قبل شُهور ظهر الملك محمد السادس على شريط فيديو، وهو يبحث داخل مسجد بين المصلين على رئيس الحكومة للصلاة بجانبه، وهو ما شكل أساسا لدعاية غير مسبوقة، خاصة من طرف "الكتائب الإعلامية" لـ"لبيجيدي"، بعد أن رأت في سلوك الملك، تقديرا منه لزعيمهم وتعبيرا عن رضاه على أدائه الحكومي.

ويوم الأربعاء الماضي، ظهر رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، يحاول الحديث إلى الملك، في وقت لم يعره الأخير وقتا كافيا؛ يليق بصفته كرئيس للحكومة، ما خلف موجة من التعاليق والانتقادات الشديدة خاصة تجاه بنكيران، بعد أن رأى الغاضبون من المشهد في سلوك رئيس الحكومة تملقا مجانيا لاطائل منه.

وفي غياب بيان صادر عن الديوان الملكي أو رئاسة الحكومة، يوضح ملابسات الحادث، لسد باب التأويلات التي قد تضر بصورة المؤسسات، وبالتالي مصلحة المغرب، لنا أن نتساءل: هل آن "للوعي أن يرجع للوعي" بعد انتهاء "سبعة أيام ديال الباكور" بين الملك ورئيس حكومته؟ أم أن الملك غاضب، فقط، من بنكيران بسبب فضائح وزرائه، خاصة فضيحة "الحبيب وسمية" لهذا ضاق ذرعا منه ومن الحديث إليه؟ هل يجد رئيس الحكومة صعوبة في التواصل مع الملك، وأنه لم يجد سوى هذه الفرصة الاستثنائية لتبليغه شكوى مهمة تهم ظروف تدبيره لشؤون الحكومة؟ أم أن الملك غاضب من تصريح رئيس الحكومة في الجزيرة، الذي قال فيه "الملك هو من يحكم في المغرب"؟ هل سعى الملك فقط من خلال سلوكه ذاك إلى استغلال أضواء "الكاميرا" في محاولة منه لإقناع المعارضة والشعب بأنه غير راض عما بدر عن رئيس الحكومة خلال الجلسة الشهرية الأخيرة حين تحول "البرلمان" إلى مايُشبه سوق شعبي أو حمام، يعمه الهرج والمرج في جميع جنباته، بعد أن وصف بنكيران خطاب المعارضة بـ"السفاهة؟ أم أن الملك غاضب من احتجاج إخوان بنكيران أمام البرلمان على أحكام القضاء المصري ضد الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، خاصة وأن بيان السفارة المصرية بالرباط، الصادر في الموضوع، جاء واضحا ومعبرا عن حجم القلق المصري إزاء هذه التحركات الاحتجاجية؟ ألا يزكي هذا المشهد قول زعيم حزب "الأصالة والمعاصرة" مصطفى الباكوري داخل البرلمان بأن "الملك غير راض عن طريقة بنكيران في توظيف المؤسسة الدستورية".

علاقة الملك برئيس الحكومة، ليست شأنا خاصا أو عاديا، حتى يجوز القفز عليها، بل في علاقتهما تنصهر وتتكثف مصالح ملايين الناس وأضرراهم، وبالتالي تكون أدق تفاصيل علاقتهما تحت المجهر، وقد يكون سلوك الملك عاديا، لكن في غياب توضيح، قد يسوء فهمه، فربما يرى مستثمرون غربيون أو مغاربة في سلوك الملك إشارة عن قرب إقالته للحكومة، فيكون لذلك تداعيات كبيرة على الاقتصاد الوطني، مما يستوجب بيانا في الموضوع ذرء لأي لبس قد يضر بمصلحة البلاد.

النظام السياسي المغربي بنى ثقافته السياسية على لغة الإشارات القادمة من القصر، فكيف سيتعامل زعماء النقابات ورئيسة "الباطرونا" والوزراء والمعارضة، مع رئيس الحكومة، إذا فهموا من تلك الإشارة، أن الملك غاضب من رئيس الحكومة؟

طبعا، بنكيران لا يستحق من الملك الغضب فقط بل الإقالة الفورية، فلا أحد في تاريخ الحكومات المغربية المتعاقبة على تدبير الشأن العام، "تكرفص" على ملك مغربي مثل عبد الإله بنكيران، وإن كان الظاهر يوحي أنه أكثر المسؤولين تكريسا لثقافة "المخزن" وتثبيتا لتقاليده خلال ولايته الحكومية.

فماذا يعني قوله، على إذاعة "ميد راديو" "جلالة الملك مْنِينْ تيقُولِّي شي حاجة، إلى كان عندي التيساع، تندير الرأي ديالو، وكنتخلى على الرأي ديالي، وخا يكون في الجانب الشرعي اللي هو العقلية ديالي والمرجعية الدينية ديالي وديالنا، وخا يكون هو الأرجح، كندير بالرأي ديالو"؛ يعني أن الملك يُخالف في بعض قراراته مقتضيات الدين الإسلامي، مادام بنكيران يؤكد أن الملك لم ينتصر للقرار الأرجح!

ورغم خطورة هذا القول فإنه يبقى أقل خطورة بكثير عن قول بنكيران: "الملك هو من يحكم في المغرب" لأن معنى هذا القول أن الانتخابات لا طائلة منها، وأن المؤسسات صورية وشكلية، وأن الملك هو المسؤول عن المشاركة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين، وعن الإنتاجات الفنية الصادمة للذوق العام والشعور الديني، وعن كل مظاهر الفساد المتفشية داخل المجتمع والمؤسسات، كما أن تصريح بنكيران يعني أن البلد يسير بمزاج الملك، وأن محمد السادس هو من يتحمل وزر العلاقات الطيبة مع عبد الفتاح السيسي وزيارة الإسرائيليين للمغرب، والترتيب السيئ للبلد في سلم التنمية البشرية وحرية التعبير والصحافة، كما يتحمل الملك، وفقا لبنكيران دائما، وزر ما يُقال حول استمرار التعذيب في المغرب، وكذا مواصلة اضطهاد الصحافيين واقتحام مقرات الجمعيات الحقوقية، واعتقال الباعة المتجولين، إن الملك هو المسؤول، بحسب نفس التصريح، عن كل الجرائم والبشاعات والخروقات التي تُرتكب، هنا أو هناك، ضد القانون والعدالة، سواء عند اعتقال مسؤول حزبي "بريئ" كجامع المعتصم أو الحيلولة دون مثول خالد عليوة أمام القضاء أو عزل محمد بنعيسى او عبد الوهاب بلفقيه من رئاسة بلدية كلميم وأصيلا، أو سجن، ظلما وعدوانا، المستشار الزبير بنسعدون... وبالتالي فماذا ينتظر بنكيران من الشعب مع تصريح كهذا، إذا هبت رياح انتفاظة عربية ما على المغرب؟ هل ينتظر أن توجه "المدافع" صوب الملك؟ أليس في تصريحه تملصا واضحا من المسؤولية؟ وإذا كان فعلا كلامه صحيحا لماذا لا يقدم استقالته؟ أليس في الأمر تناقضا واضحا مع قوله السابق إذا لم أجد ظروفا مواتية للعمل وممارسة الحكم بشكل طبيعي سأقدم استقالتي؟ هل يريد أن يقنع الناخبين أنه إذا مُكِّن من الحكم ستكون حصيلته أفضل من حصيلة الملك؟

من حق الملك أن يغضب ومن حق بنكيران أن يسعى للحكم لكن من حق الشعب أن يعرف "هل انتهت سبعة أيام ديال الباكور"؟