استهلال...
تصريح بن كيران خلال جلسة للأسئلة الشفهية جرت في شهر يونيو من سنة 2014، والتي كانت مخصصة لملف المرأة في المغرب، حيث اعلن فيه بأن:" المرأة مكانها هو البيت، وأن النساء ثريات المنازل"، . رغم أن السيد بن كيران غير مبدع بتاتا في تصريحه لكونه لم يقم سوى باجترار ما كان قد أعلنه حسن البنا بعد تأسيس حركة الإخوان المسلمين، حين دعا النساء للعودة إلى البيوت وإلى وظيفتهن الطبيعية،إلا أنه كان القطرة التي افاضت الكأس؟ ما دفعني للتفكير في موضوع علاقة المرأة بالفضاء العام، هذه العلاقة الملتبسة، واللامتكافئة، حيث تعاني فيها النساء من اشكال عديدة من التمييز، التحرش، الإقصاء، باختصار تصبح المرأة ضحية كل أنواع العنف، هكذا تبدو النساء المغربيات مقصيات من الفضاء العام الذكوري ليس فقط من طرف الرجل العادي ولكن وبإصرار من قبل رئيس الحكومة.
إن التفكير في علاقة المرأة المغربية بالفضاء العام عبر التاريخ، يستدعي أولا الوقوف عند إشكالية الفضاء العام كمفهوم وكقضية لم تأخذ حقها من الدراسة والنقاش المتصلين بوضعية المرأة وبقضاياها المصيرية. ونحن إذ نفكر في طرح هذا الموضوع نقر بداية أن ما تحقق للمرأة المغربية من إنجازات بفضل نضالات الحركة النسائية والحقوقية، تمثل جزءا يسيرا وضيقا من سقف المطالب مقارنة بما تواجهه النساء من ضغوطات يومية تتجاوز إلى حد بعيد العريضة المطلبية، ولائحة الإنجازات على حد سواء.
فإذا كان مفهوم الفضاء العام أو العمومي، لا نجد له اساسا في التفكير الفلسفي والسياسي العربي، باستثناء ما ذكره ابن خلدون في مقدمته عن ترتيب عمران المدينة أي الفضاء العام، هذه الإرهاصات الخلدونية التي لم تتبع بتراكمات معرفية عربية كفيلة بتأسيس فلسفة متكاملة عن الفضاء العام العربي الاسلامي. فإن الفكر الفلسفي الأوروبي ومنذ عصر الأنوار مع كانط إلى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الذي اصل لهذا المفهوم حيث يذهب إلى أن الفضاء العام " يحتل موقعا مركزيا في الفكر السياسي المعاصر باعتباره مجالا للمناقشة و إطارا لمختلف القدرات الفكرية على البرهنة و الإقناع، و الحل الرمزي للصراعات بنوعيها الداخلية و الخارجية، و ليس بأي حال من الأحوال مجالا للعنف و الهيمنة و نفي الأخر و عدم الاعتراف به"
هذا التعريف يضعنا في صلب الاشكالية التي نروم مقاربتها في هذا المقام، والتي تتمحور حول سؤالين جوهريين :
ما هي مكانة المرأة في الفضاء العام عبر أهم محطات الزمن التاريخي المغربي؟
كيف تبدو مكانة المرأة المغربية في الفضاء الراهن والمناقض لقيم الديمقراطية والحداثة؟
ع
لاقة المرأة المغربية بالفضاء العام عبر التاريخ
إذا كانت حياة الفرد تتوزع بين مجالين عام وخاص، فإن المرأة وبفعل الالتباس الذي يشوب العلاقة بين هذين الفضاءين، تصبح أمام قضية شائكة لا تقل أهمية والمتعلقة بتقسيم الزمن إلى زمن خاص مفتوح وغير محتسب وزمن عام مقنن.
هكذا يصبح الزمن محورا هاما في تشكل علاقة المرأة بالفضاء العام، ولعل الغوص في تاريخ هذه العلاقة سيجعلنا نستدعي زمنا آخر هو الزمن التاريخي.
لقد اصبحت معاناة النساء في المجال العام من صنوف من الإقصاء وأنواع عديدة من العنف تفرض نفسها حين نريد مقاربة وضعية المرأة وتاريخ تواجدها في المجال العام المغربي منذ التاريخ القديم في مغرب الأمازيغ إلى عصرنا الحالي مرورا بالفترة الاسلامية وبالمرحلة الاستعمارية وانتهاء بالحقبة الراهنة وهي المحور الاساسي لهذه المقاربة.
المرأة والسيطرة على الفضاء العام في الفترة الأمازيغية
تكشف الحفريات والدراسات التاريخية عن أن المرأة المغربية في العهد الأمازيغي كانت تملك الفضاء العام إضافة لامتلاكها الفضاء الخاص، لقد ارتقت مكانة المرأة الأمازيغية في الفضاء العام لدرجة أنها وصلت إلى مرتبة الألهة. اشتغلت المرأة في العصر الأمازيغي بالشأن الاقتصادي من خلال العمل بالرعي والزراعة والتجارة ايضا. إلا أن مكانة المرأة الأمازيغية كانت متميزة في تسيير الشأن السياسي، لتصل إلى مرتبة الحاكمة المشهود لها بالشجاعة والحنكة، ولعل السيرة التاريخية للملكة الكاهنة تنبئ عن حقيقة المرأة المغربية الأمازيغية وشجاعتها.
ولعل سبر أغوار تاريخ الأمازيغ القديم خاصة في الزمن الاميسي، والنبش في الحفريات ينبئنا عن نساء أمازيغ اطلق عليهن الامازونات ، وقصتهن امتزجت فيها الحقيقة بالأسطورة، غير أنها توحي وحسب العديد من الدراسات أن المرأة لم تكن دائما حبيسة الفضاء الخاص، بل إنها امتلكت الفضاء العام فاعلة فيه، وأن إقصاءها جاء عبر مراحل تاريخية لاحقة بفعل تأثير الثقافات الدخيلة لشعوب أخرى مستعمرة كالإغريق والرومان، وفيما بعد بفعل انتشار الثقافة الذكورية مع دخول الإسلام الذي حمل معه ثقافة عرب شبه الجزيرة التي تقصي النساء من الفضاء العام، بل وتستعبدهن في الفضاء الخاص كذلك. فهل حمل الدين الجديد للمرأة المغربية الامازيغية آنذاك، عادات عرب شبه الجزيرة العربية الذكورية التي كانت تئد البنات وتستعبد النساء، في حين كانت المرأة الأمازيغية ذات سلطة وقوة ؟
الانسحاب القسري من الفضاء العام في المراحل اللاحقة
بداية علينا أن نقر أن الدراسة التاريخية لوضعية المرأة المغربية خاصة في الفترة الإسلامية تعد مغامرة قد توقعنا في تجاوزات او قصور غير مقصودين، ذلك أن التاريخ الإسلامي في أغلبه كان ذكوريا بامتياز.
هذه الفرضية توحي بأن المقاربة السردية التاريخية ليست هدفنا في هذا المقام، بل إن قراءة نقدية هي ما نسعى إليه، وحسبنا الربط بين مكانة المرأة في الفضاء العام قديما وحديثا عبر محطات بارزة في التاريخ المغربي. إن تأثيرات الثقافات الدخيلة بدت واضحة في الطفرة النوعية التي ستشهدها وضعية المرأة بشكل عام وبمكانتها داخل الفضاء العام بشكل خاص.
إن ندرة المصادر التاريخية أو قلتها التي تؤرخ للمرأة في العصر الإسلامي سواء في المشرق أو المغرب، توحي أن التاريخ الاسلامي كان دائما تاريخ الفتوحات والغزوات، وليس تاريخا اجتماعيا، ثقافيا وحضاريا. مما جعل المرأة مغيبة إلا من امثلة قليلة سربت عن نساء صنعن زمنهن الخاص بمواقفهن، او إبداعتهن، ليصبحن من فلتات التاريخ الذكوري، علما أنهن من المحظوظات لأنهن وجدن في ظروف عائلية وطبقية مميزة، ولم يمثلن السواد الأعظم من النساء المقصيات. بل إنهن لم يحتلن الفضاء العام، بل دون التاريخ انهن كن مسيجات بجدار الحريم ، وكانت تحركاتهن مراقبة وحريتهن مقيدة. فحين تسوق كتب التاريخ الاسلامي السيدة الحرة، أو النفزاوية وغيرهن.... فهن حظين بهذا المرور التاريخي الذكوري لأنهن كن محميات بالسلطة الذكورية.

المرأة المغربية وحضورها النضالي في الفضاء العام
إن التغييب الممنهج الذي مورس على المرأة لم يستطع تجريدها من حسها الوطني، ولعل التاريخ يثبت أن مقاومة النساء للاستعمار الفرنسي والإسباني، يحيلنا بما لا يدع مجالا للشك ان حضور النساء في المحطات النضالية كان واقعا لم يستطع القلم التاريخي الذكوري أن يتغاضى عن التضحيات الشجاعة التي قدمتها نساء المقاومة. هكذا يمكن الوقوف عند مقاومة نساء الجبال الأطلسية للاستعمار الفرنسي ولنساء جبال الريف للاستعمار الاسباني. لقد احتفظ الأرشيف العسكري الاسباني بأخبار عن مشاركة المرأة الريفية في المقاومة، وتذكر الدكتورة تضار الاندلسي مساهمة المرأة القروية إبان حرب الريف في مقاومة الإستعمار: " فإلى جانب أدوارها المعهودة في الحروب ضد الاستعمار، فقد تكلفت بمراقبة الأسرى والحصول على معلومات تخص مخططات العدو؛ وحمل المؤونة للمقاومين إلى أعالي الجبال والخنادق. كما قامت بدور المراقب والمخبر لصالح الثورة الريفية، حيث تلوح بحزامها كوسيلة للتنبيه والإشعار بخطورة الزحف القادم، كما قامت بإيصال الرسائل المشفرة، إلى المقاومين و حراسة الأسلحة المخزونة في بيتها."
غداة الاستقلال وجدت النساء المغربيات انفسهن مكرهات على الإنسحاب من الفضاء العام، فقد كان من أهم أولويات الحركة الوطنية والملكية هو تثبيت الحكم والقضاء على كل الثورات المضادة، وهو ما أدى إلى التضحية بقضية المرأة، بل إنها ستفقد المكتسبات المحتشمة السابقة من خلال فرض فانون الأحوال الشخصية الذي صدر سنة 1957 أي مباشرة بعد الإستقلال، والذي اقل ما يمكن أن يقال عنه هو أنه تمييزي وإقصائي اتجاه النساء المغربيات.
هذه الفترة التي يمكن تسميتها كما قالت زكية داوود، بالشتاء الطويل، ساهمت في العودة خطوات إلى الوراء حيث اصبحت المرأة قاصرة، محكومة بطاعة الزوج ،وما زاد من معاناة النساء المغربيات لمدة لا تقل عن 36 سنة، هو الطابع القدسي الذي اضفاه المشرع على قانون الأحوال الشخصية. هكذا ستبدأ معاناة النساء والتي ستترسخ أكثر أمام القمع المخزني حيث سيتركز النضال حول الاصلاحات السياسية في المرحلة التي أطلق عليها سنوات الرصاص. سنوات الرصاص هذه كانت بالنسبة للنساء مرحلة المعاناة المزدوجة، من جهة كان المخزن ظالما من خلال القوانين المجحفة في مجال الحقوق الانسانية للمرأة، ومن جهة ثانية كان رفاق الدرب يؤجلون المطالبة بحقوق النساء في المجال العام وحقهن في عدالة أكبر في المجال الخاص. ما أدى إلى انخراط النساء في النضال السياسي حيث عانين مثل رفاقهن الرجال من ويلات التعذيب والسجن والاختطاف. ولعل ايقونة النضال اليساري المغربي الشهيدة سعيدة المنبهي وغيرهن كثيرات، شاهدة على عنف المرحلة وقساوتها على الشعب المغربي عامة وعلى النساء خاصة. هنا يفترض الإشارة إلى أن حتى تعويضات ضحايا سنوات الرصاص همت فقط الرجال أما نساؤهم اللواتي عانين من الفقر والحاجة فلم يلتفت إليهن، هكذا يتم التضحية بالنساء في كل مرحلة من مراحل التاريخ الذكوري .
الحركة النسائية وحق النساء في المجال العام
لا يمكن التغاضي عن الإنجازات التي حققتها الحركة النسائية المغربية، خاصة في مرحلة إعلانها الاستقلال عن الأحزاب اليسارية مع بداية ثمانينيات القرن الماضي. وإذا كان المجال يضيق عن الوقوف بتفصيل عند محطات النضال البارزة لهذه الحركة، فإنه وجبت الإشارة إلى الخلاصة الهامة التي يمكن استنتاجها من المسيرة النضالية لهذه الحركة منذ تعديلات مدونة الأحوال الشخصية سنة 1993 إلى صدور مدونة الاسرة سنة 2003 مرورا بمحطة حاسمة التي شهدت الصراع بين التيار الاسلامي والتيار الحداثي حول الخطة الوطنية لإدماج المرأة سنة 2000، تتمحور هذه الخلاصة في طرح تساؤل عريض حول القصور الذي ما زال يعتري نضالات الحركة النسائية والمتمثل في فشلها في تغيير العقلية الذكورية للمجتمع المغربي بنسائه ورجاله، وكذا ابتعادها المعرفي عن القاعدة الشبابية التي استطاعت الافكار الرجعية والمضادة للحداثة أن تستحوذ عليهم . هكذا نطرح سؤالا محوريا: ألا يعتبر هذا القصور السبب في الإقصاء والعنف الذي تعاني منه النساء في المجال العام؟
لماذا لم تطالب الحركات النسائية بالمكانة اللائقة للمرأة في الفضاء العام، وهل نسيت هذه الحركة أن شريحة واسعة من النساء يعانين من الهيمنة الذكورية في الفضاء العام، هذه الفئة التي لا تملك وسيلة نقل خاصة والتي تضطر لركوب وسائل النقل العمومية أو السير في الشارع العام، حيث المعاكسات والتحرشات تأخذ شرعية لامتناهية. هذه الفئة التي تشكل طبقة واسعة من المجتمع المغربي والتي تشارك في الإنفاق الأسري، وهي غالبا ما تكون مكرهة على الخروج، حيث يغدو هذا الخروج رحلة معاناة لا تنتهي بل تظل مستمرة في المكان في الفضاء الخاص وفي الزمان برواسبها النفسية مدى الحياة.

علاقة التخلف الحضاري بوضعية الفضاء العام المغربي
شهدت فترة النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر، حركة نهضوية تركزت حول تحديث البلاد العربية من خلال تحسين وضعية المرأة العربية، فكانت دعوات الاصلاحيين امثال قاسم أمين محمد عبده ورفاعة الطهطاوي في مصر و الطاهر بن عاشور في تونس وعلال الفاسي في المغرب. هكذا كان الربط جدليا بين الحداثة أو التحديث ووضعية المرأة التي كانت مغيبة ومحجبة، فبدت البلاد العربية في عصور الانحطاط تعيش بنصفها فقط متمثلا في الرجل.
هذه الارهاصات التحررية النهضوية، ستسهم في تحسين وضعية المرأة التي ستحصل على مراتب عليا في التعليم وستتقلد مناصب مهمة، كما أنها ستفرض حضورها في الفضاء العمومي. في ثمانينيات القرن العشرين، ستفرض الدول المانحة ممثلة في البنك الدولي تطبيق سياسة التقويم الهيكلي التي طبقها المغرب مرغما. هذه السياسات التي ستؤثر على الوضعية الاقتصادية لشريحة واسعة من المغاربة، التي ستضطر نساءها للعمل في مجالات لا تتطلب كفاءة عالية وبأجور هزيلة خدمة للرأسمال الاستغلالي الذي انتعش بفعل الخوصصة وسياسة الانفتاح الرأسمالية. هذا الخروج القسري للفضاء العام، لم يساهم في تحرر المرأة وتحديث المجتمع، بقدر ما أفرز علاقات محكومة بالتمييز والحيف والإقصاء. هكذا غدت المرأة في المجتمعات الذكورية لا تملك زمنا اجتماعيا خاصا بها، بل إن زمنها يحتسب حسب إنتاجيتها، خاصة مع انتشار قيم الرأسمالية المتوحشة.
في بداية تسعينيات القرن العشرين سيشهد الفضاء العام المغربي تدهورا شاملا وعلى جميع المستويات. فإضافة لتكاثر الاحياء العشوائية خاصة في المدن الكبرى، تزايد تعقد العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وبين السلطة من جهة، وبين الافراد فيما بينهم من جهة ثانية، أصبح منطق الحيف والسطو هو المتحكم في العلاقات المجتمعية والأسرية، وإذا كان الرجل يعاني مما أصبح يسم الفضاء العام من مظاهر الحيف والسطو والاحتكار ومن انعدام الديمقراطية التي يعتبرها منظروا الحداثة اهم سمات الحداثة في الفضاء العام، فإن معاناة المرأة تتعاظم بفعل التمييز القائم على الجنس والذي يمارسه الجميع ضدها بدءا بالسلطة وانتهاء بامراة تحمل عقلية ذكورية. إن الفضاء العام حسب تعريف مفكري عصر الانوار يرتبط ارتباطا وثيقا بالديمقراطية وبالحداثة، وحيث يغيب هذين المفهومين يغيب معه الفضاء العام الذي يحقق مواطنة حقيقية لكل الشعب بنسائه ورجاله. ولأن قدر الشعب المغربي كما عبر عنه عبد الله العروي هو الحداثة بهدف الاتجاه للمسقبل، فإن من اولى شروط الحداثة هي حسن تأثيث الفضاء العام من خلال العلاقات المتكافئة والديمقرطية بين الجميع. من هنا يصبح السؤال: كيف يمكن التوفيق بين الحداثة والمواطنة النسائية وحرية المرأة في اقتسام الفضاء العام مع الرجل دون تحرش ولا عنف؟ مشروعا بل وضروريا لتأصيل مجتمع حداثي وديمقراطي.
إن الفضاء العام المغربي الحالي والمتسم بعلاقات الانتقام والغوغائية، يجسد ما وصل إليه المجتمع من تخلف حضاري، فالتمدن من خلال الهجوم الاسمنتي على كل المساحات الخضراء ساهم وبشكل خطير في تدهور العلاقات الاجتماعية والقيم الإنسانية، التي تنم عن فقدان الانسان المغربي لأخلاقه ولأصالته وضياعه بين مظاهر التدين الخداعة وبين السلوكات المشينة الخفية والظاهرة. هكذا نلاحظ السطو على المرافق العمومية، وعلى الأرصفة من طرف الباعة، إضافة لانحطاط الذوق العام في الملبس فلم يعد هناك احترام لجمالية الفضاء العام، كما لا يمكن إغفال مساهمة السلطات في تدهور الفضاءات العمومية من مرافق صحية وتعليمية وثقافية وترفيهية.
وإذا كان فضاء المدينة المغربية فضاء ذكوريا يكرس التحرش والمضايقات، فإن التساؤل عن مكانة المرأة في فضاء المدينة أي الفضاء العام يصبح سؤالا مشروعا بل وملحا؟ ونحن إذ نتحدث عن الثقافة الذكورية يجب أن لا ننسى أن مثل هذه الثقافة قد تحملها نساء ضد أنفسهن، فيصبح الحديث عن التمييز والعنف والإقصاء جرائم مقترفة بأياد نسائية. إن الضرورة هنا تقتضي الانتقال من ثقافة الفحولة إلى ثقافة المواطنة إذا ما اردنا استعارة تعبير الباحثة التونسية رجاء بن سلامة. تغدو النساء إذن في الفضاء العام بفعل التحرشات والمضايقات ضحية ما يسميه بيير بورديو Pierre Bourdieu في كتابه الهيمنة الذكورية la domination masculine ، في معرض حديثه عن العنف الرمزي بالتحقير الذاتي الممنهج Autodénigrement .
إن غياب حق المرأة في اقتسام الفضاء العام مع الرجل دون مضايقات أو اعتداء، يشكل أهم اسس المساواة الحقيقية التي لا يكفي التنصيص عليها في دستور البلاد، وهو ما يدل على أن المغرب ما زال مترددا في الانخراط في الحداثة ، وكما يقول عالم الاجتماع عبد الرحيم عنبي: " إن ترسيخ مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، ستكون له انعكاسات إيجابية على مستوى الشارع العام، بحيث سيصبح من حق المرأة، أن تتمتع هي الأخرى بحقها في التنزه لوحدها، دون أن يزعجها أحد، مثلما يحدث اليوم في مدننا المغربية."
المرأة في الفضاء العام بين الحركة النسائية والحركة الإسلامية
بداية علينا أن نشير أن المجال الوحيد الذي استطاعت النساء العربيات بشكل عام أن يحققن من خلاله وجودهن وممارسة حريتهن واحتلالهن الجميل هو مجال السرد النسائي، فكان هذا السرد هو الصرخة التي عبرت من خلالها المرأة المغربية – خناتة بنونة- والعربية – نوال السعداوي- كمثال وليس الحصر، عن الواقع الثقافي والاجتماعي اليومي الذي يحيط بالمرأة، ويجعلها مقصية من المجال العام بل ويمارس عليها أصنافا من العنف والتمييز.
فرغم الجهود التي قامت بها الحركة النسائية المغربية من أجل تغيير القوانين المجحفة في حق النساء، والتي توجت بتغييرات جذرية والتي تظل محدودة لأنها مازالت هناك قوانين تعتبر قدسية وطابوها كقانون الإرث مثلا. هذه الحركة التي وجدت نفسها مع بداية تسعينات من القرن الماضي أمام اسئلة قديمة ظن الجميع أنها أصبحت متجاوزة من قبيل الحجاب بدل السفور مثل ما نادى به مفكرو النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، ولكن بشكل عكسي: السفور بدل الحجاب. إن تردد الحركة التقدمية في الإعلان عن نفسها كحركة نسائية حداثية تسعى لتثبيت ركائز الدولة المدنية، يضعها في موقف لا تحسد عليه، حيث تغدو مضطرة للسقوط في مواقف أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها توفيقية وفي غالب الأحيان تصبح تلفيقية.
فرغم انتشار أفكار النسوية الغربية التحررية في العصر الحديث بالمغرب خاصة عند طبقة معينة، إلا أن الجمعيات النسائية مازالت تعاني من صعوبة تجدر أفكارها في بنية العقلية المغربية عند النساء والرجال على حد سواء، ليظل الإقصاء هو سيد الموقف وهو ما تعيشه المرأة المغربية، بكافة الطبقات الاجتماعية. في مقابل هذا الوضع وبوتيرة اسرع تغيرت مظاهر النساء في الفضاء العام، ليشهد هذا الفضاء عودة قوية للحجاب، وبالتحديد في فضاء المدارس والجامعات، هذا الواقع سيفرض علينا الاعتراف بهزالة ما أنجزته الحركة. ألا تعني هذه العودة استرجاعا لأسئلة ولمطالب قديمة ناد بها رواد النهضة في نهاية القرن التاسع عشر، الم يكن السفور وخلع الحجاب علامة ورمزا للتحرر من ثقل العادات والتقاليد المجحفة في حق النساء؟
هكذا تقاوم الحداثة من خلال مقاومة حق تواجد المرأة في الفضاء العام، من قبل أطراف عديدة أحسنت السوسيولوجية المغربية عائشة بلعربي في إجمالها في مقاومات ثلاث: المقاومة المؤسساتية، المقاومة المجتمعية، والمقاومة الفردية .
لقد كرست الحركة الاسلامية النظرة الدونية للمرأة من خلال التركيز على ضرورة الحجاب الذي أوصلته تيارات متشددة لمرتبة الفريضة والركن "السادس للإسلام"، ليتم اختزال العفة والأخلاق والقيم النبيلة في قطعة ثوب، ليصبح الفضاء العام عنوانا على التقوى والإيمان الظاهريين. لم تعد دروس التربية تركز على الأمانة وعدم الخيانة ،الصدق والابتعاد عن الكذب، محاربة الرشوة والمحسوبية، فكل هذه الموبقات حلال إذا صدرت من محتجبة أو ملتح. هكذا يتم تشويه كل الأفكار النبيلة وفي مقدمتها قيم الإسلام الحقيقية .

استنتاج وليس خاتمة
لم تخلف المرأة المغربية أبدا موعدها في معارك النضال من أجل التحرر والانعتاق منذ حرب التحرير في العصور القديمة إلى محطة الحراك الشعبي ل20 فبراير من سنة 2011 مرورا بالمقاومة وبالنضال المستميت ضد القمع والفساد. غير أن المؤسف له هو أن هذا الحضور المتميز لم يوازيه إنصاف في حق المرأة، لتظل ضحية الميز والحيف وفي أحيان كثيرة الاستيلاب مرة بالأيديولوجية السياسية الانتهازية ومرة باسم الدين لإحكام السيطرة والإقصاء من المجال العام باسم الشرعية الدينية. فمتى تتحقق للنساء المغربيات مكانتهن اللائقة والمحترمة في الفضاء العام، ومتى يتوقف كل الرجال من اعتبار النساء في الشارع ملكيتهن الخاصة؟ ولماذا يفرض على المرأة أن تقدم دائما ادلة براءتها من تهمة الإغواء في كل تحركاتها، وأخيرا متى تتحقق للنساء المغربيات مكانتهن اللائقة والمحترمة في الفضاء العـــــــــــــام؟