عبد المجيد بن الشاوية

رحيلك كان رحيلين، رحيل أول كان قرارا سياسيا، أما الرحيل الثاني كان ماديا حتميا، لكن رحيلك المزدوج هذا لا ينال من حضورك الدائم والخالد في سماء الفكر الإنساني عموما، وستبقى تقض مضجع من كان يضيق درعا برؤاك وتصوراتك، ومن كان ينزعج بأحلامك وهي تدغدغ وترفس أحلامه في يقظته ونومه بتأبيد أوضاع وشروطها اللإنسانية واللاحضارية .
بعد أن توعدتهم بكشف المستور والمتواري خلف الأيديولوجية المغرضة والمبطنة ببريق الزخرفة المصطنعة التي وجدت من يطبل لها ويغرد بها في المنتديات الإعلامية والمعاهد والمؤسسات المأجورة والممولة بالرأسمالية اللبرالية المتوحشة، حوصرت على أكثر من صعيد، ولم يترك المجال لجعل رؤيتك تشع في الكثير من الأذهان والعقول، وأن تلقى الحيز الكافي في جغرافية الفكر المشاع، تلك الرؤية التي توخيت من ورائها فك الارتباط بين أطراف غالبة وأخرى مغلوبة ومقهورة، سواء في علاقة المستبدين بالمستبد بهم داخليا، أو في علاقات الاستبداد الدولي في علاقة المركز بالأطراف أو المحيط.
منذ بداياتك كنت مزعجا ونشازا في تصوراتك، بدأت تخط بأناملك ما يتراءى لك من خلال معطيات عشتها وأنت في المهد إبان الاستعمار الفرنسي للمغرب،وبعدها رحلت إلى أمريكا صاحبة الكعب العالي عالميا، انتقلت بين أحضان مؤسسات جامعية غربية هنا وهناك، شاهدت بأم عينيك كيف يدرس الغرب أبناءه وأجياله، وكيف لهذا الغرب تأتى له أن يسيطر على منافذ كل شيء، في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلم والمعرفة والفكر والصناعة والثروات، وكم وضع من مناهج ومخططات وبرامج عمل للمزيد من التحكم في رقاب كل الشعوب المقهورة بتواطؤ مع الداخل الكومبرادوري، نهلت من هنا وهناك ، من أرواح الوطنيات المشعة في ذلك الزمان بنكران الذات وبذل الكثير من التضحيات واسترخاص الغالي والنفيس في سبيل الإنعتاق والتحرر، وخبرت منعرجات الفكر السياسي والاقتصادي والأيديولوجي الغربي ومخططات القوى العالمية الاستعمارية، و تربعت على كراسي المسؤوليات المؤسساتية ذات البعد الولي وكذا المؤسسات التعليمية الجامعية، مما حذا بك إلى نهج آليات رؤية مخالفة لما هو سائد ومتوهم في أذهان الناس وتخيلاتهم، نصرة للشعوب والأمم المستضعفة والرازحة تحت نير أشكال الاستعمار الجديدة، بإيلاء الأهمية القصوى للثقافي والمعرفي والفكري والعلمي في كشف المتخفي وراء الصور والمشاهد في مستوياتها الداخلية والخارجية، في سبيل فك الارتباط بين الشمال والجنوب وهدم العلاقات البينية غير المتكافئة والمجحفة في حق دول وشعوب الجنوب، فالتزمت بالدفاع عن قضاياها، حتى أنك تنبأت من خلال قراءتك للمعطيات المتاحة بالعديد من الأعطاب الممكنة الحدوث في ظل مفهوم صراع الحضارات والحروب المرتبطة بهذا الصراع ، والذي نسب ظلما وعدوانا على الفكر غير الغربي بإسناد أصله إلى صامويل هونتينجتون لما للآلة الإعلامية الغربية من قوة وصلابة في التسويق للمفاهيم والأفكار ،ولما للمؤسسات المعنية من نفوذ والمتمكنة من ضبط الكيفيات في نشر المعلومة وبثها على أكثر من وجهة، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى تحليت بمواصفات النضال الداخلي على صعيد بلدك ووطنك الأم، فخرجت للعلن تصدح بعسر تحقيق المساعي الديمقراطية والعدالة والكرامة والحرية المنشودة من قبل القوى الحية، فمنعت من إلقاء المحاضرات برحاب المؤسسات العمومية التي هي ملك لدافعي الضرائب والمبنية بعرق جبينهم، لأن مقود القرار السياسي ليس بيد القوى التي تريد التغيير في أفق التنمية الحضارية الشاملة لهذا الوطن الذي يعاني من فيروسات البرجماتية والنزوعات الذاتية المقيتة، فلم تقبل آراؤك ولم تستدع للاستشارة قي قضايا مصيرية، مع العلم أنك الخبير في كثير من الإشكاليات التي خبرتها في كل بقاع العالم ، فكيف يصعب عليك الإدلاء بتوجيهات ما تكون بمثابة البلسم الشافي في بعض قضايانا نحن المغاربة، وبالقدر المذلل للصعاب المطروحة .
رحلت يوم الجمعة 13 يونيو 2014 ، لكنك لم ترحل، أفكارك بريق أمل كل من تشبع بروح الالتزام والمسؤولية، حضورك الدائم في الأذهان والمسيرات الفكرية والعلمية فانوس كل من أراد أن يضيء دروب رحلة الوعي الشقي في زحمة الظلمات الممتلئة عن أخرها بميولات التنصل من المبادئ والأخلاق والقيم الإنسانية، رؤيتك للواقع والحياة والتاريخ والعلاقات الإنسانية والحضارية وغيرها، أرضية كل باحث عن حقيقة الأشياء في جوهرها ولا يضاهيك فيها إلا أصحاب المشاريع العظمى، فنم قرير العين بعد مشوارك الحافل بالنجاحات، واسعد بذكرك على الألسن في مغارب الأرض ومشارقها .