بديل ــ الرباط

كشف الصحفي محمد الطائع، في كتابه "عبد الرحمان اليوسفي والتناوب الديمقراطي المجهض"، عن الكيفية التي تم بها تعيين فيصل العرايشي على رأس الإذاعة والتلفزة المغربية، من طرف الملك محمد السادس، دون علم وزير الاتصال آنذاك العربي المساري، وكيف قدم هذا الأخير استقالته من وزارة اليوسفي، احتجاجا على تغييبه في حفل تنصيب المدير الجديد.

وتفيد الشهادة:"لقد دفعت معاناة العربي المساري، اليومية في تدبير مشاكل قطاع حارق وملتهب من حجم قطاع الإعلام العمومي، وكثرة المتدخلين فيه، ومواجهته الدائمة للزوابع المسترسلة، الكثير منها مصطنع، إلى الإقتناع بأن حكومة التناوب في ولايتها هذه لن تقوى على تأهيل الإعلام العمومي، وأن وعود الإصلاح أصبحت صعبة التحقق والإنجاز، مادامت الإرادة السياسية لم تتوفر بعد، فصار المساري مقتنعا بأن ترك المنصب الوزاري، رغم كل امتيازاته، هو الحل الأخير حتى يظل منسجما مع قناعاته.

لقد كان قرار الاستقالة بالنسبة إلى المساري قرارا لا رجعة فيه، وكان فقط ينتظر الوقت المناسب لفعل ذلك. وهذه الواقعة توضح ذلك:

في بحر سنة 1999، هاتف راشدي الشرايبي، الذي كان حينذاك يشغل منصب مدير للديوان الملكي، العربي المساري، وأخبره بأن الملك قرر تعيين مدير جديد للتلفزة، وطلب منه أن ينتظره في مكتبه ليخبره باقي التفاصيل. وفور انتهاء المكالمة إتصل المساري بالوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، وأخبره بما سمعه من رشدي الشرايبي.

ساعات قليلة بعد ذلك، سيستقبل المساري رشدي الشرايبي في مكتبه بالوزارة، فأطلعه الشرايبي بأن الملك محمد السادس قرر إعفاء محمد ليساري من منصبه كمدير للتلفزة وتعيين فيصل العرايشي في مكانه. بعد ذلك اتصل المساري بعبد الرحمان اليوسفي وأخبره من يكون مدير التلفزة الجديد، ثم قال له:" بالرغم من أنه لا يد لي في العزل والتعيين، فإن مديري التلفزة والإذاعة خاضعون إداريا لوزير الاتصال، فماذا سنفعل في حفل التنصيب؟"، فكان جواب اليوسفي واضحا :"قل للجهة التي أخبرتك بمن سيكون أن تخبرك أيضا بما يجب أن يكون".

ومجددا، رفع العربي المساري سماعة الهاتف، وربط الاتصال برشدي الشرايبي، وسأله عن إجراءات التنصيب، فأجابه الشرايبي بأنه سيتصل به لاحقا ويجيبه عن سؤاله. وفعلا هاتفه الشرايبي، فيما بعد واخبره بأن حفل التنصيب لن يتم أصلا، وأنه سيتم الاكتفاء فقط بتسليم السلط بين المديرين داخل المكتب.

التحق العربي المساري ببيته، ليلا في حدود التاسعة مساء، ففاجأته زوجته بالسؤال التالي:"ماشفتكش في التلفزة في حفل تنصيب المدير الجديد ؟".

فأجابته:" راه دارو في الأخبار تنصيب مدير جديد ديال التلفزة..وحضر فيه حسن أوريد والمدير العام طريشة، وتم تبادل الكلمات. وهاد الشي راه واقع اليوم".

تأكد المساري من تفاصيل حفل تنصيب مدير التلفزة الجديد فيصل العرايشي، وكان وقع الحدث قاسيا عليه. حينها ومن فرط الإحساس بالإهانة البالغة قرر ألا ينام تلك الليلة حتى يحرر رسالة استقالته النهائية من الحكومة.

في الواقع كانت تلك الاستقالة رسالة احتجاج بمضامين قوية للغاية:" ما معنى حفل تنصيب مدير تلفزة دون حضور الوزير؟ وما الهدف من إخباري بأن الحفل لن يقع أصلا؟ كيف ستكون صورتنا عند الجمهور؟ لقد بات واضحا أن الرأي العام سيعرف أن لا حاجة لوزارة الاتصال، وعليه باعتباري وزيرا على هذا القطاع فأنا أقدم استقالتي من منصبي".

أوصل العربي المساري رسالة استقالته إلى عبد الرحمان اليوسفي، فوجد هذا الأخير في مضامينها القوية إحراجا كبيرا تفهمها عميقا، لم يترك له فيه مجالا لثنيه عن الاستقالة.

وقد أكد المساري لليوسفي أن علاقته بالوزارة انتهت، وأنه ينتظر فقط عودة الأمين العام لحزب الاستقلال عباس الفاسي، الذي كان خارج البلاد، لتنفيذ قرار استقالته ولن يعود للوزارة تحت أي ضغط كان ومن أي جهة كانت.