في هذا المقال المثير والمؤثر، يروي كاتبه القاضي محمد الهيني، نائب الوكيل العام للملك باستئنافية القنيطرة، تفاصيل لقائه بالقاضي عادل فتحي، بالمصحة، حيث كان يتلقى فيها العلاج، إثر وعكة صحية ألمت به بعد إصابته بداء السكري، مع ارتفاع كبير في ضغط الدم.

ويسرد الهيني، في نفس المقال، لحظات ذرفه للدموع خلال هذه الزيارة، كاشفا عن العديد من الخروقات التي شابت طريقة عزل القاضي عادل فتحي، كما تساءل من المفارقة العجيبة والغريبة، التي تجلت إثر هذا العزل وهي الفرق بين قاضٍ أفنى عمره في خدمة الصالح العام، وتعويضه بعـد ذلك 400 درهما فقط، مقابل معاشات مريحة لوزراء نظير سنوات معدودات من العمل السياسي.

وهذا نص المقال كاملا:

-حوار مع قاض رأي معزول –
حين أبكاني القاضي فتحي المحصن قراره عزله من الطعن


زارني القاضي عادل فتحي بالمصحة حيث أعالج، وفاجئني بعيادته لي، مقبلا رأسي، وعانقته بحرارة، فدعا الله أن يحفظني في صحتي وبدني ، في وقت مرض بعض الأفكار والعقول وسطوة الترهيب وتسييد الشطط ضد قضاة الرأي، بإحلال قانون الصمت بدل قانون حرية الرأي والتعبير، وقانون التأديب بدل قانون الحوار والتواصل والسجال العلمي البناء لخدمة مصلحة قضاء الوطن، مستغربا بتساؤل عن السر وراء هذه الانتكاسة والردة الدستورية لإصلاح القضاء، والزحف نحو إعدام الرأي المخالف لتدجين الفكر ونشر ثقافة التمجيد عبر آلية عقود التصفيق، فقلت له الجواب عندكم، فأجابني بلطف وبصراحة إنه انعدام الفكر الدستوري لدى من جعل الدستور إلغاء وجودها -أي الوزارة- مدخلا لاستقلالية السلطة القضائية، فكيف ستقبل بالاستقلالية من يطالب الدستور والقضاة بإلغاء وجودها من المشهد القضائي؟ ففصل السلط كمرتكز دستوري هو الحاجة المفصلية لتحقيق استقلالية فعلية للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل.

لخص الزميل القاضي فتحي، قضية قضاة الرأي باعتبارها قضية مصيرية أبعد من قضية متعلقة بقضاة بعينهم، فشاطرته الرأي في كونها قضية دستورية ومجتمعية تتعلق بالتطبيق الفعلي والتنزيل الحقيقي لدستور 2011 ولاسيما الفصل 111 المتعلق بحرية التعبير كحق من حقوق الانسان غير القابل للتنازل والاسقاط، لكونه آلية ومدخل حقيقي لاستقلال السلطة القضائية، لان القاضي يعتبر كائنا حقوقيا يحمي الحقوق ويصون الحريات في أحكامه واجتهاداته وفي مواقفه وآرائه ومناقشاته المجتمعية، فإذا كان القاضي كخبير في القانون محكوم عليه بالصمت، فأحكامه أيضا محكوم عليها بالتبعية، لأن استقلالية القاضي جزء من هويته الفكرية والقضائية والمهنية، فكيف سيدافع عن استقلالية قراره القضائي من لا يملك حتى حق التعبير عن أفكاره في ضمان سيادة القانون وتطوير العملية القضائية والحقوقية للوطن من منطلق الإيمان العميق للنخب في صيانة الخيار الديمقراطي للدولة وسيادة القانون وحماية المكتسبات الحقوقية للوطن .

لم يتغير القاضي فتحي، رغم عنف التأديب كما أسماه، فحافظ على كبريائه ومواقفه بحيث عبر لي عن تضامنه اللامشروط مع قضيتي فاتحا الأمل على انفراجها بنصر قريب، ناصحا إياي بالثبات على المواقف الوطنية والملكية المشرفة في النضال من أجل إقامة سلطة قضائية مستقلة، والتمسك بالحقوق الدستورية للدفاع والمحاكمة العادلة، لأنها صمام الامان للوقاية من الجور والشطط والتعسف.

لم أتمالك نفسي وبكيت في حضرته وبعد توديعه كثيرا... لم يُعزل عن فساد أخلاقي أو مالي، بل عن رأي، مهما اختلفنا عن عدم صوابيته، وقلت لماذا تحمل الرجل كل آثار هذا الظلم بقسوته، ظلم العزل وإعدام المورد المالي وتشريد أسرته رغم قضائه ازيد من 18 سنة في سلك القضاء متفانيا في الدفاع عن رسالته، ولم يراكم ثروات ولا ارصدة مالية، عاش على الكفاف والغنى عن الناس، ولم يسرق متقاضيا ولم يتلق هدايا، ولم يكن "لا كثير الأسفار ولا مصاحب للأشرار" بنكتة تعبيراتها مثله مثل زميلنا القاضي السكال، وظل امينا في حفظ كرامة منصبه، رغم مغريات المنصب وجاه السلطة، وتهافت سلطة المال والأعمال، ولم يبق له بعد عزله إلا 400 درهم كتعويضات عائلية، في وقت يستفيد الوزراء والبرلمانيون من تقاعد عن مدة لا تتجاوز خمس سنوات من العمل، عن أي مساواة نتحدث إذن؟ وأي منطق هذا؟ غير غياب العدالة وعدم تكافؤ الفرص وتكريس التمييز، في وقت يتم فيه الحديث عن إصلاح قانون التقاعد الذي يجب أن تكون من بين أولوياته إلغاء مختلف صور الريع التقاعدي والتعاقدي؟

لقد عزل القاضي فتحي في غياب ضمانات المحاكمة العادلة وحق الطعن في قرار المجلس الأعلى للقضاء، لماذا القاضي هو الكائن والمخلوق الوحيد في العالم الذي يحرم من حقه في الطعن في القرار الماس بوضعيته الادارية ولو كان إعداما للحياة المهنية ؟ رغم أن الجميع، بمن فيهم عتاة المجرمون، يحاكمون أمامه يمتعون بجميع الضمانات القانونية والقضائية، بما فيها حقوق الدفاع وحق الطعن في ثلاث درجات قضائية مختلفة ومتنوعة، وآخرها أمام محكمة النقض، باعتبارها أعلى محكمة قضائية في المملكة، فهل القاضي كائن غريب عن النظام القانوني ؟ وهل هو مقبول منه أن يرضى بالظلم الواقع على نفسه، لا على غيره؟ هل هو ناقص الحقوق المدنية؟ أم كائن مثالي يسمو على المساواة وعدم التمييز، وغير قرين للعدالة، وينفر الظلم منه؟ لأن الله يحميه ويرعاه، باعتبار أن العدالة الربانية ستقتص له وحده من معذبيه، فكيف سيحمي حقوق الغير من هو مجرد من أي حماية قانونية وقضائية تذكر ؟

قيل إن القاضي فتحي في تقرير التفتيش وغيره من التقارير الادارية مصاب بنوبات متقطعة من فقدان العقل والتمييز، وأجريت عليه خبرة طبية كشف فيها الطبيب والخبير المعالج أنه لا يستيطع الحكم على أهليته إلا بعد فحوصات عميقة ومتخصصة، فلماذا لم توقف مسطرة التأديب إلى حين إجرائها؟ ولماذا لم يحل للعلاج على نفقة الدولة كغيره من عتاة المجرمين ؟ ولماذا لم ينقل لأي مصلحة إدارية قضائية يكون استمراره فيها أمرا عاديا على المصلحة القضائية؟ أوليس مرضه ناجما عن مرض مهني نتيجة الارهاق والإجهاد العقلي والنفسي في تدبير قضايا المواطنين والحكم فيها ؟

تساؤلات تنم على عدم التروي والتعقل الناجم عن التسرع في قرار عزله، وهو فاقد للإدراك المفترض كشرط للمسؤولية التأديبية، فإذا كان الركن المعنوي في المخالفة التأديبية وهو الإدراك مفتقد فإن المسؤولية تكون منتفية، فإذا كان عتاة الإجرام يصرح بإعفائهم من المسؤولية الجنائية عن أكبر الجرائم الخطرة والمحكوم عليها بالإعدام حالة انتفاء إدراكهم، ألم يكن حريا التصريح بإعفاء القاضي فتحي من المسؤولية التأديبية ؟ ولماذا لم يتم تمتيعه بما يتمتع به الموظفون في القطاع العام طبقا للفصول من 42 إلى 45 من النظام الاساسي العام للوظيفة العمومية، المطابقة للفصول من 32 إلى 36 من النظام الأساسي للقضاة ؟ بحيث إذا أصيب القاضي بمرض ثبت وجوده وأصبح معه غير قادر على القيام بمهامه أعطيت له رخصة بقوة القانون.

ويحق لوزير العدل إجراء كل مراقبة ضرورية. غير أنه لا يمكن أن تتجاوز الرخصة المخولة نتيجة مرض عاد مدة ستة أشهر يتقاضى القاضي خلال ثلاثة أشهر منها كامل مرتبه وخلال الثلاثة أشهر الباقية نصفه فقط مع احتفاظه بجميع التعويضات العائلية.

وإذا منحت لقاض أثناء مدة اثنى عشر شهرا متوالية رخص مرض بلغت في مجموعها ستة أشهر وتعذر عليه استئناف عمله عند انصرام مدة الرخصة الأخيرة وضع تلقائيا في حالة الاستيداع أو حذف من الأسلاك إذا ثبت بصفة نهائية أنه غير قادر على مزاولة مهامه.

غير أنه إذا نتج المرض عن تضحية للصالح العام أو مخاطرة بحياته لإنقاذ شخص أو نتج عن حادث وقع له أثناء قيامه بمهامه أو بسبب قيامه بها فإنه يتقاضى مرتبه بأكمله إلى أن يصبح قادرا على استئناف عمله أو إلى أن يحذف من الأسلاك ويحق له علاوة على ذلك أن يسترجع الصوائر الناتجة مباشرة عن المرض أو الحادث.

ومن المهم الإشارة إلى أنه تمنح رخصة طويلة الأمد للقضاة المصابين بداء السل أو بأمراض عقلية أو بالسرطان أو مرض الشلل. و يحتفظ القاضي خلال الثلاث سنوات الأولى بمرتبه كاملا وفي السنتين التاليتين بنصفه فقط مع جميع التعويضات العائلية. غير أنه إذا ثبت للمصالح الطبية المختصة أن المرض المستحقة الرخصة الطويلة الأمد عنه قد أصيب به القاضي أثناء قيامه بمهامه أو بسبب قيامه بها فإن الآجال المحددة ترفع بالتوالي إلى خمس سنوات وثلاث سنوات.

وإذا استحال على القاضي بصفة نهائية ومطلقة استئناف عمله بعد انتهاء رخصته الطويلة الأمد أمكن حذفه من الأسلاك. ويوضع تلقائيا في حالة الاستيداع إذا لم يثبت بصفة نهائية أنه غير قادر ولم يتأت له استئناف عمله بعد انصرام رخصته الطويلة الأمد
ويقع الحذف من الأسلاك .. وفق الشروط المنصوص عليها في التشريع الخاص بنظام ورواتب التقاعد المدنية.

والملاحظ أنه عمليا لا يتم تفعيل هذه المقتضيات القانونية لأنه يحال للعزل مباشرة كقرار تأديبي عبر اختيار الحل السهل عوض سلوك الإجراءات القانونية المترتبة عن المرض حالة ثبوته، وذلك لإعدام مسار قضاة الرأي الشرفاء وقطع أرزاقهم، ليعتبر من حاجة لعبرة أن الإصلاح المزعوم عنوانه الانتكاسة الدستورية والأخلاقية، وهنا أستحضر حكما صادرا عن المحكمة الإدارية بالرباط كنت رئيسا ومقررا للهيئة المصدرة له قضى بأن "الهدف من العقاب التأديبي هو إصلاح المعني بالأمر وليس قطع رزقه وهدم مقومات حياته ووجوده" .

وفي الأخير نردد أن الإجراءات غير القانونية كما قال القاضي فتحي، هي من تحتاج لخبرة نفسية وعقلية لوزن درجة الإبداع والتفلسف في خرقها والدوس عليها دون عناء، ودون مراعاة لكرامة القضاة وهيبتهم وللوهم الاجتماعي الذي يصيبهم، والرزق على الله، وللفساد شعار عفا الله عما سلف، وللرأي الحر الاعدام والعزل، أعتقد أنه يتعين التفكير مستقبلا عند تنزيل القوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية إحداث هيئة إنصاف ومصالحة قضائية جديدة كفيلة بإنصاف القضاة المظلومين عن المرحلة الانتقالية السابقة على تفعيل الدستور العظيم لسنة 2011، ولما لا إصدار عفو ملكي تأديبي عنهم حالة ثبوت الخروقات المدعاة بشأن مساطر البحث والتفتيش والمتابعة والتحقيق والمحاكمة معهم، والله الموفق والهادي للصواب .