يحيى بن الوليد

في هذا المقال، الوجيز، أود مناقشة فكرة، وللمناسبة في غاية من الأهمية، أدلى بها، وفي سياق التفاعل مع مقالاتنا، في الإعلام الإلكتروني، أحد الزملاء المشهود لهم بالنزاهة والاتزان... ونبل الاهتمام. وحصل ذلك مع مقالي الأخير "المهدي المنجرة... شريكا" ــ وكما يمكن أن نضيف ــ في الحراك المغربي، التاريخي، الذي جاء في سياق الحراك العربي، ككل، الذي تراوح ما بين الانتفضات والهبات والاحتجاجات... وصولا إلى الثورات التي جعلت "غودو يأتي هذه المرة".

والفكرة ذات صلة بما يمكن نعته بتحوّلات المثقفين، بل وانقلاباتهم الفكرية، وعلى النحو الذي يجعلهم ــ وفي الأغلب الأعم ــ ينتقلون من حال إلى أخرى نقيضة بموجبها يتم "تثليت المربع وتربيع المثلث". وفي حال العالم العربي فإن الانقلاب عادة ما تترسخ تسميته من تقدير كميات انزياح المثقفين للصمت في أحيان وفي الجمع ما بين الصمت ومباركة "السلطان" و"الدولة السلطانية" في أحيان أخرى. هذا في مقابل انقلابات نقيضة، محدودة جدا، بموجبها يتحوّل المثقفون إلى بيلدوزر النقد، بل وينزلون إلى الشوارع لمباركة "الجماهير غير العمياء" مخاطرين بأجسادهم في أحيان. والسؤال الذي يفرض ذاته هنا: كيف ننظر إلى مثل هذا الانقلاب الأخير؟ بل وكيف يمكن قراءته؟

والمؤكد أنه سيكون من باب "النفاق الأكاديمي" ادعاء إجابة واحدة وموحـَّدة بخصوص هذا الموضوع الذي يتسبب، ولكثيرين، وعلى صعيد الفهم والتفسير، في "النرفزة" قبل "عناء المحاولة" بالمصطلح الطريف للمؤرخ المفكر عبد الله العروي. وحتى اختزل: علَّق صاحبنا المحترم، وبعد قراءته المتبصرة للمقال، وراجيا منا الإجابة، "أين كان المهدي المنجرة في سنوات الرصاص؟". ومن حق المعلق أن يطرح هذا السؤال طالما أن المقال لا يخو من "تقريض"، وإن "مضمر"، للمنجرة، وخصوصا في المدار الذي جعل المقال يخلص إلى موضعة الرجل في "الخط الأمامي من المواجهة" بمعناها الفكري الأنبل وفي زمن تخلى فيه أغلب المثقفين عن أداء رسالتهم، بل وخلدوا إلى أنماط من "الخيانة الجماعية المعتقة والمعاصرة".

وكان أوّل ما لوّى بذهني أن المنجرة، وفي سنوات الرصاص، كان لا يزال محسوبا على بعض المؤسسات الدولية التي ينصاع المنتمون، أو المحسوبون عليها، وطوعا، على أخذ العصا من وسطها؛ إضافة إلى التعاطي للقضايا الحارقة، وفي حال إذا ما حصل ذلك، بفائض من "التحليل البارد". ومن جهة أخرى، وهنا لازمة مدينة أصيلا، كان المنجرة، وبهذا االمعنى، يناصر بل ويرعى "مهرجان أصيلا الدولي" الذي استحال مدبـِّره، وفي إطار من "أكذوبة الثقافة" و"لوثة التنمية"، وعلى مسؤوليتي، من "تاجر" إلى "مرتزق"... إلى عميد "حيتان النهب والفساد" بالمغرب ككل، وعلى نحو ما تكشـّفت "صورته" ــ وبالكامل ــ في الإعلام الإلكتروني تعيينا. كان المهدي المنجرة، يتحرك، وكما كتب لي أن أراه في أواسط الثمانينيات، بحيوية زائدة: يحاضر ويعلق ويجادل ويساجل... وأكثر من آخرين.

ووقتذاك، وحتى إن كنت لم أبلغ الجامعة حتى أنال نصيبي من "علف الإيديولوجيا"، كنت أتساءل، بداخلي، كيف لرجل في حجم المنجرة أن تنطلي عليه "ألاعيب" فرعون أصيلا و"أكاذيبه" ومهما كان حجم "الكعكة" في العملية. وما كان يعمـِّق من "السؤال"، وفي إطار من "القياس الأرعن"، هو الشاعر الفلسطيني الأبرز محمود درويش الذي بمجرد ما طار من المهرجان كتب في إحدى المجلات المكرّسة وقتذاك ("اليوم السابع والله أعلم). كتب: "لقد أخطأت التاريخ".

الجواب، وحتى لا أطيل، سيأتي من المنجرة أيضا، وعلى نحو أعنف من درويش. وهذه المرة من على الأرض وليس من على الورق. بهكذا إصرار، وفي أواسط التسعينيات من القرن الماضي حين ستستضيف الجمعية الأبرز، بأصيلا، جمعية "قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي"، إلى جانب جمعية أخرى لم يعد لها من وجود، المنجرة، وفي الهواء الطلق وليس القاعة المكيفة، وتحديدا في "القامرة" المعلمة التاريخية المفتوحة التي كان يخصِّـصها فرعون أصيلا لـ"سهراته". وفي هذا اللقاء لم يكن أحد يتصوّر أن يغطى المنجرة، وبتلك الطريقة الشرسة، "عدوه الجديد" وبوابل من النقد الذي بلغ حدا غير مسبوق من الانزياح، بل وفقد المنجرة أعصابه في هذا اللقاء بعد أن استقر على كيف أن بشخص "متصهيِّـن" و"ضحل" (معرفيا وإنسانيا) أن "يستعمله".

الأهم أن الرجل بلَّـغ رسالته، وتبرأ بطريقته، وعلى النحو الذي يؤكد على نوع من الانقلاب، ومن خلال أصيلا باعتبارها "مختبرا للفساد الثقافي" الذي لا يقل خطورة عن "الفساد السياسي" من ناحية، وباعتبارها "امتحانا" للمثقفين من ناحية مقابلة. أجل ارتباط المنجرة بـ"مهرجان نهب أموال البسطاء والضعفاء"، ودعمه السابق لرمز النهب والفساد، لا ينفصل عن "صمت سنوات الجمر والرصاص"، سيظل واردا، وملازما لتقليب أي نقاش بخصوصه، لكن في إطار من "النظرة التأريخية" للرجل في مساراته المتنوعة كما يتوجـَّب التنصيص على ذلك. وهي النظرة التي لا تصمد أمام النظرة الإجمالية التي بموجبها يبدو المنجرة "مثقفا شرسا" و"أيقونة الشباب" وعلى النحو الذي جعل صورته ترفرف في تظاهرات الحراك المغربي كما قلنا في المقال الذي كان سببا في هذا المقال. وتبعا للقول المأثور: "هذا الذي نوجد فيه مجرد رأي لا نلزم به أحدا ولا نقول ينبغي قبوله بكراهية". أتصوّر أنه كان ينبغي التفصيل أكثر، هنا، غير أن مأثور الإمام الشافعي، قد، يشفع لنا.