خص القاضي محمد الهيني، موقع "بديل" بمقال مثير "يجلد" من خلاله رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط، على خلفية تجميد الأخير لجميع أجهزة نادي قضاة المغرب.

هذا نص المقال

محمد الهيني- وقائع القضية: تقدم أربعة من الزملاء القضاة أعضاء نادي قضاة المغرب بطلب استعجالي إلى السيد رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط قصد إيقاف الأجهزة المنتخبة بالجمع العام العادي الثاني لنادي قضاة المغرب المنعقد بتاريخ 18/10/2014 إلى حين البت في الدعوى الجارية أمام قضاء الموضوع الرامية إلى بطلانه.

أسس الطعن على عدة وسائل قانونية موضوعها عدم احترام ضوابط النصاب القانوني لصحة الجمع العام المؤدية لبطلانه موضوعا وتفاديا لاتخاذ قرارات أو بيانات أو بلاغات من لدن أجهزته المنتخبة قد تؤثر سلبا على حقوق المنخرطين.

دفع ممثل جمعية نادي قضاة المغرب أن الجمع العام انعقد وفقا للضوابط القانونية المنظمة لانعقاده،وأن مناقشة الأسس المعتمدة من طرف جهة الادعاء من شأنه المساس بجوهر النزاع .

تعليل الأمر القضائي

جاء في تعليل الأمر المذكور الصادر بتاريخ 28/1/2015 ملف استعجالي رقم 1664/1101/2014 : "وحيث بالرجوع إلى ظاهر محضر المعاينة المحرر بتاريخ 11/11/2014 والمقتبس من الموقع الرسمي لنادي قضاة المغرب على الشبكة العنكبوتية يتضح أنه جاء في بيان المكتب التنفيذي للنادي المؤرخ في 19/10/2014 بأن الجمع العام حضره 564 قاضية وقاض عن محاكم المملكة ،وأنه احترم كل مواد القانون الأساسي لا سيما ما تعلق منها بتحديد حالات التنافي في العضوية داخل النادي وحالات فقدها وصوت على صحة وقانونية انعقاده 550 صوتا مقابل عشرة أصوات .

وحيث إنه بالرجوع إلى اللائحة المستدل بها من طرف جهة الادعاء بأن عدد القضاة والقاضيات المنضويين تحت لواء جمعية نادي قضاة المغرب يبلغ 1343 عضوا منخرطا.
وحيث إن المادة 23 من القانون الأساسي لجمعية نادي قضاة المغرب ،تنص على ما يلي:يكون انعقاد الجمع العام لاجتماعاته العادية أو الاستثنائية صحيحا،إذا حضره على الأقل نصف عدد الأعضاء المنخرطين بالنادي.

إذا لم يتوافر هذا النصاب القانوني في اجتماعات الجمع العام ،ينعقد بعد خمسة عشر يوما بأي عدد من الأعضاء المنخرطين الحاضرين ، وحيث إن الحاضرين للجمع العام البالغ عددهم 564 منخرطا لا يشكلون النصاب القانوني المحدد على الأقل في نصف عدد الأعضاء المنخرطين المحدد في 1343 عضوا ،علما بأنه على ضوء اجتماع المكتب التنفيذي للنادي بتاريخ 16/11/2013 تم توجيه كتاب إلى السادة رؤساء المكاتب الجهوية بتاريخ 25/12/2013 بتحيين لائحة المنخرطين بالمكاتب الجهوية.

وحيث إن الدفع بمراجعة لائحة عدد المنخرطين التي تضمنت أسماء مكررة في إطار المادة 12 من القانون الأساسي للنادي يوم عقد الجمع العام يؤكد بجلاء عدم سلامة الترتيبات والإجراءات المواكبة لعقده والتي تقتضي حصر لائحة الأعضاء المنضوية تحت لواء النادي وفقا لما تقرر خلال اجتماع المكتب التنفيذي للنادي بتاريخ 16/11/2013، وحيث إن ما تذرعت به الجهة المدعى عليها من كون الجمع العام تم التصويت على صحة وقانونية انعقاده بعدد 550 صوتا مقابل 10 أصوات بعدما تم تحيين لائحة المنخرطين في إطار المادة 12 من القانون الأساسي تنص على إنه إذا لم يتوفر هذا النصاب القانوني في اجتماعات الجمع العام ،ينعقد مجددا بعد خمسة عشر يوما بأي عدد من الأعضاء المنخرطين الحاضرين ، لم يحترم من طرف الجهة المشرفة على الجمع العام المذكور.

وحيث إنه للأسباب التي تم بسطها أعلاه وتفاديا لصدور قرارات عن الأجهزة الجديدة للنادي قد يصعب أو يستحيل تدارك آثارها ،تكون جهة الادعاء محقة في الحماية القانونية العاجلة التي يوفرها تدخل قضاء الاستعجال والتي لا تتحقق من اتباع الإجراءات العادية للتقاضي ،الأمر الذي يجعل الاختصاص ينعقد لهذا الأخير لاتخاذ التدبير اللازم لإيقاف أشغال الأجهزة المنتخبة عن الجمع العام المنعقد بتاريخ إلى حين الفصل في الدعوى الرائجة أمام قضاء الموضوع سندا للفصل 152 من ق.م.م الذي جاء فيه "لا تبت الأوامر الاستعجالية إلا في الإجراءات الوقتية ولا تمس بما يمكن أن يقضى به في الجوهر .

وحيث إن الطلب بكون العلل التي بسطها أعلاه مؤسسا من الناحيتين الواقعية والقانونية الأمر الذي يبرر الاستجابة إليه، وحيث إن الأوامر الاستعجالية إذا كانت مشمولة بالتنفيذ المعجل بقوة القانون سندا للفصل 153 من ق.م.م فإن طبيعة الدعوى الاستعجالية الراهنة وما تقتضي من غل سلطة الأجهزة المنتخبة على وجه الاستعجال تبرر تنفيذ الأمر الصادر على الأصل"

نص التعليق

يثير الأمر القضائي محل التعليق شروط اختصاص قضاء المستعجلات وسلطته إزاء الطلب المستعجل ،فإذا كانت سلطته مقيدة بتوافر شرطي الاستعجال و عدم المساس بالموضوع ،فهل هناك ما يبرر الخروج عنهما بتجاوز شرط الاستعجال والغوص في الموضوع بمبرر توفير الحماية العاجلة؟ والتحول أيضا من طلب الإيقاف إلى إقرار البطلان ولو أسبابا وعللا لا منطوقا ،طالما أن منطوق الأمر يكمل بعضه بعضا؟وهل هناك ما يبرر الاعتداء الجسيم على اختصاص محكمة الموضوع المنظورة أمامها دعوى بطلان انتخاب الأجهزة ؟وما هو الأثر القانوني لهذا الاعتداء المطلق على صلاحية محكمة الموضوع؟

1-خرق قاضي المستعجلات لشرط الاستعجالي

يتدخل قاضي المستعجلات في القضايا التي لا تقبل انتظار البت فيها عن طريق المسطرة العادية ويتسبب التأخير في البت بواسطة هذه المسطرة الأخيرة في إلحاق أضرار يصعب أو يستحيل تلافيها ،فالمساطر الخاصة بالاستعجال تم وضعها لتعزيز حماية حقوق وحريات الأفراد والجماعات بالسرعة اللازمة وبالإجراء الوقائي المناسب،مما يستوجب التساؤل عن ماهية الضرر المتعذر دفعه أو تلافيه؟.

-هل مرور ثلاث أشهر كاملة عن تسجيل الدعوى الاستعجالية يبرر وجود شرط الاستعجال ؟،لأن الاستعجال يقتضي البت في الدعوى داخل أجل شهر من تقديمها على الأكثر وفقا للمستقر عليه في اتجاهات القضاء الاستعجالي للتدخل العاجل لتوفير الحماية المطلوبة والناجعة ،لأن أجل الثلاث أشهر يكفي للبت في الدعوى الموضوعية كحد أدنى انسجاما مع الحق في محاكمة داخل الأجل المعقول ،ولماذا تأخر البت كل هذه المدة طالما أن الأمر في خطوة لافتة تحمل أكثر من معنى ،لم يكتف بالنفاذ المعجل بل أوجب التنفيذ على الأصل أي على مسودة الأمر ،وكأنه صدر أيام السبت والآحاد والعطل ،ليس هناك من ينسخ ولا من يسجل ولا من يبلغ الأحكام ؟.

-ما هو الضرر الجسيم الذي سيلحق بالمركز القانوني للمدعون يتعذر تداركه أو يخشى اندثاره مترتب عن استمرار الأجهزة المنتخبة في أعمالها ومهامها مستوجبة للغل ،وهل إصدار بيانات ومواقف يشكل ضررا حقيقيا وجسيما،ولمن المصلحة،ومن هو المتضرر ؟ ،وما هي المصلحة الراجحة المعتمدة هل مصلحة 550 عضوا أم أربع أم عشر أشخاص على الأكثر ؟،وهل ضرر غل أنشطة الجمعية والتضييق على حريتها الدستورية أكبر من استمرارها ؟،وما ذا يضير المحكمة أو العدالة ترك المسألة لقاضي الموضوع للفصل في النزاع الموضوعي في إطاره القانوني ،لأنه لم يسبق للقضاء المغربي أن تجرأ على إيقاف جمعية على وجه الاستعجال حتى في الظروف الحالكة التي مر بها المغرب،وهل إشكال قانوني دقيق وعميق حول النصاب يستوجب البت فيه موضوعا المغامرة ببحثه استعجالا؟وهل لا تكفي دعوى البطلان في هدم كل قرارات الأجهزة المغلولة حالة استمرارها في العمل ، وعدم التسرع في إيقافها من طرف قاضي المستعجلات؟،وهل الإيقاف غاية أم سبب؟لاسيما وان المتأمل للأمر الاستعجالي يعتقد عن خطأ وكأن الأجهزة المنتخبة لنادي قضاة المغرب لم تصدر أي قرارات أو بيانات حتى يتم غلها عن ذلك مستقبلا؟.

-هل جمعية نادي قضاة المغرب تتوفر على موارد مالية ضخمة ومشاريع عملاقة وقررات رائدة،واتفاقيات متنوعة سترهن مستقبله حالة استمرار الاجهزة المنتخبة ومستقبل أيضا المدعين المتضررين؟ إن نادي قضاة المغرب لا تتجاوز ميزانيته 50 ألف درهم ومجمل ما يملكه فكره الإصلاحي المتنور عنوان ثروته غير المادية ،ودفاعه عن حقوق القضاة وعن إبراز وظيفة القاضي المستقل مؤسساتيا وفرديا في حماية الحقوق والحريات وصون الأمن القضائي ،فهل غل الأجهزة المنتخبة يعني غل فكر الإصلاح الذي سلاحه الكلمة التي أصبحت مزعجة وجب توقيفها تحت ستار الشرعية من طرف المدعين.

2-مساس قاضي المستعجلات بموضوع الدعوى

يقصد بعدم مساس قاضي المستعجلات بموضوع الدعوى أو بأصل الحق عدم التعرض للمسائل النزاعات الموضوعية الماسة بحقوق والتزامات كل واحد من الطرفين اتجاه الآخر .
وهكذا فإن البت في النصاب القانوني للجمع العام لنادي قضاة المغرب، والقطع في مسألة عدم تحقق النصاب القانوني ، ورد الدفوعات الموضوعية المنصبة على حالات التنافي والتسجيل المتكرر،يشكل بتا في مناعة جدية موضوعية لا مراء فيها ،لكون القضاء الاستعجالي لا يختص بفحص الوثائق والمقارنة بينها،والفصل فيها بالمشروعية أو عدم المشروعية ،ووزن الدلائل الموضوعية وزنا دقيقا أو معمقا،أو تأويل لفصول معينة من شأنه المساس بالجوهر، والإضرار بالمراكز القانونية للطرفين.
فقاضي المستعجلات ينحصر دوره وهو بصدد تقدير ركن الجدية تلمس ظاهر الوثائق والوسائل دون الخوض في موضوع المنازعة والحسم فيها إيجابا أو سلبا برأي قاطع في النزاع ،لأن البحث المعمق في الحجج والوثائق والتعرض للوسائل القانونية المثارة بالتفسير والتأويل والدحض والتفنيد محظور على قاضي المستعجلات ،لأن الطعن الأصلي يبقى محفوظا لبحثها وتقديرها والحكم عليها من طرف محكمة الموضوع .

3-أثر الاعتداء على الموضوع على اختصاص محكمة الموضوع

نبه الفقه إلى خطورة اتجاه القضاء في تقدير الأسباب بطريقة موضوعية والتي تبدو في التطابق بين تعليلات الأمر الاستعجالي وتلك الصادرة في الموضوع بحيث تعتبر مؤشرا على اتجاه المحكمة ،ولا شك أن ذلك يتضمن اعتداء واضحا وغير مقبول على سلطتها في تقدير الأسباب وحسم المنازعة،لأن الأمر الاستعجالي هو حكم مؤقت وقتي لا يقيد المحكمة عند نظرها لأصل الطلب ،إذ أن محكمة الموضوع هي وحدها من تملك التعمق في بحث شرط الأسباب الجدية سواء فيما يؤيدها أو يدحضها من دلائل موضوعية يقدمها كل من طرفي النزاع ،فلها أن تقضي بالاستجابة للطلب الموضوعي أو ترفضه بصرف النظر عما قضى به الأمر الاستعجالي الذي يصبح هو والعدم سواء ،لا يقيدها في شيء،طالما أن الأمر الاستعجالي موضوع التعليق لم يترك لمحكمة الموضوع شيئا لم يبت فيه ،وهذا ما يفسر سر ضمه لملف الموضوع وعدم اعتباره إلحاقا أو إضافة فقط للملف،فكيف يمكن لقاضي الموضوع إذن استرداد سلطته على الملف المضموم مسطريا وبأمر قضائي عن خطأ؟ربما لن نحتاج ذلك لأن تقرير البطلان والحل في حيثيات الأمر الاستعجالي بدل الإيقاف جعل الملف الموضوعي غير ذي موضوع من وجهة نظره ،وكأن قاضي المستعجلات بحكمه المؤقت والدي يكتسي حجية مؤقتة لاتخاذه إجراءات تحفظية يعتبر سلطته أقوى من سلطة قاضي الموضوع .

في ختام هذا التعليق نعتبر أن منطوق الأمر الاستعجالي لا يستجيب ولا يتلائم مع علله وأسبابه المؤدية عقلا ومنطقا لنتيجة واحدة كانت مدار كل جوانب تعليل الأمر القضائي تصريحا لا تلميحا هو بطلان الأجهزة المنتخبة لنادي قضاة المغرب،وليس فقط إيقافها ،وذلك استباقا لنتيجة الحكم الموضوعي ،مما يبين الخرق الفاضح لشروط اختصاص القضاء المستعجل سندا للفصل 152 من ق.م.م الذي جاء فيه "لا تبت الأوامر الاستعجالية إلا في الإجراءات الوقتية ولا تمس بما يمكن أن يقضى به في الجوهر فضلا عن خرق القواعد الجوهرية للمسطرة ،وفي ذلك شطط واضح في استعمال القاضي لسلطته المتجنية على اختصاص قضاء الموضوع من خلال الحيثيات التالية:"وحيث إن الدفع بمراجعة لائحة عدد المنخرطين التي تضمنت أسماء مكررة في إطار المادة 12 من القانون الأساسي للنادي يوم عقد الجمع العام يؤكد بجلاء عدم سلامة الترتيبات والإجراءات المواكبة لعقده" "وحيث إن الحاضرين للجمع العام البالغ عددهم 564 منخرطا لا يشكلون النصاب القانوني" "لم يحترم من طرف الجهة المشرفة على الجمع العام المذكور" ،الشيء الذي يبرز أزمة التكوين في مجال القضاء المستعجل،بإجبارية فرض تعديل تشريعي يمنح اختصاص النظر في الأمور الوقتية لأكفأ القضاة بدل أقدمهم،مع الحاجة الملحة لتطوير قواعد حياد القاضي واستقلاله الفردي في الأحكام القضائية،ابتداء من مسطرة تعيين المقرر،وذلك كله بعيدا عن ثقافة الخوف وقربا وأكثر التصاقا من ثقافة تعزيز الثقة،لأن القانون ليس هو ما يعتقده القاضي، وإنما ما هو مكرس في المدونات القانونية بتطبيق القاضي العادل وفق منظور حماية الحقوق والحريات وقضاء المواطنة ،وذلك ورش كبير يشتغل عليه ضمير الجمعية المغلولة بحكم قضائي بمساعدة الجمعيات الحقوقية والمهنية لكون جودة المقررات القضائية ونشرها من مقومات الحق في المعلومة تفعيلا للرقابة الشعبية على المقررات القضائية ،فالهدم سهل جدا والبناء طريق طويلة وشاقة،لأن الأمن القانوني والقضائي للأشخاص والهيآت ليس فقط حاجة بل ضرورة لدولة الحق والقانون.

إن المباشرة العاجلة لمسطرة إيقاف تنفيذ الأمر الاستعجالي أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف والطعن فيه أيضا أمام نفس المحكمة ،سيعيد الاعتبار للعدالة ،ويصحح الأخطاء الجوهرية التي اعترته، والتي تعد سابقة في تاريخ القضاء الاستعجالي لا نتمنى أن تتكرر، حفاظا على سمعة وجودة هذا القضاء ،وأهميته في تكريس الحماية القضائية العاجلة والعادلة باحترام تام للقانون وشروط اختصاصه وللمساواة بين أطراف الخصومة تحقيقا للأمن القضائي باعتبار القضاء المستقل مصدر الثرورة اللامادية للوطن،ولا غرابة أن يعيش القاضي كمتقاضي مع القضاء جزءا مما يعانيه باقي المواطنين؟مما يجعل إصلاح القضاء بابا مفتوحا وورشا مستمرا؟.