لقمان الراوي

إن أي حركة سياسية كانت أو غير سياسية و مهما بلغت من الرفعة و السمو في سلم التكامل ، ليست غاية في ذاتها أو قيمة مطلقة ، بقدر ما هي تعبير عن تطلعات إنسانية و اجتماعية تهدف إلى استيعاب الواقع و متطلباته و وسيلة لإنضاج الوعي الشعبي و تقريبه من اللحظة التاريخية لحظة إدراك الطموح المتوخى و صناعة التغيير المنشود .

بادء ذي بدء و قبل الخوض في غمار الأسطر و الكلمات ، لا محيد عن وقفة تأمل في مسار تجربة و محاولة سوسيوـــ سياسية ، شيء لها أن ترتبط بتاريخ المغرب الحديث ، مستلهمة خصوصيتها من كونها تجسيدا واقعيا و انعكاسا صريحا لمطالب الشرائح المجتمعية قاطبة دون ابتخاس أو تمييز ، اختير لها اسم '' حركة 20 فبراير '' ليكون شامة عز في وجنة المستقبل ، و تذكيرا دائما بيوم الفصل و القطيعة مع مغرب الضبابية و القمع و الظلام . فهذه الحركة بوصفها حركة تغيير بدأت بالأساس كحركة سيالة ، متجددة ، ديناميكية ، كلية و متدفقة تنصهر فيها الثقافة و الإنسان و المجتمع و السياسة و المجال، و تستمد ديمومتها و حيويتها من منظومة فكرية متكاملة ، تقوم على الرؤية المعرفية و الاستشرافية للواقع المعيشي و الانخراط في متابعة قضاياه على مستوى الشعار و الممارسة ، و هي حركة متأرجحة بين مد و جزر ، قد تقوى أو تضعف ، تشتد أو ترفق تبعا للمناخ الموضوعي و الذاتي ،إذ لا ينبغي فهمها على أنها وليدة انسياب خطي و تراكمي للأحداث و الوقائع ، أو أنها حركة رد فعل ، أو تأثر بما يدور في الفلك الإقليمي و لا تخضع لأي غاية أو نهج فكري ، فككل مثيلاتها من تيارات من تيارات مقاومة الظلم، و من رحم معانات و بؤس الجماهير المغربية انبثقت الحركة لتعبر عن خط شبابي قائظ و اتجاه حداثي تقدمي أمن بالسلم و دشن نمطا حضاريا منفتحا على دروب المستقبل، و عنوانا جديدا للتفكير الواعظ و الممارسة الهادفة، علقت عليه الآمال العريضة للخروج بالواقع السياسي من بوتقة العدمية و العقم و التمييع و انتشاله من مستنقع التقليد و التحييد و الخمود المفتعل ، و العمل على استتباب منطق منفتح يكون أساسا لإطار فعل تنويري نوعي قابل لإيقاظ الأمل و تحريك الطاقات ، بما يسهم في إرساء دعائم مغرب فسيح ناضج ، في أفق الانخراط في الأوراش النهضوية ، يسوده الانسجام و يتسع للجميع ، تلتحم فيه كل مكونات الشعب و روافده و يرضي كل المتطلبات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية و الثقافية ، يحرص على الدفاع و صيانة و توسيع الحريات الشخصية و العامة ، لا مكان فيه لا للقمع و الفساد و لا موطئ قدم للظلامية و الإلغاء و الريع و الاعتقال السياسي ، مغرب شعاره الرئيس المواطنة الكاملة و البعد كل البعد عن مشارف النفق المظلم .
بإعراضنا عن دعاوى المخذّلين للهمم و صم الأذان عن الأصوات المثبطة للآمال ، نرى أنه لن يختلف قارئان للمشهد ، في أن حركة الشباب أفلحت في كسر رتابة الصيرورة التاريخية و إرباك صمتها الرهيب ، و ذلك بإسقاطها القناع عن بنية اجتماعية هشة ، مثخنة بجراح أركيولوجية و مأزق عميقة و مشاكل عويصة ، لا يمكن عظ الطرف عنها إلا بضروب من التضليل و التأويل و المغالطة ، مهما بدت و تجلت ، فلن تكون إلا كالجزء الظاهر من جبل الثلج العائم ، كما كان لها الفضل في إلغاء جانب كبير من الاغتراب ، الصنمية و الشكوكية و سد الطريق أمام دوغمائيات نقدية حالمة باعتلاء السدة ، رغم عجزها عن تحليل الواقع و تفسيره و اختزال نفسها في الكلمات دون برنامج دون تصور و لا منظور و انكفائها نحو التقليد و إحياء الأحلام الماضوية ، التي تستمد مقوماتها من الزمن الغابر ، عبر اعتماد خطاب القدامة المتعالي ، الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه أو خلفه ، نموذجا لخطاب الحقيقة ، على الرغم من قصوره و انكماشه في الصبغة الشعارية دون أدنى تطبيق .

إن الحراك الذي شكلت أدبياته كابوسا قض مضاجع بارونات الفساد ، أعظم من أن يمنى بالفشل جراء تقاطر محاولات الوأد البائسة ، على تعدد أشكالها و تجلياتها ، بما في ذلك دفع الإسلاميين إلى امتطاء عمل حكومي أعرج ، هذا من جهة و من وجهة نظر معاكسة ، فمن نافلة القول أن تراجع زخم الحراك و غيابه المديد عن الأضواء لدليل و مؤشر على أن الجولة الأولى من معركة الشعب ضد الفساد و الاستبداد ، ربما حسمت إلى هذا الحد أو ذاك لصالح العقل الأمني ، بصريح العبارة ربما نجحت الأقطاب المناوئة للتحرر بمعية من الرجعية المحلية ، في خلخلة بنا الحراك و عرقلت مساره التغيري ، و تحويره من نظرية علمية عملية ذات أبعاد في الصميم ، إلى خطاب سياسي إيديولوجي ، يبشر بأبدية الشمولية لكن في حلة جديدة ، و انتفاء إمكانيات استئصال شأفة الأزمة وخلود واقع الحال و انحصاره في دائرة الخنوع و الانكسار و الإذلال ، ساهم في ذلك ضعف الحراك على مستوى التأطير السياسي والمدني و انجلاء معظم النخب الفكرية عن ركبه ، و انفصام الوشائج و اتساع رقعة الحيلولة بين الشباب الحركي و الجماهير الشعبية ، و ما تلاه من انعكاسات سلبية على نضالاته ضد الإقصاء و الاستعباد و فاعلية رسالته في حياة الفرد و المجتمع .

إن من جملة ما تشي به شفاه الأحداث ، أن دعاة الظلام ، التخلف و الجمود ما فتئوا يتربصون بهذا الوطن ، بغية إسقاطه في دوامة من النكبات من خلال التدليس ، التحايل ، النصب و النفاق ، و دس المؤامرات الخبيثة الهادفة إلى اغتيال تطلعات الشرفاء و سرقة أحلام البسطاء ، في النهضة ، الصحوة و الانبعاث المنشود ، بقلب أسئلة التغيير إلى أجوبة ميتة و تحويل ما كان غريبا مستنكرا لا مألوف إلى أمر مألوف ، و ما كان حصيلة تفاعل مع الواقع إلى معطى واقع ، و ما كان وسيلة تحرر و انعتاقٍ من سطوة الإقطاع و الاستلاب إلى مجال ضيق للمزايدات الايدلوجية ، السياسوية و الديماغوجية المقيتة ، قد يمتزج فيها الدال بالمدلول ، الغامض بالمرموز و المرئي بالمقدس ، الطاهر بالمدنس .
قد لا يكون من المهم اليوم إصدار الأحكام القيمية أو التنبؤ بمصر الحراك في الأفق المنظور ، بقدر ما يهم إبراز الخطوات ، المعطيات و الشروط المفرزة للفاعلية و النجاعة في رحلة الكفاح من أجل التغيير ، فما من شك أن الخلل موجود و أن نجاح حركية الشباب رهين بإعمال ترسانة من الشروط في مسلسل النضال و الممانعة ، إذ بإغفالها لن يتسنى له القيام بدوره الطبيعي في قيادة الأمة نحو التحرر من تيم الحرمان و الخنوع ، و عليه فإن اندمال جراح الحراك و استمراريته في خط النجاح مرتبط بمدى استيفائه لما يلي :

1 ـــــــ المضي نحو الوحدة ، الألفة و التضامن رغم تباين النزعات و اختلاف معطيات و مراتب المحيط الطبقي و الأوضاع الاجتماعية المتناقضة ، و الاهتداء إلى مفاعيل و آليات الحداثة من نقاش موضوعي حضاري و مفاوضات هادفة خلاقة ، تستند على الحوار المستمر المثمر ، و التجافي عن دواعي التقويض ، التفكيك ، الحفر ، الانفصام و القطيعة الكلية مع أشباح الماضي ، بالكف عن الاعتقاد أن الحقيقة وراء ظهورنا لا أمام أعيننا .

2 ـــــ العمل على صياغة أرضية واضحة وفق رؤية تشاركيه منصفة لمقاربة سياسية و اقتصادية أكثر عدالة ، يمكنها ترجمة نظرية الإصلاح و أجرأتها على الواقع الملموس ، تقوم أساسا على تعميق الهوة بين الفعل السياسي و عودة ممارسات الماضي و التضخم المفرط للذات من جهة و ضمان الشفافية و النجاعة بتقريب المسافة بين المستويات السياسية و الاجتماعية من جهة أخرى .

3 ـــــــ الإلمام و التقيد بالوعي الديمقراطي و التبصر بمرتكزاته و بنياته ، فمسألة الديمقراطية ليست قضية سياسة و حسب ، بقدر ما هي ضرورة وطنية و تاريخية لا مناص عنها ، تمليها أولوية الانصهار بين أبناء الوطن الواحد المتباينة مرجعياتهم ، أراءهم و مشاربهم الفكرية ، قضية تعايش و تقدم ، قضية ممارسة عقلانية سلمية في الفكر و العمل في القول و التعبير ، قضية مجانبة للانسداد و للنزعة الإقصائية للأخر المختلف ، فدمقرطة أو علمنة الحياة السياسية آلية فصل لا إلغاء، و لا تعني بأي وجه تهميش المخالف و تحقير تصوراته أو مباركة اجتثاته