لا قيمة للقانون إذا لم يحقق العدل والعدالة في المجتمع لأن القانون وجد لكي يطبق بشكل متساوي على الجميع وليس بطريقة انتقائية تمييزية بين الغني والفقير أو القوي والضعيف أو المواطن العادي والمسئول الذي يتمتع بهامش من السلطة في الوطن.

السلطة وجدت لكي تكون في خدمة الإنسان وليس آلية لاضطهاده والاستبداد به وقمع حرياته المدنية والسياسية وهضم حقوقه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

في دولة القانون كما يرى الدكتور منذر الفضل في أحد مقالاته القيمة التي سلط فيها الضوء على موضوع استقلالية السلطة القضائية لا يوجد إلا قانون واحد يخضع له الجميع ويطبق بالتساوي ولا يستثنى منه أحد ويستطيع أي متضرر في حقه أن يحصل علية من خلال إقامة الدعوى العادية أمام المحكمة المختصة للحصول عليه مهما كانت صفة الخصم أو قوته أو درجته أو منصبة، وهو ما يعزز دور القانون وينمي المجتمع ويطوره، ويدفع باتجاه الاحترام الطوعي للقانون، ويعزز مكانه الدولة ومؤسساتها في المجتمع، ويسهم في تحقيق الأمن الاجتماعي والعدالة، إذ لا يجوز خلق معايير مزدوجة في تطبيق القانون.

للأسف الشديد في الحالة المغربية هناك وقائع وحالات قضائية تطرق إلى بعضها الصحفي المقتدر حميد المهدوي في أكثر من مناسبة بموقع بديل الذي تطارده لعنة المتابعات القضائية من طرف مؤسسات الدولة ومسؤوليها " الإدارة العامة للأمن الوطني، وزير العدل والحريات" تثبت ازدواجية المعايير في تطبيق القانون وتطرح أكثر من سؤال حول استقلالية السلطة القضائية في المغرب؟
من جملة هذه القضايا على سبيل الاستئناس والمثال لا الحصر قضية القيادي الاتحادي والوزير السابق في حكومة التناوب التي قادها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي خالد عليوة الذي خرج من السجن ولم يعد إليه بعد تعزيته في وفاة والدته من قبل الملك محمد السادس.

استقلال القضاء ورش مهم جدا، ومبدأ استقلالية السلطة القضائية يعني أن القاضي يتوجب عليه أن يحكم بما تمليه عليه القواعد الموضوعية للقانون لتحقيق العدل والعدالة، وعليه أن يتنحى طبقا للقانون عن منصبه القضائي إذا استعصى عليه فعل ذلك لسبب من الأسباب حرصا على الضمانات القانونية والمعايير العادلة والاستقلالية في اتخاذ الإجراءات القانونية في جميع المراحل، أي منذ لحظة الاشتباه و الاتهام والتحقيق و المحاكمة وإصدار الحكم حتى مرحلة تنفيذه.

ومن هذا المنطلق، لا يجوز للوزير في وزارة العدل، أو لأي مسئول في الدولة، أو في الحزب الذي يقود الحكومة، أو لأي طرف من السلطة التشريعية أو التنفيذية التدخل في هذه المراحل، من اجل ضمان تطبيق القانون بصورة سليمة و إيصال الحقوق إلى أصحابها بصورة صحيحة، ولكي يؤدي المسؤول الأمني والمحقق والقاضي وغيرهم أدوارهم بحرية ونزاهة في تحقيق العدل والعدالة.

وفيما يخص مبدأ استقلال السلطة القضائية عن باقي السلط يرى الدكتور منذر الفضل في مقالته السالفة الذكر أن الدساتير بوجه عام تنص على أسس مهمة لتكريس هذا الاستقلال من ضمنها: أن القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لآية سلطة التدخل في القضايا أو في شؤون العدالة، مما يفيد بأن نظام الحكم يجب أن لا يتدخل في شؤون القضاء أو تطبيق القانون من المحاكم.

بعبارة أخرى، فإن السلطتين التشريعية والتنفيذية أو غيرهما من الأجهزة – كالحزب الذي يقود الحكومة مثلا - لا يحق لهم التدخل في مراحل العملية القضائية ويتوجب عليهم ترك القضاء يمارس وظيفته لتطبيق القانون بكل حرية واستقلالية وبعيدا عن أي تأثير أو تدخلات خارجية أو ضغوط للتأثير على مجرى العدالة والانحراف نحو الظلم وعدم المساواة في تطبيق القانون.

إن القضاة غير قابلين للعزل إلا وفقا للقانون، وينبغي أن يكونوا مستقلين في إجراء وظيفتهم، وأن المحاكم مستقلة كل الاستقلال، تجاه جميع السلطات في تحقيق الدعاوى..

السؤال: كيف يمكن لشخص أن يستعيد حقه بدون قضاء عادل يتمتع بالحصانة ومستقل في حكمه، يساوي بين القوي والضعيف، وبين القريب والبعيد، ولا يخضع لأي تأثير من أي مسؤول أو جهة كانت ؟

جوابا على هذا السؤال يعتبر الدكتور منذر الفضل أن هيبة القضاء وقوته من هيبة الدولة وقوتها، فإذا ضعف القضاء ضعفت الدولة لأنها ستقوم على الباطل والظلم و يبرز عندئذ طغيان الفرد ويلحق المجتمع الشلل من الحكم المطلق ويصاب المجتمع بخلل كبير، كما أن هيبة الدولة وقوتها من هيبة وقوة القضاء و حريته في تطبيق القانون واحترام قواعده من الحكام والمحكومين..

الجدل الذي تفجر في المغرب حول استقلالية السلطة القضائية مند إقرار الوثيقة الدستورية لسنة 2011 يطرح أكثر من علامة استفهام حول مصداقية ما ورد في الوثيقة الدستورية الجديدة في باب الحقوق والحريات وفي الشق المتعلق باستقلالية السلطة القضائية في المغرب وبحق القضاة في حرية الرأي والتعبير والتنظيم على وجه التحديد، لاسيما، بعد عزل عدد كبير من قضاة النادي آخرهم القاضي ابن جيل منتصف السبعينات الدكتور محمد الهيني المشهود له بكفاءته واجتهاداته وعلو كعبه القضائي في المغرب؟

ما يحدث الآن في المغرب يعتبره عدد من المراقبين والحقوقيين والإعلاميين أمثال خالد الجامعي محنة حقيقية للقضاة ولست هنا في معرض التأييد أو الإنكار لتوجه هذا الفريق أو ذاك على خلفية التشرذم والانقسام الحاصل في الجسم القضائي بالمغرب وهو ما يرفضه الحقوقيون مادام أن غاية القضاة واحدة وهي تحقيق الاستقلال التام للسلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.

لماذا هذه الفرقة إذن داخل الجسم القضائي المغربي إذا كانت غاية الجميع واحدة؟ ومن يغذيها؟ وبأي خلفية؟ هل تشرذم الجسم القضائي يخدم هبة الدولة أم يضعفها؟ هل يمكن للدولة أن تنهض إذا كانت أحوال القضاء ليست بخير؟

يحكى أنه بعد خروج فرنسا منتصرة في الحرب العالمية الثانية سأل شارل ديكول عن أحوال القضاء في ألمانيا ـ المهزومة والمنقسمة إلي دولتين ـ فلما علم أن قضاء هذا البلد بخير قال: إذن ستنهض.

الدولة التي تريد فرض سلطتها على القضاء لا يمكن لها أن تنهض ولا مستقبل لها، و في هذا الإطار، ينبغي استحضار مقولة جد معبرة للأديب الفرنسي بلزاك "ليس في الوجود من قوة بشرية ملكا كان أو رئيس وزراء أو وزيرا يمكن أن تجور على سلطة القاضي.. القاضي الذي لا يحكمه شيء إلا ضميره والقانون" وهي المقولة التي تتقاطع مع ما قاله المستشار عبد العزيز باشا فهمي أول رئيس لمحكمة النقض في مصر استنادا لمقالة كتبها القاضي المصري خالد القاضي في سنة 2006 حول محنة القضاة في مصر "إن مركز القاضي لأسمى وأكرم عندي من مركز الوزير، كما أذكر هذا القاضي الذي اعتذر عن تلبية دعوة أحد الوزراء على عشاء له بمنزله تحسبا أن يتداعى أمامه في دائرته، وذاك القاضي الذي رد على وزير العدل شكره قائلا: من يملك الشكر يملك الذم، ومن يقول المدح يقول القدح وكلاهما لا يملكه الوزير.. فالقاضي ينأى بنفسه أن يكون موضع الاسترابة وسوء الظن."

وباستحضار مسلسل التصفية الوظيفية لعدد من القضاة المنضوين في إطار نادي القضاة الذي ينتمي إليه القاضي المعزول بموافقة ملكية دون أن تتوفر له شروط المحاكمة العادلة وفي ظل وجود اختلالات قانونية رصدتها هيئة دفاعه المشهود لأعضائها بالكفاءة، الدكتور محمد الهيني، أصبح عدد من الحقوقيين والمحامين والقضاة، يتوجسون من إمكانية وجود توجه تحكمي داخل الدولة، يحاكي في تعامله مع الجسم القضائي في المغرب النموذج المصري الحالي في عهدي مبارك والسيسي من بعده.

مصر ليست هي المغرب، والمغرب ليس هو مصر، والدول التي تنشد التغيير وتشتغل على الانتقال الديمقراطي كأفق وكخيار استراتيجي مثل المغرب، لا يمكن لها العودة بشعوبها إلى الوراء، ولا يمكن له التورط في أي ردة حقوقية هي في غنى عنها على ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

تقليد نموذج الأنظمة التسلطية الاستبدادية ومحاكاة أساليبها في التحكم في القضاء والقضاة أمر بسيط وسهل للغاية، غير أن تبعاته على السلم القانوني والقضائي وعلى الاستثمار في البلد تكون وخيمة جدا، وهو ما ينبغي التفكير فيه بشكل متأني قبل الإقدام على أي خطوة.

في المغرب توجد مؤسسة ملكية ضامنة للحقوق والحريات وساهرة على احترام الدستور بموجب الفصل 42 منه، والواقع للأسف الشديد يثبت أن قضاة الرأي في المغرب انتهكت حقوقهم الدستورية ذات الصلة بالرأي والتعبير والتنظيم بمبررات لا تنطلي حيلها على أحد مثل مبرر تصريحات ذات صبغة سياسية التي ووجه به القاضي الهيني تأديبيا لتصفيته وظيفيا بناء على شكاية لرؤساء أربعة فرق من الأغلبية الحكومية التي ينتمي إليها وزير العدل والحريات لا يحملون الصفة في غياب موافقة رئيس مجلس النواب استنادا لدفوعات هيئة دفاع القاضي الهيني.

القاضي عادل فتحي قبل أن يتم عزله من سلك القضاء شنوا عليه حملة مسعورة في عدد من الصحف والمواقع التي تقدم خدماتها تحت الطلب وصلت إلى حد التعامل معه كمعتوه أو مجنون أو أحمق، والكل يعرف أن القاضي عادل فتحي كان يكتب مقالات قوية وكانت له مواقف واضحة فيما يتصل بعدد من القضايا أهمها استقلال السلطة القضائية كما أنه القاضي الذي اشتكى نيابة عن أبنائه القاصرين ضد رئيس الحكومة السابق عباس الفاسي والوزير مزوار.
القاضي محمد قنديل أخد بدوره نصيبه من البهدلة في الإعلام قبل أن يتم عزله، والقاضي عنبر تعرض بدوره لمواقف صعبة قبل عزله، وهاهو الهيني اليوم يعزل من سلك القضاء بموافقة ملكية بعد أن اتهموه بما لا يعد ولا يحصى من التهم أهمها أنه يمارس السياسية ومدفوع من طرف المعارضة، وعندما يقال المعارضة فالمقصود بذلك حزب الأصالة والمعاصرة الذي صادق على قوانين مصطفى الرميد استنادا لما نشر في المواقع !!!!

على أي أساس وافق الملك على عزل القاضي الهيني؟ هل على أساس مقترح جهة التأديب؟ أم على أساس تقارير خاصة رفعت عن الهيني إلى الملك الذي يعد دستوريا رئيسا للدولة وممثلها الأسمى؟ أم على أساس الاستشارة القانونية في العلاقة مع المحيط؟

من الصعب جدا الجواب على هذه الأسئلة غير أنه في تقديري الشخصي المتواضع لا أظن أن الملك محمد السادس قد استشار مستشاريه المعتصم والمنوني قبل موافقته على اقتراح عزل القاضي الهيني، لأن تكوين الرجلين قانوني، ويفهمان بشكل عميق معنى الحقوق الدستورية، وكان لهما دور كبير في صياغة النص الدستوري الذي منح حرية الرأي والتعبير للقضاة من خلال الفصل 111 منه على مستوى لجنة ضياغة الوثيقة الدستورية التي ترأسها الأستاذ عبد اللطيف المنوني، والآلية التي ترأسها الأستاذ محمد المعتصم، ويفهمان أيضا في شروط المحاكمة العادلة، وفي المبادئ المؤطرة لاستقلالية السلطة القضائية، وفي معنى حرية الرأي والتعبير المحمية بموجب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادق المغرب على الجزء الأكبر منها.

كمراقب لست مصدوما من قرار عزل الدكتور الهيني ابن جيل منتصف السبعينات من سلك القضاء الذي دخله عن جدارة واستحقاق وأبلى فيه البلاء الحسن لأن المؤشرات كانت توحي على أن مصيره سيكون هو العزل، ومن غير المستبعد أن يكون الغرض من عقابه خلال المرحلة الأولى هو دفعه إلى الاستكانة، غير أن الرجل ظل صامدا ووفيا لمبادئه ومواقفه المزعجة والمرعبة لما لا بالنظر إلى حساسية السلطة القضائية وتجدر وعي القضاة بأهمية استقلالية السلطة القضائية.

لجوء الدولة في تقديري الشخصي إلى القتل أو الإعدام الوظيفي لقضاة الرأي من خلال بوابة التأديب الإداري، دليل على أن هناك خوف وتوجس من تنامي النزعة التحررية لدى قضاة المغرب، هو الذي رجح فرضية التصفية الوظيفية لهؤلاء القضاة، ولاسيما، القاضي الهيني الذي أثبت كفاءته العلمية وكشف من خلال مرافعاته عن قدرة هائلة في تعرية العيوب والأعطاب الدستورية والقانونية للمشاريع الإصلاحية التي تم تمريرها في مجلس النواب بغرفتيه بالتزامن مع قرار عزله الذي سيفرح جزء من زملائه الذين خرجوا يبجلون وزير العدل والحريات بكلام سياسي دون أن تتحرك فرق الأغلبية في مجلس النواب التي اشتكت الهيني لوزير العدل والحريات خفية.

قرار عزل القاضي الهيني من سلك القضاء كان فيه إضرار كبير بصورة العدالة في المغرب بشكل خاص وبالوجه الحقوقي بشكل عام وستكون له مما لاشك في ذلك آثار وخيمة على الاستثمار لأن مثل هذه القرارات تخيف المستثمر وتربكه. أما الأستاذ الهيني فقد بقي مرفوع الرأس ودخل لرياض الشرفاء من بابه الواسع والعبء الآن يقع على وزارة العدل والحريات التي حطمت الرقم القياسي من حيث عدد القضاة الذين تم عزلهم أو توقيفهم بسبب الرأي وهو ما يؤهلها لدخول كتاب غينس.

الخلاصة: أن موافقة الملك على مقترح عزل القاضي الهيني قرار صعب، وما كان له أن يكون لو كان في محيط جلالته- وهو القاضي الأعلى والمؤتمن على ضمان حقوق وحريات المواطنين والساهر على احترام الدستور- من ينقل له تظلمات الهيني وملاحظات هيئة دفاعه بأمانة وصدق، لا سيما، في الشق المتعلق بشروط المحاكمة العادلة وبالتحديد طلب التجريج الذي تقدمت به الهيئة ضد وزير العدل والحريات الذي ينتمي لنفس الحزب الذي ينتمي إليه بوانو كمشتكي وفي مواجهة القاضي المقرر الذي سبق للهيني أن أصدر أحكاما قضائية ضده.

القاضي الهيني تعرض للظلم وتم الاعتداء على حقوقه الدستورية في الرأي والتعبير وتم حرمانه من أبسط حقوقه في الدفاع عن قضيته في مواجهة طاحونة مدمرة انزعجت من مواقفه ونضاله حول استقلالية السلطة القضائية.

أين هم المحامون؟ أين هم القضاة؟ من منكم يتذكر قصة القاضي الباكستاني شودري الذي أرعب نظام برويز مشرف الذي جاء لحكم باكستان عبر حراب البنادق؟ كيف تعامل معه الجسم القضائي عندما قرر برويز تصفيته؟

المخزن القضائي بحسب تعبير صديقي المهدوي عرف كيف يشتت الجسم القضائي ويجعلهم قبائل متناحرة وفقا لمنطقه وفلسفته القائمة على الشعار الخالد "فرق تسد". لا أعرف لماذا سيختلف القضاة إذا كانت المعركة هي استقلالية السلطة القضائية؟
كل التضامن مع القاضي محمد الهيني ابن جيل المسيرة الخضراء الذي انتصر لضميره ورفض المساومة ولم ينصاع إلى ضغوط خصومه وآمن بحقوقه الدستورية في التنظيم والرأي والتعبير.

الهيني حولته الدولة بقرار عزله عن سلك القضاء إلى رمز وطني ومناضل شرس من أجل استقلالية السلطة القضائية في المغرب عن باقي مراكز القرار و جعلت منه أيقونة قضائية جميلة في المملكة في وسط قضائي لا يخلو من قبح.