بديل ـ عن جريدة "المناضلة" ـ فتحت حركة العشرين من فبراير طريقا للنضال ضد الاستبداد والفساد، طريقا مخالفا لما كرست الحركة الليبرالية طيلة تاريخ تحكمها في مقاليد المعارضة بالمغرب، من انبطاح واستجداء نظام الاستبداد ومناوشته للحصول على نصيب صغير من السلطة وفرص اغتناء، مع التحكم الصارم في أشكال هذه المناوشة لتفادي أي انفلات جماهيري واتخاذه وجهة أخرى مهددة فعلا للاستبداد.

دشنت حركة العشرين من فبراير طريق النضال الشعبي الجماهيري الذي يضع نظام الاستبداد في شموليته موضع الاتهام، ونادت بمطالب تشكل في مجملها مناداة بإسقاط هذا النظام القائم على القمع والفساد ونهب ثروات الشعب.

كانت مدينة كلميم من أولى المدن التي خرجت للاحتجاج والنضال من أجل شعار الحركة المتمثل في إسقاط “الفساد والاستبداد”، وأدت ضريبة ثقيلة تمثلت في 23 معتقلا ومعذبا في مخافر وسجون النظام، واستمرت الحركة رغم ذلك في زخم متزايد حتى تمرير دستور العبيد في 1 يوليوز، لتعرف بعد ذلك تراجعا ملحوظا حتى اختفائها تماما، على غرار ما شهد البلد برمته.

لم يكن القمع السبب الرئيس لهزيمة الحركة بل مناورات النظام، ولم تفلح مساعيه إلا بمساعدة أحزاب اختارت الوقوف خلف المتراس الآخر إلى جانب “نظام الاستبداد والفساد” ضد الجماهير الشعبية، وطبلت لدستوره وشاركت في انتخاباته وتولت تسيير واجهته الحكومية.

الدولة راعية الفساد

بعد ثلاث سنوات من هذه الأحداث، تهب نفس الأحزاب التي أنجدت “نظام الاستبداد والفساد” من زاوية حشره فيها النضال الشعبي، لتدعي امتشاق سيف محاربة الفساد، لكن مع تسخين “حساء بارد” تمثل في تعويلها مرة أخرى على ممثلي “نظام الاستبداد والفساد” لمواجهة ما يبدو لهم- من وجهة نظرهم- فسادا.

لا يختلف اثنان على أن المجالس الجماعية، منذ أول تجربة لها بداية ستينيات القرن العشرين، أوكار “للفساد” والاغتناء السريع و”غير المشروع” بنهب المال العام واحتكار الصفقات العمومية، لذلك تحتدم المنافسة بين المرشحين والأحزاب في كل دورة انتخابية.
نما هذا النهب والفساد المحلي تحت الأنظار الراضية لنظام مفرط في المركزية، ويتيح هوامش لنخب محلية صنعها للتحكم في “التراب الوطني”، وفي نفس الوقت لخلق برجوازية محلية تكون قاعدته الاجتماعية، وفي الآن ذاته قاعدة انتخابية لأحزاب إدارية خلقتها وزارة داخليته لإضفاء طابع تعددي على نظام فردي موروث عن القرون الوسطى.

وقد فصل الميثاق الجماعي بنود تحكم السلطة المركزية وممثليها (العمال والولاة) في المجالس الجماعية “المنتخبة”، ويظهر الفصل الأول من الباب السادس كيفية الوصاية على أعمال المجلس الجماعي (المواد من 68 إلى 75)، كما المادة 76 من الفصل الثاني المتعلقة بالوصاية على قرارات رئيس المجلس الجماعي تؤكد أن “القرارات التنظيمية التي يتخذها رئيس المجلس…يجب، لتكون قابلة للتنفيذ، أن تحمل تأشيرة وزير الداخلية أو من يفوض إليه ذلك بالنسبة للجماعات الحضرية والوالي أو العامل بالنسبة للجماعات القروية”.

إن فساد رئيس المجلس البلدي بكلميم جرى تحت رعاية الدولة وأنظارها الراضية، كما هو شأن كل المجالس الجماعية القائمة بالمغرب. فهذا الفساد وهذا النهب هما رشوة متاحة لنخب محلية فاسدة من طرف نظام هو رأس الفساد.

بؤس معارضة…

أقام رئيس بلدية كلميم شبكة زبائن هائلة ضمنت له الاستئثار السياسي بهذه المنطقة، واستغل ذلك لضمان الصفقات العمومية له ولمحيطه وزبائنه، وهو ما أثار لعاب المقصيين من هذه الصفقات، وفي نفس الوقت تضايق الأحزاب التي تعوزها نفس آليته الانتخابية.
وبفعل هجر هذه الأحزاب ساحة النضال الجماهيري منذ تأسيسها، أحست بالعجز عن مواجهة رئيس بلدية مستقو بنفوذه ومستثمر ثمار نهبه للمال العام واستئثاره بالصفقات العمومية.

رأت هذه الأحزاب في قدوم وال جديد ليمثل “نظام الاستبداد والفساد في كلميم فرصة لمواجهة رئيس المجلس البلدي، خاصة مع استعمال هذا الوالي للإعلام المحلي لإظهار شقلباته البهلوانية وتصريحاته التي لا تتعدى حدود شفتيه، على أنه قادم لمحاربة “لوبي الفساد”.
تعددت المقالات التي تتغنى بخصاله، وتسللت نغمة شوفينية إلى هذه التصريحات باعتبار الوالي الجديد من “أبناء المنطقة” عكس رئيس المجلس البلدي.. واتخذت هذه التصريحات منحى أكثر تملقا، وأشد تزلفا، مع تنقيل الوالي وتعيينه في الإدارة المركزية بالرباط.

نعته أحد أعضاء حزب التقدم والاشتراكية بأنه “الوالي الجريء”، وأدلى بشهادة زور على “صدقية التوجهات الاصلاحية التي قادها بجرأة ” السيد العظم”..”. وقد استثار تنقيل الوالي حماسة هذه الأحزاب، المبتلعة لسانها طيلة سنتين من الحراك الشعبي بالمدينة، و”ألهب التنقيل” هذه الأحزاب، وهبت لتأسيس “الائتلاف السياسي والحقوقي والجمعوي بواد نون” الذي أصدر بلاغا بتاريخ 30- 01- 2015 تضمن المزيد من التزلف والتملق للوالي العظمي، وشهد له “بنزاهته وجرأته الشجاعة في القطع مع دابر الفساد وتفانيه في أداء واجبه الوطني من خلال تطبيق القانون ضداً على إرادة لوبيات الفساد”.

… تحتمي بنظام فاسد لمحاربة رئيس بلدية فاسد

تسعى هذه الأحزاب إلى الاستناد على دولة الاستبداد لمواجهة ما تسميه فسادا بالمنطقة، وتغض الطرف في الوقت عينه عن حقيقة أن فساد رئيس المجلس البلدي ليس إلا انعكاسا محليا لفساد ونهب معممين يقوم عليهما النظام، إلى جانب جهاز قمعي تشكل مؤسسة الولاية التي كان “العظمي” على رأسها إحدى أدواتها الفعالة. لكن لهيئات هذا الائتلاف رأي آخر- مناف للواقع والصواب- وهو أن فساد رئيس المجلس البلدي في كلميم يشكل جحيما وسط جنة نزاهة وشفافية، وهو ما عبر عنه بلاغ الائتلاف، بقول :”لوبيات الفساد التي تسعى إلى إقامة “دولة الفساد” بمنطقة واد نون داخل دولة الحق والقانون”؛ وهي شهادة زور أخرى لكن لصالح مجمل النظام وليس “واليه” بالمنطقة فقط.

لكن… حتى الاستجداء والمناوشة لهما حدود. فهذه الأحزاب تتخوف من أي انفلات خاصة أن سابقة “كديم إزيك” ماثلة في الأذهان. وقد كان صراع الوالي ورئيس المجلس البلدي للعيون من أسبابها المحفزة. وترتعب من سخط الملكية التي صدر عنها قرار تنقيل الوالي، إذ سارع بنكيران للتبرؤ من توقيع كتابة حزبه الجهوية على البلاغ؛ وانحنى عضو التقدم والاشتراكية، الذي فتح مقره لتشكيل الائتلاف، حتى لامس أنفه التراب ليعلن أن “قرارات الملك على الرأس والعين”.. . وحرص الائتلاف على وضع حد لما يعتبره احتمالات مفتوحة وحصرها في “التفكير في تجميد أنشطة وهياكل الأحزابالسياسية والهيئات الحقوقية والجمعوية التي تشكل الائتلاف”.

تدرك هذه الأحزاب أن أي تحرك في الشارع هو لعب بالنار خطير، لن تستطيع كبح جماح الجماهير إن دعتها للاحتجاج في الشارع، وسيأتي نار هذا الاحتجاج على أخضر نظام الاستبداد ويابسه.

صراع بين أجنحة نفس نظام الفساد والاستبداد

لا يخلو تاريخ المجتمع الطبقي، والرأسمالي على الخصوص، من صراعات بين القمم الحاكمة، لكن المناضل والغيور على مصالح الجماهير يسعى دائما على ألا يخلط رايته مع إحدى هذه القمم أو يجعل من نفسه ناطقا بلسانها ومدافعا عن مصالحها.

إن معارضة “رئيس المجلس البلدي” الحالي بكلميم تنطق باسم برجوازية محلية تعتبر نفسها مقصية من نظام التربح والنهب ومن الصفقات العمومية، وهو ما عبر عنه عضو حزب التقدم والاشتراكية في أحدى مقالاته حين وصف فساد رئيس المجلس البلدي بـ”منظومة متأصلة تتربع فوق القانون.. وتتغذى من مختلف أشكال الريع واستعمال النفوذ”؛ وهي نغمة ألفناها من أحزاب الكتلة الليبرالية التي كان حزب التقدم والاشتراكية عضوا فيها، لكنه شارك دائما في حكومات نظام يقوم على “الريع الاقتصادي واستعمال النفوذ ويتربع فوق القانون”.

تعمل هذه الأحزاب بوعي على استغلال هذه المماحكات الهزلية بين “وال” فضل الفيلات المريحة بالمغرب على صحاري تفاريتي القاحلة، وبين رئيس مجلس بلدي غارق في الفساد حتى أذنيه، تستغل هذه المشاحنات الإعلامية قصد الإعداد للانتخابات الجماعية المقبلة..

إنها معارضة تبحث عن نصيبها من الكعكة، وليس عن استئصال للفساد ونهب المال العام كما تدعي.

إلى جانب الجماهير من أجل مطالبها الاجتماعية والديمقراطية

إن التعويل على مؤسسات الدولة، من ولاية وعمالة، لمحاربة” الفساد” وهم تعمل هذه الأحزاب على ترويجه بقصد تحريف وعي الجماهير الشعبية عن إدراك مصدر بؤسها الحقيقي. إنها تدعي محاربة الفساد، وهي تغض الطرف عن أكبر ناهب للمال العام بالمغرب عموما، وبالمنطقة خصوصا، وهي جهاز الدولة الذي تقف الملكية على رأسه كأكبر مستفيد من احتكار ثروات البلد وترحيلها إلى الخارج فيما تكابد الجماهير ويلات البطالة و أهوال الحرمان من الخدمات الاجتماعية.

يتمثل النضال الحقيقي ضد الفساد والاستبداد في حفز النضال الجماهيري والانخراط في التعبئات المحلية التي تنهض بين الفينة والأخرى من أجل المطالب الملموسة (التشغيل، الإعانات الاجتماعية، الخدمات الاجتماعية)، وفي نفس الوقت استحضار المطالب المركزية للنضال من أجل ديمقراطية شاملة تضع السلطة الحقيقية في يد الشعب وليس في يد من ُيعينهم نظام الاستبداد.

عوض التعلق بممثلي الاستبداد، والتعويل عليهم لاستئصال الفساد محليا، على مناضلي المدينة وكفاحييها، من نقابيين ومناضلين ضد البطالة ويساريين جذريين، التقدم ببديل لهذه الجلبة الفارغة التي تقوم بها هذه الأحزاب المتطلعة إلى حصتها من نظام النهب لا غير.
يجب الدعوة والعمل على تشكيل لجان أحياء ينتخبها المواطنون لمتابعة تسيير المجلس البلدي وكشف حساباته، واقتراح مشاريع اجتماعية وكيفية توجيه الميزانية وأوجه صرفها.

على المناضلين حفز أشكال تنظيم تحتية وديمقراطية لمتابعة هذا الشأن من خلال جموع عامة لسكان الأحياء، طبعا دون انطواء في الشأن المحلي، أي مع المشاركة في نضال وطني ضد رأس الاستبداد، أي الحكم المطلق.