مهما حولنا أن نطمئن أنفسنا، ومهما حولنا أن نعتبر أنفسنا في كامل إنسانيتنا فلا شك أن نشرة إخبارية كافية لأن تنبهنا بأننا لسنا سوى أرقام ..وأننا لا نستحق إلا بضع قوالب من السكر وبضع لترات من الزيت، ومقال إنشائي يقرأ في ميكروفونات الإعلام يصف ما ينم به علينا أولياء نعمتنا في مشهد يبعث على الإحساس بالذل والإهانة .
وأنا هنا أتساءل كما يتساءل معي الكثير، هل كان على الدولة أن تنتظر عاصفة ثلجية لتتذكر أن هناك من يسكن في ركن مقصي من حسابات هذا الوطن فتأتي لتثبت وجودها بقوالب سكر بعد أن كانت ممثلة فقط في شخص "أمغار"؟
ما الجدوى إذا من إرسال كاميرا تصور مشهد نقل امرأة نحو مستشفى إحدى المدن الكبرى إذا كان الأمر سيتكرر، وما الجدوى من ذلك إذا كانت هناك أخريات سيئات الحظ لم يحظون بنفس الفرصة ؟ ولنفترض أن تلك المرأة نفسها التي نقلت في حوامة لم تحظى بتلك الفرصة وتحول الأمر إلى مأتم لا قدر الله .هل سيكون الحذث موضوع مادة إعلامية؟..
ففي ما يخص الإسعافات وبناءا على ما عاينته من خلال حضوري لنقل سيدة من إحدى مداشر منطقة أيت محمد بأزيلال ، نحو المستشفى الجامعي لمراكش اتضح لي حينها أن الأمر ليس إلا سيناريو موجه للتسويق في الواجهة الإعلامية. وقد حدث أن آمر مسؤول محلي بالتريث حتى وصول فريق قناة عمومية لنقل المشهد، حينها تأكد لي أن الدولة ليست ملتزمة بواجباتها تجاه المواطنين بقدر ما هي ملتزمة بتسويق صورة وردية لمعناة السكان. كما أنه لابد أن نشير هنا إلى أن الوضع في المناطق الجبلية ليس كما ينقله الإعلام، إذ لا يطاق على مر الفصول ،وأن المعانات هناك لا تقتصر على فصل دون آخر، بينما ترافق سكان تلك المناطق في رحلتهم في الشتاء والصيف.
لهذا كان الأجدر على الدولة التفكير مليا في كيفية إنهاء الأزمة وإخراج عدد كبير من المواطنين من وضع كارثي عوض التسويق الإعلامي لمشاريع عابرة لا تغني ولا تسمن من جوع ، وذلك بالسعي إلى توفير بنية تحتية تمكن من تحسين المستوى المعيشي الهش للسكان. إذ أن الحاجة إلى تقديم الإعانات المباشرة هو بمثابة إعلان فشل كل البرامج التنموية التي خصصت لها الدولة مبالغ مهمة ، والتي ترمي إلى تنمية المناطق المهمشة، وفي رأيي المتواضع أرى أن برنامج تنمية المناطق النائية الذي خصصت له الحكومة ملايير الدراهم سينال نفس المصير ما لم يقم على دراسة تستحضر الخصوصيات الزماكنية لتلك المناطق .
لهذا يجب قراءة الواقع بتأني كبير، وسنركز هنا على أمر يبقى مغيبا في السياسات التي تنهجها الدولة تجاه المناطق الجبلية الذي هو الشغل، فغياب فرص الشغل يضع شباب تلك المناطق أمام خيارات صعبة ترغمهم على مغادرة مقاعد الدراسة أو بالأحرى ثنيهم حتى على التفكير في الولوج إليها .أمام هذا الوضع لا مفر لهم من التنقل إلى المدن الكبرى في أبكر العمر والبحث عن شغل لمساعدة ذويهم، هذة الرحلة غالبا ما تنتهي باليأس لكونهم لا يتوفروا على مؤهلات تمكنهم من الشغل في محيط مختلف، خيار آخر لا يقل عن الأول : هو ممارسة أنشطة الرعي والزراعة المعيشية التي تظل رهينة السماء ما يؤدي إلى ضعف الدخل لذى كثير من الأسر إلى حد لا يمكنهم معه مسايرة أبسط متطلبات الحياة اليومية .
الفجوة كبيرة بين الوضع وما تقدمه الدولة من إذ لا يمكن له إلا أن يستنسخ وضعا مشابها أو أكثر تأزما من ذي قبل، فمهما كان حجم الدعم لن يسد رمق السكان المتعطشين إلى تنمية حقيقية.
إن أفضل ما يمكن أن تقدمه الدولة لسكان أزيلال وميدلت وتنغير ودمنات والحوز وتاونات وكثير من المناطق المنسية هو تقسيم عادل لثروات يأخذ حاجيات كل منطقة بعين الإعتبار وكدا مراعاة حجم ضرر سكان كل منطقة على حدى وهذا كنوع من الإنصاف، وكجزاء قليل على تضحياتهم في سبيل الوطن .
وبدل هذا تم إقحامهم كرقم في معادلة المصالح، والعزف على أوثار معاناتهم بالتسويق الإعلامي المغلوط لأحوالهم .