عادة ما تثير الخطابات الملكية الكثير من النقاش، يصل في أحيان كثيرةْ إلى حد الاصطدام بين تياريْ النقاش، هذا النقاش الذي عادة ما يأخذ شكل القطبية الثنائية بين مؤيد بالفطرة ومعارض بالسليقةْ، في غياب شبه كليّ لمنطق التحليلْ الموضوعي الغير إيديولوجي.

الملك وكما هي العادة أصر في خطابه الأخير، على أن يكونْ بسيطاً بدلالات عميقةْ، تلك الدلالات التي تسربت إلى عمق المغرب العميقْ، الذي أخد حيزاً كبيرا من انشغالات جلالته، وذلك باستعراض موجز لأبرز مظاهر الحرمان والبؤس الاجتماعين، اللذان يتكبدهما المواطن المغربي في العمق المغربي، كما في الضواحي المهمشة، تلك التي نتجتْ عبر تراكمات واضحة لنزوح المواطن القروي نحو المدينة، هاته الأخيرة، التي تجسد المغرب الجديدْ، لكن طبعاً ليس ذلك المغرب، الذي ما فتئ جلالته، يسعى إلى تشييده.

الخطاب الأخير، وان جاء تقنيا إلا انه كان وجيهاً، واستعرض عبره جلالة الملك، أهم وسائله في استشفاف حقيقة المواطنْ وحياتهِ، في أكثر من ستة وعشرون دقيقةْ، تطرق جلالته لمختلف مشاكل وتطلعات المواطن المغربي في الداخل وكما بالخارجْ، وذلك انطلاقا من قراءة نقدية لواقع الإدارة المغربيةْ، التي يبرعْ القائمون عليها في تسويف واستهتار بمصالح المواطن تلك التي استدل عليها الخطاب الملكي بعبارات عميقة "كل ما تعيشونه يهمني..ما يصيبكم يمسني..ما يسركم يسعدني..وما يشغلكم أضعه دائما في مقدمة انشغالاتي.." مقتطف من الخطاب الملكي للعيد العرش السادس عشر.
إلا انه وفي جانب أخر أكثر أهمية، تحاشى الخطاب الملكي، الحديث عن مواضيعْ، تشغل بال السياسيين والمهتمين، أبرزها موضوع الانتخابات الجماعية والجهوية القادمةْ، والتي تعتبر أول اختبار لمغرب ما بعد الدستور الجديدْ، الذي جاء بما لم تأتي به الدساتير العلوية السابقةْ، من حيث الجرأة في العديد من مضامينهِ، التي كانت إلى وقت قريب جداً، تصنف ضمن خانات الطابوهات السياسية بالمغربْ، عدم إدراج نقطة الانتخابات القادمة ضمن الخطاب الأخير لها دلالاته الخاصةْ، ورسائله المشفرة إلى المعنيينْ بها، ويمكننا القول هنا، بأن القصر والمخزن والملكْ، بعث برسائله الخاصة، منذ ألقى بكرة الانتخابات والإشراف عليها في ملعب الحكومة وبضبط رئيسها، هذا الأخير، الذي لم يرى من حل سوى تمريرها إلى وزيره في الداخلية "التقنوقراطي" "محمد حصاد"، وذلك لغاية واحدة مفادها، أن النظام المغربي، يسعى إلى أن تكون الانتخابات القادمة وان تمرّ في شفافية تامةْ، خصوصا مع تلويح البعضْ بالمقاطعةْ وتشكيك في نزاهتها حتى قبل أوانها.

بالموازاة ذلك، هناك فئة انتظرت رسائل الملك في شأن الصدام الهوياتي، الذي يعيشه المغرب حالياً، وتلك التجلياتْ الأخيرة، مما اعتبرته جهات رسميةْ "هجوما على قيمْ المجتمع المغربي"، و"محاولات بائسة تسعى إلى النيل من تماسك المنظومة الاجتماعية المغربيةْ"، ناهيك عن حالات "السيبةْ" التي أضحت تهددْ "هيبةْ" النظام والدولةْ المغربيةْ، هذه وغيرها مواضيعْ انتظرها البعض، لكنْ لم تظهر أي إيحاءات حولها، ضمن الخطاب الملكي الأخير، الذي كما أسلفنا ، تطرق إلى الحياة اليومية للمغاربة بثنائية البؤس الاجتماعي والحرمان، الذي تعاني منه فئات عريضة موزعة على مختلف تراب ربوع المملكة الشريفةْ، هذا الصدام الذي غاب، وحضر بالقوة داخل النقاش العمومي، ولازال يتوسع يوماً بعد يوماً، يبقى الموقف الملكي ايزاءه غير واضحاً، في انتظار إن تضعِ هذه الحرب الهوياتية أوزارهاَ.

وعلاقة بطقوس البيعة والتوشيح، التي تلتْ الخطابْ، كما دأبنا ومنذ بلغنا الحقاق الفكري، تفجرت على إثرها نقاشاتْ بثنائية المعارض والمؤيدْ، ولا يسعني في هذا البابْ، وعبر ما تابعته مع المقاوم "محمد بن سعيد ايت ايدرْ"، أن الطقس المخزني، أضحى اختيارياً، ولم يعدْ إجباريا، ورفض هذا الأخير ارتداء ملابسْ دار المخزن، ودخوله على الملكْ، بلباسه الغربيِ العادي، ما هو إلا جزء يوضح بجلالْ "حرية الاختيارْ"، وما دمنا ندعي أو بالأحرى ندافع عن حريات الاختيارْ، فلنتركْ ذلك للاختيار شخصي، بدل ممارسة الوصاية الفكرية أو السلوكية على أي كانْ، ما دامت الحرية جوهر الصراعْ.