية وتسييرها بأي شكل من الأشكال

حظرت المادة 38 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الاساسي للقضاة على القضاة تأسيس جمعيات مدنية غير مهنية أو تسييرها بأي شكل من الأشكال بالمخالفة الصريحة والقاطعة للفصل 111 من الدستور رغم أن المشرع الدستوري لم يضع أي تقييد على حرية الانتماء للجمعيات غير المهنية ولم يميز مطلقا بين العضوية العادية والعضوية التسييرية بالجمعيات المهنية أو غيرها من الجمعيات الحقوقية أو المدنية،لان درجة العضوية تخضع للانتخاب الحر والديمقراطي والشفاف لأجهزة الجمعيات المعنية ،وبقرارها الحر والمستقل الذي لا يجوز فرض الوصاية عليه خارج الدستور والقانون لتعلقه بالحقوق المدنية لكافة المواطنين ومنهم القضاة الغير القابلة للتنازل أو الإسقاط،لأن تنظيم الجمعيات وتسييرها وفق الفصل 12 من الدستور يجب أن يكون مطابقا للمبادئ الديمقراطية ،كما أنه وفقا للبندين الثامن والتاسع للمبادئ الدولية لإعلان استقلالية السلطة القضائية الصادر بتاريخ 6/12/1986فإنه تأسيسا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإنه يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع، وفق مسلك يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء،وتكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات للقضاة أو غيرها من المنظمات بمختلف أنواعها لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي، وفى الانضمام إليها.

وبذلك يكون معه أي تقييد غير دستوري وتحكمي ويستهدف الإجهاز على حرية القضاة في التنظيم والتعبير بكل فعالية في المجتمع المدني والحقوقي بعد النجاحات التي حققها القضاة وجمعياتهم المدنية في الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية والانخراط في النسيج المدني باعتبار أن إصلاح القضاء مشروع مجتمعي ووطني شامل جامع لكل المغاربة ، وأن القضاة جزء لا يتجزأ من هذا النسيج المتنور الساعي لتكريس الثقة في القضاء ودعم دوره في صيانة المشروع الديمقراطي طبقا للمقاربة التشاركية لجمعيات المجتمع المدني التي أكدت الفصل 12 من الدستور من خلال إعداد التقارير وتقديم المشاريع للمؤسسات العمومية والمنتخبة .

إن تشريع الخوف والتردد بمنطق الصراع لا التعاون لن ينتج إلا فقدان الثقة في المؤسسات ويعدم وجودها ،ويعكس خلفية صادمة لحرية التعبير والحق في التنظيم بمختلف درجاته ،وتشكل انتكاسة حقيقة للفصل 111 من الدستور،فهل يصدق أي مواطن أن القضاة مواطنين ناقصي الحقوق المدنية باعتبارهم محظور عليهم رآسة أو تسيير حتى جمعيات القنص والجمعيات الرياضية وجمعيات تسيير الإقامات والشقق التي يقطن القضاة فيها؟

رابعا-الإدارة القضائية للمحاكم وإشكالية الاستقلال المالي والإداري

يسجل في المشروع الإبقاء على الإدارة القضائية على وضعيتها الحالية التي يقر الجميع بفشلها مع بعض التعديلات الطفيفة التي لن يكون لها تأثير على مستوى الواقع مما جعل القضاة وحدهم في المغرب مفصولون عن محيطهم المهني فالقضاة تابعين للمجلس والمحاكم تابعة للوزارة فمثلا فالرئيس المنتدب لا يملك حتى حق اقتناء قلم للمحاكم مما يجعل الاستقلالية أقرب منها للخيال من الحقيقة لغياب الاستقلال المالي والإداري للمحاكم بحيث اختزلت السلطة القضائية في المجلس فقط دون المحاكم التي أصبحت غريبة عن السلطة القضائية.

إذا كانت وزارة العدل والحريات تعتبر أن الإدارة توضع دستوريا تحت سلطة رئيس الحكومة وأن وضع السياسات الحكومية في جميع المجالات ولو تعلق الأمر بالقضاء تضعها الحكومة وليس المجلس الأعلى للسلطة الحكومية.

فإننا نعتقد أن هذا الرأي غير مؤسس ،فهو حق يراد به باطل ،فالدستور-الفصل 90 منه الذي وضع الإدارة رهن إشارة رئيس الحكومة هو نفسه من سن استقلالية هيآت الحكامة الجيدة والتقنين ، ومنحها سلطة تنظيم ووضع السياسات المتعلقة بمجالها، بما تملكه من صلاحية إصدار قرارات تنظيمية،وأخرى غير تنظيمية،في إطار ممارستها لسلطة التنظيم والضبط الاقتصادي والمالي. فهي تشارك الحكومة نفس الاختصاصات التي تم سحبها منها وتفويضها قانونا للهيئات كالمجلس الأعلى للسلطة القضائية،بحكم تركيبتها وحساسية مجال اشتغالها والرغبة في تطوير وتفعيل أدائها،ومن يقرأ التاريخ الدستوري الفرنسي يعتقد أن البعض في المغرب وحتى من يحسبون على الفقه الدستوري لايزالون في نقاش حسم فيه القضاء الفرنسي الدستوري منذ سنة 1986 حيث أكد في قرارين له صادرين على التوالي بتاريخ 18 شتنبر 1986و 17يناير 1989 "حيث إنه إذا كانت هذه الأحكام تمنح لرئيس الحكومة ممارسة السلطة التنظيمية على المستوى الوطني، فإنها لا تحول دون منحها من طرف المشرع لسلطة أخرى بالدولة،غير رئيس الحكومة، من أجل تحديد قواعد تسمح بتطبيق القانون، لكن ذلك مشروط بأن لا ترتبط هذه الأهلية إلا بإجراءات ذات مدى محدد لها بالنسبة لمجال التطبيق ولا بالنسبة لمضمونها ،وبذلك تم الحسم في الموضوع،بالاعتراف بأحقية هيئات النوظمة إصدار قرارات تنظيمية محددة Limitée ومتميزة Spéciale، محددة ،لأنها لا ترتبط إلا بالمجال الذي أنشئت من أجله هذه الأجهزة، ومتميزة، وذلك تمييزا لها عن السلطة التنظيمية العامة التي يتمتع بها رئيس الحكومة.

وعليه فإن النقاش يظل محسوما حول دستورية منح المجلس الأعلى للسلطة القضائية سلطة الإشراف على الإدارة القضائية للمحاكم بدل وزير العدل،لا سيما أن المجلس الدستوري المغربي نفسه أقر بدستورية اختصاصات هيئات الحكامة الجيدة والتقنين.

التساؤل المطروح هو كيف يمكن تصور إشراف الوزارة على الإدارة القضائية للمحاكم بدون المس باستقلال السلطة القضائية ،أيمكن جمع الضدان اللذان لا يلتقيان ؟ ومما لاشك فيه فإن قراءة متفحصة للدستور في باب السلطة القضائية تجعلك تخرجك بقناعة راسخة أن وزارة العدل لا وجود لها ضمن مقتضياته ،ولم تذكر تحت مسمى الحكومة إلا في فصل وحيد جاء فيه " يُصدر المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان،آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بسير القضاء مع مراعاة مبدإ فصل السلط(الفصل 113).

لذلك كان من اللازم في إطار التنزيل السليم للدستور ولاسيما لهذه الفقرة السابقة أن يوضح مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية كيفية تطبيق هذا المقتضى الخاص والاستثنائي الذي لا يقبل أي قياس أو توسع في التفسير،لكن ذلك لم يحصل ،لرغبة وزارة العدل في مواصلة تصدر المشهد القضائي بكل امتياز وضدا على مقتضيات الدستور بصياغة نظرية مطلقة تارة تحت مسمى "التنسيق" بين الرئيس المتندب للمجلس " وتارة تحت مسمى"الاختصاص الحصري "وما نطلق عليه نحن"الاعتداء المطلق" في الإشراف الإداري والمالي على المحاكم الذي يجب أن يتبع للمجلس حصرا،لأنه لا يعقل أن يعد المجلس تقريرا عن وضعية المحاكم وفقا للدستور وهي لا توجد تحت إشرافه في المشروعين؟ مما يبين بالملموس خرق للدستور في أبعد تجلياته .

وبالنسبة للاستقلال المالي للمحاكم فهو غائب تماما لتبعيتها إداريا وماليا للسلطة التنفيذية ممثلة لوزارة العدل وهو ما يخالف مبدأ استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية طبقا للفصل 109 من الدستور وكذا المعايير الدولية لاستقلالية السلطة القضائية وفقا للمبادئ الأساسية للأمم المتحدة الناصة على أنه من واجب كل دولة عضو أن توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة. والتساؤل الجوهري هنا كيف يمكن تصور سلطة قضائية بدون مقومات الحياة والوجود ،بحيث لا تملك حتى حق اقتناء قلم للمحاكم ؟

خامسا-حضور وزير العدل لأشغال المجلس الأعلى للسلطة القضائية

هذا الحضور غيب المعطى الدستوري لاستقلالية السلطة القضائية تصوروا كيف ان الشعب بالإجماع صوت على مقتضى دستوري –الفصل 115-يخرج وزير العدل من تشكلته إيذانا بنهاية وجوده في المشهد القضائي برمته لنفاجئ ان المشروع المصادق عليه من قبل مجلس النواب ولاسيما المادة 54 من مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أعاده من النافدة بعدما خرج من الباب الواسع ليقرر حضوره الدائم في عضوية المجلس بطلب حضوره التلقائي فقط ودون منح المجلس صلاحية الاستجابة من عدمه .

سادسا-رقابة السلطة التشريعية على النيابة العامة كسلطة القضائية

إن تقديم الوكيل العام للملك بمحكمة النقض تقريرا عن السياسة الجنائية،ومناقشته أمام البرلمان، فإننا نعتبر ذلك مخالفا للدستور ولا يمكن تقرير قاعدة غير دستورية ،لأن السلطة القضائية سلطة مستقلة لايمكن مراقبتها من طرف البرلمان ،لأنه دستوريا يراقب فقط السلطة التنفيذية،فضلا عن أن الدستور،ولاسيما أن الفصل 160 منه قطع الشك باليقين بتحديده على سبيل الحصر المؤسسات التي تقدم تقارير أعمالها للبرلمان وهي مؤسسات الحكومة وبعض المؤسسات العامة ،ولا يمكن بداهة لسلطة دستورية أن تقدم تقريرها لسلطة أخرى على قدم المساواة والتوازن معها.

و يجب الإقرار بعدم جدوى وجوب تقديم الوكيل العام للتقرير أمام البرلمان ،إذ لا يترتب عنه أي مفعول قانوني ،فاللجن البرلمانية لا تملك اتخاذ أي إجراء بحقه ،فضلا عن أن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية ،ولا يجوز استبدال هذه الضمانة بما هو أدنى منها باعتباره الممثل الأسمى للأمة ،والحكم بين السلطات ،مما يبرز أزمة عدم دستوريته.

سابعا-تقييم وزارة العدل للمسؤولين القضائيين

نصت المادة 72 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة على أنه يراعي المجلس كذلك التقارير التي يعدها وزير العدل على مستوى أداء المسؤولين القضائيين بشأن الإشراف على التدبير والتسيير الإداري للمحاكم ،مما يعني ضربا لاستقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية قد ينتج عنه مع توالي الأيام تأثير لها على القرار القاضي من خلال منفذ المسؤوليين القضائيين بالمحاكم، كما أن جعل تقييم المسؤولين من طرف وزارة العدل يعزز منافذ التأثير والتحكم على القضاة ويمس باستقلال القضاء والقضاة من خلال بوابة التعليمات والمتابعات التأديبية الموجهة،فضلا عن مساسه بالاختصاص الحصري لاختصاص المجلس وتدخلا غير مقبول في مهامه في تناقض تام مع الدستور . وهذه العلة وحدها كافية لهدم مقومات السلطة القضائية التي أصبحت بمقتضى المشروعين تحت وصاية وزارة العدل ،مما يجعل أي حديث عن هذه السلطة القضائية الموعودة وهم كبير لم يتحقق ،لأن التقاطعات مع وزارة العدل تجعل السياسي يتحكم في القضائي ،وفصل السلط وتوازها غائب تماما في المعادلة،فإما استقلالية كاملة طبقا للدستور أو التبعية كما نعيشها الآن،فلا توجد سلطة داخلة في سلطة أخرى،فأخطر ما نواجهه حاليا في المشاريع هو التراجع عن مقتضيات الدستور عوض التنزيل الديمقراطي له وفقا لروحه بتعبير السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض .

ثامنا-تقيد النيابة العامة بالأوامر غير القانونية

إن اعتبار النيابة العامة في التنظيم القضائي المغربي هيئة قضائية شأنها شأن القضاء الجالس تسهر على حماية حقوق المجتمع ورعاية الصالح العام وصيانة حقوق وحريات المواطنين وأمنهم القضائي لا ينفي عنها خصوصيتها النابعة من الطابع الإداري والقضائي المزدوج لها بحكم قاعدة التسلسل الرئاسي التي تخضع لها ،من هذه الزاوية فإن اعتبارها قضاء التعليمات مسألة قانونية لا جدال فيها ، وإذا كان هذا حال النيابة العامة اليوم فإن الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 ارتقى بعمل النيابة العامة إلى إضفاء الطابع القضائي عليها وبيان خصوصيته وتحديد نطاق الالتزام بقاعدة التعليمات بحيث نصت الفقرة 2 من الفصل 110 منه على يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.لكن مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة عوض أن يحدد مجال التعليمات وحدودها وحماية ممثل النيابة العامة المعترض على التعليمات غير القانونية بحماية استقلاله اعتبر التعليمات أوامر يتعين الالتزام بها ،وكأننا إزاء نظام عسكري يعرف نظام الطاعة العمياء مما جرد المقتضى الدستوري من كل فعالية لعدم تقيده بقيدي التعليمات الكتابية وقانونيتها كشرطين لازمين لا غنى لأحدهما عن الآخر في المادة 43 من مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية .

تاسعا-مطلب إحداث مجلس الدولة

إن تخويل الغرفة الإدارية بمحكمة النقض حق مراقبة شرعية قرارات المجلس مخالف للفصل 114 من الدستور لأن الرئيس المنتدب هو من يعين رئيس الغرفة وأعضاءها ،فهل يعقل أن يراقب القاضي رئيسه ؟عن أي ضمانة نتحدث ؟وعن أي اطمئنان للقاضي عن مصيره المهني ووضعياته سنتكلم وسنبحث ؟ولماذا لا نرفع الحرج عن القضاة في مواجهة الرئيس والزملاء ونخول ذلك لمجلس الدولة كهيئة إدارية عليا مستقلة ومحايدة الذي نطالب ونلح في إحداثه لإحقاق الحقوق ورفع المظالم والشطط وللاستبداد لا قدر الله ،لأن السلطة المطلقة في غياب رقابة حقيقية وفعالة ومنصفة وحيادية مفسدة مطلقة،هذا النعي بمفرده في نظري قادر على هدم عملية الإصلاح القضائي ،لأن نظام التأديب وحده قادر على ضمان استقلالية كاملة للقاضي بأن يعرف بأنه محاط بضمانات قضائية أثناء الحكم لا يمكن تجاهلها أو الدوس عليها من طرف أي جهة كانت ،وأن قاضيه الطبيعي قادر بل وصاحب جرأة وشجاعة في الاحتماء به مثل أي متقاضي يحميه القاضي نفسه طالما احتمى بالقانون والشرعية.
ومن المهم الإشارة أن الخطاب الملكي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 كان واضحا في هذا الباب حيث قال حفظه الله "ورغبة منا في توسيع مجالات التطوير والتحديث قررنا الزيادة التدريجية في عدد المحاكم التجارية كما قررنا إحداث محاكم استئناف إدارية في أفق إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين".

عاشرا-التقييدات على الأنشطة العلمية للقضاة

نصت المادة 47 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة على أنه لا يجوز للقضاة أن يذكروا صفاتهم في مصنفاتهم العلمية أو الأدبية أو الفنية إلا بإذن من الرئيس المنتدب للمجلس ،كما أن التدريس أو البحث العلمي يتوقف على قرار من الرئيس المنتدب أيضا ،ويمكن للقضاة المشاركة في الأنشطة والندوات العلمية شريطة أن لا يؤثر ذلك على أدائه المهني .
من خلال هذا المقتضى يبرز التعاطي التحجيري مع حق القضاة في التعليم والتكوين والتدريس والبحث العلمي كحقوق مضمونة دستوريا ،فالصفة القضائية لا يمنحها الرئيس المنتذب وإنما ظهير التعيين فضلا عن أن هذه القيود الغرض منها التضييق على القضاة في نشاطهم الجمعوي والمهني وحراكهم الحقوقي والقضائي بمبررات غير مقبولة ،فالأنشطة العلمية تفيد القضاة ولا تؤثر على أدائهم المهني إلا إيجابيا وليس سلبا لأن العلم وسيلة لترقية الفكر والأداء القضائي ولم يكن يوما يتصور إقامة حواجز عليه،كما أن تقييد البحث العلمي بإذن أو رخصة يبدو مثيرا للسخرية لأن التفكير لا يخضع للرقابة ،فعملية التفكير والبحث مضمونة،فشتان بين البحث العلمي كمنهج وفكر ومنشوراته كنتاج وتحصيل العملية الذهنية .

إحدى عشر -حظر التعليق على الأحكام القضائية

حظرت المادة 49 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة على القضاة إبداء الرأي في أي قضية معروضة على القضاء مما يستشف منه أن القضاة ممنوع عليهم التعليق على الأحكام القضائية لغرض علمي ،والحال أن نطاق الحظر يقتصر على إبداء الرأي في قضية معروضة على القاضي نفسه ،مما يظهر أن نية إقصاء القضاة من المشهد العلمي حاضرة وبقوة ،وشبه كره شديد وغير مبرر للبحث العلمي للقضاة ،لأن ارتفاع منسوب الوعي القضائي شكل مصدر إزعاج وقلق بالغين لواضعي المشروعين،فعوض محاصرة الجهل والفساد تم محاصرة فكر التنوير والتخليق،وخنق حرية القضاة في التعبير والتنظيم .

إثنى عشر -تقييد حق القضاة في الترقية

المشروع يسجل إلحاق حيف كبير بالقضاة المرتبين حاليا في الدرجة الثالثة الذين جعلهم مشروع النظام الاساسي للقضاة خاضعين لنسق الترقي المنصوص عليه في ظهير 1974 قصد حرمانهم من حقهم في الاستفادة من المقتضيات الجديدة التي تقلص المدة نسبيا ،فضلا عن أنه لا يعقل أن يظل قضاة الدرجة الاستثنائية أكثر من ثلاثين سنة في درجة واحدة مما يضعف الفعالية والتحفيز مما يحتم إحداث درجات جديدة.

فضلا عن أنه لا يعقل أن يظل قضاة الدرجة الاستثنائية أكثر من ثلاثين سنة في درجة واحدة مما يضعف الفعالية والتحفيز مما يحتم إحداث درجات جديدة،مع ما صاحب ذلك من استباق الحوار الوطني حول ملف التقاعد بشكل مثير للريبة بإخضاع القضاة كحقل للتجربة لسن 65 سنة،مما سيحول المحاكم من قاعات للجلسات إلى قاعات مآثم وجنازات ،فالمطلوب هو تجديد النخب القضائية لا تأبيد مدة الخدمة القضائية ضدا على صحة وسلامة القضاة نفسيا واجتماعيا وماديا ،وما يتبعه من تأثير على حقوق المواطن المستفيد من الخدمة.

ثلاثة عشر -انتداب القضاة والمس بقاعدة عدم جواز نقل القضاة

تفاديا للتأثير في استقلالية القضاة أثناء أدائهم لمهامهم عن طريق آلية النقل، نصت مختلف المواثيق  الحقوقية الدولية على ضمانة عدم قابلية القضاة للنقل، ومن ذلك البند الحادي عشر من المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية الصادرة عن الأمم المتحدة بتاريخ 13/12/1985، وهو ما سار عليه الدستور المغربي من خلال المادة 108، على اعتبار أن الضمانة المذكورة تشكل ركيزة من ركائز السلطة القضائية المستقلة، إلا أن المشروع المعروض على أنظار البرلمان أسس لمنحى مغاير لهذه الضمانة و ذلك من خلال إتاحته للمسؤولين القضائيين صلاحية الانتداب عن طريق نقل القضاة من المحكمة التي يشتغلون بها إلى محاكم أخرى، وهو ما يشكل مسا بالاستقرار الاجتماعي للقاضي، و يتحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة لفرض التعليمات و التدخل في مسار القضايا تحت وطأة التهديد بالانتداب، و نفس الأمر ينطبق على مؤسسة النقل التلقائي للقضاة إثر ترقيتهم، لذلك ما فتيء نادي قضاة المغرب يطالب بضرورة وضع ضوابط قانونية ضامنة لاستقلالية القاضي عند ممارسته لمهامه القضائية وذلك بتجنب تضمين مشاريع القوانين لوسائل تتيح المس باستقلال القضاة في عملهم، بعيدا عن التأويل المغلوط الذي يروجه البعض عن مفهوم استقلال القضاة و كأنه دعوة إلى التسيب، إذ بما ذكر من مضامين أعلاه لن يكون هناك سوى تسيب في مواجهة حقوق و حريات المواطنين.

هذه التراجعات الخطيرة المتعرض لها سابقا تتلاقى بشكل كلي وتفاعلي مع الخطوط العريضة للإصلاح المنوه بها والمعبر عنها من طرف الرئيس الأول لمحكمة النقض في أشغال اليوم الدراسي المنظم بالرباط من طرف المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية والتي استشعرت خطورة المرحلة وحجم زيف ادعاءات الإصلاح المنتظر حينما اعتبر " أن سلطة رئيسية ومستقلة بحجم السلطة القضائية كما نظمها دستور 2011، لا يمكن أن تكون في مستوى الانتظارات، كما أنها لن تبرح مقام السلطة المستقلة استقلالا شكليا وسطحيا في الحالات التالية :

-ان هي اختزلت في المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي رغم مكانته المحورية ضمنها يبقى مكونا من مكونات هذه السلطة لا غير،

-ان لم تعتبر هذه السلطة هي المسؤولة صراحة وحصريا عن تدبير شؤون القضاء والتطبيق العادل للقانون،

-إن غاب التأسيس في القوانين التنظيمية لاستقلال إداري ومالي تام غير مجزأ يؤمن الجسم القضائي من منافذ التأثير عليه، ويقوي مناعته من خلال ضمان وتوفير الموارد الكافية للعمل، والتي تستوجب اشراك القضاة في تحديد الميزانية اللائقة بأداء راق وإطلاعهم على جميع مشاريع القوانين التي تهم تدبير شؤونهم، ومنها مشاريع قانون الميزانية،

-ان سلبت منها آليات المبادرة والإشراف والتتبع الحقيقية والمجدية، أو ظل هذا الاشراف رهينا بإجراءات مسطرية معرقلة وغير عملية، لا تضيف إلى الضمانات الأساسية الواجب تأمينها جديدا،

-ان لم يتحقق فك ارتباط آليات التتبع والمراقبة والتقييم القضائية عن المصالح التابعة للسلطة التنفيذية ، ولم تلحق بهياكل السلطة القضائية المؤهلة لتدبير الشأن القضائي إداريا وماليا،

-ان لم يتم التنصيص على مهام آليات التنسيق بين السلطة القضائية ومصالح وزارة العدل، وكذا على مهام كل جهة بشكل واضح وجلي، بما يكرس التعاون والتكامل لا التبعية والخضوع تحت مسميات الاشراف والاستشارة،

إذا لم يتبلور على مستوى النصوص القانونية الانسجام المنطقي بين ما نتغنى به من اصلاح وما ينبغي أن يفعل على أرض الواقع، بعيدا عن الاعتبارات السياسية أو الفئوية أو النخبوية التي يسمو عليها القضاء ولا تخدم الاصلاح،

-إن لم تأت الاستجابة في القانون الأساسي للقضاة لمطالبهم المشروعة من استقلال وحماية وعيش كريم.

وأضاف بأنه "لا يمكن تحقيق أي استقلال في غياب قوانين تنظيمية فاصلة وواضحة تعكس مضامين الدستور الطموح وترسي أسس سلط مفصولة عن بعضها ومستقلة بحيث لا نفوذ لإحداها على الأخرى ولا تداخل في الاختصاصات ، مع ربط هذا الفصل في الآن نفسه بآليات التعاون والتكامل بما يضمن خدمة الصالح العام"، معبرا عن أمله في أن ترقى القوانين التنظيمية المرتقبة إلى مستوى تطلعات القضاة وكافة المهتمين خاصة وأن تكريس سلطة قضائية ضعيفة من شأنه افراز نتائج كارثية، داعيا إلى تغليب منطق الحكمة، والتخلي عن بسط وزارة العدل لنفوذها على مكونات هذه السلطة القضائية.

وإذا كانت هذه هي الخطوط العريضة للإصلاح والتطوير،فإن الوقوف عند هنات وعثرات بعض مضامين مواد مشاريع "السلطة القضائية "من شأنه أن يقوي ويعزز الاستقلالية للقاضي والقضاء عموما ويدعم دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية كهيئة ناظمة للقطاع القضائي بكل تجلياته وأبعاده في اتجاه صيانة استقلال السلطة القضائية وحماية القاضي والسهر على حسن سير العدالة ،وحماية حقوق المتقاضين،وتعزيز الثقة في القضاء وصون الأمن القانوني والقضائي.

ومما لاشك فيه فإن الأمل كبير معقود على مستشاري الأمة لوطنيتهم وصدق طويتهم من خلال دعم الفصل المطلق بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل، وتقوية اختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية -لكونه ملك للقضاة ومنهم تشكل ولفائدته يعمل- ،لكن ذلك الأمل وتلك الثقة المنشودة تتوقف على أهمية التعديلات القانونية التي ستطرأ على مشروع قانونه التنظيمي أمام البرلمان ،ولاسيما المراجعات بشأن المحاور المشكلة لنافذة الإصلاح وجوهره لتخليصه من العوار الدستوري.