منذ مدة ليست بالقصيرة، تحولت خطب الملك محمد السادس إلى ما يشبه خطب معارض شرس للحكم، ينتقد الأوضاع السائدة، ويفضح رموز الفساد، ويعري جيوب المقاومة، ويندد بمظاهر التخلف التي تعكر على المغاربة صفو حياتهم، وتجعل آمالهم في غد أفضل تذهب أدراج الرياح.

آخر هذه الخطب كانت يوم الجمعة 14 أكتوبر،  أثناء افتتاحه للبرلمان، حين وجه نقدا لاذعا للإدارة المغربية وللقائمين على شؤونها، وقال أن سوء أدائها وتخلفها سبب رئيسي في تصنيف المغرب ضمن بلدان العالم الثالث بل والرابع والخامس إن استمر وضعها على حاله كما هو في رداءة التدبير وسوء التسيير.

هذا التحول المذهل في الخطب الملكية، لا يمكنه وصفه سوى بمحاولة التنصل من مسؤولية أوضاع لا ترضي أحدا في المغرب، وتثير كل يوم سخط المواطنات والمواطنين في عموم ربوع البلد. ذلك أن الكل يعلم أن الملك هو الحاكم الفعلي للمغرب والآمر الناهي في كل دواليبه، بداية بالأجهزة العسكرية والأمنية باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومرورا بالشؤون الدينية للمغاربة باعتباره أميرا للمؤمنين، ووصولا إلى الإدارة اليومية لشؤون البلد في شقها القضائي والاقتصادي والاجتماعي باعتباره الرئيس الفعلي للمغرب وحاكمه الذي لا كلمة تعلو فوق كلمته.

وإذا كان كلام الملك المنتقد للأوضاع السائدة يأتي ببعض التعاطف من لدن بعض فئات وشرائح المجتمع المغربي، والتي لا تسأم من ترديد أن “الملك باغي يخدم وما لقاش معامن”، فإنه في المقابل يجعل فئات أوسع تطرح سؤالا حارقا حول عجز الملك عن قيادة عجلة الإصلاح مادام يعرف أعطاب المغرب ويدرك كل خباياه، وهو الشيء الذي يعتبر في علم السياسة وإدارة الدول أسوء السيناريوهات وأكثرها قتامة.

لو كنا في نظام ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، لكان للخطب الملكية بصيغتها الناقدة للأوضاع معنى وفائدة، أما في وضع المغرب الحالي حيث لا ينفك رئيس الحكومة عن الترديد أن الملك هو الحاكم الأوحد للبلاد وأنه لا يفعل شيئا سوى مساعدته في بعض الملفات الهامشية، فإن الأمر يتحول إلى مشهد سوريالي فيه الكثير من اللعب بالنار، بل وفيه الكثير من فقدان هيبة الحكم أمام عموم الشعب.