يروج بعض السياسيين والحقوقيين والأكاديميين في أدبياتهم لأطروحة "الملكية البرلمانية"،كمطلب ديمقراطي من شأنه أن يخلص المغرب من "الملكية التنفيذية"، ويدخل بها إلى نادي الملكيات البرلمانية، على غرار الملكية الإنجليزية والملكية الإسبانية إلخ.. 

ويعتقد مروجو هذه الأطروحة أن تحقيق هذا المطلب سيجعل المغرب يتخطى "هذا التداخل" الحاصل على مستوى فصل السلط،كمبدأ معياري لتمييز الأنظمة الديمقراطية عن غيرها،ويفضي -بالتالي - إلى توضيح قواعد اللعبة الديمقراطية لتتماهى مع مرجعياتها النظرية وتطبيقاتها العملية في إطار الأنظمة البرلمانية الملكية المتعارف عليها.
وأكيد، أنه لا مشاحة حول هذا المطلب،من حيث المبدأ على الأقل،وذلك بحسبان "الملكية البرلمانية" هي الإطار الأمثل لتجسيد الديمقراطية في ظل الأنظمة الملكية،كما على دلت ذلك تجارب الإنتقال الديمقراطي في الأنظمة الملكية ،وتحديدا الاوربية.
ولكن الأكيد أيضا،أن تحقيق هذا المطلب الديمقراطي مرتهن بشروط سياسية،إجتماعية وثقافية شاملة،لايلبي السياق المغربي الراهن إلا النزر اليسير منها،ومن هذه الشروط على سبيل المثال لا الحصر:- وجود بيئة سياسية،تضطلع فيها الأحزاب السياسية بدور طلائعي،يؤهلها للنهوض بالمسؤوليات الجسام،التي ستلقى على عاتقها في حال الإنتقال المفترض إلى "الملكية البرلمانية"،بالإضافة إلى وجود طبقة متوسطة متنورة ومستقلة،تؤمن بمفاهيم التعاقد الإجتماعي،وضمنها مفهوم: الدستور،مفهوم الحريات،ولا تقايض أصواتها في الإنتخابات،وقبل ذلك كله،أو في خضم ذلك أو أثناءه،لا بد من حصول توافق مجتمعي واسع بين أطياف المجتمع المغربي،أو على الأقل بين أطرافه الأساسية حول الخيارات الكبرى للمجتمع المغربي،ومنهاهوية الدولة، هل هي دولة مدنية،أم شيء أخر؟ و الحريات.. والملكية الخ..
والسؤال الآن هو:هل يلبي السياق المغربي الراهن هذه الشروط؟ وضمن أية حدود؟.مما لا شك فيه أنه من المزايدة في القول،أن السياق المغربي الراهن يحقق كل هذه الشروط؛فالأحزاب السياسية –التي هي الأداة الأساسية للديمقراطية- تبدو في سياقنا الراهن عاجزة حتى تدبير أمورها التنظيمية،وبعيدة عن منطق الديمقراطية.لا يشغلها الهاجس الديمقراطي في شيء ،إلا من رحم ربك،بقدرما تبدو متهافتة على مصالحها والبحث عن موطئ قدم لزعمائها في دوائر السلطة،وذلك بغض النظر عن مضمون هذه السلطة ا.،فأنى يعول عليها؟ويوازي هذا العجز الحاصل على مستوى الأحزاب السياسية عجز مماثل على مستوى التوافق المجتمعي حول مطلب الملكية البرلمانية؛إذ ثمة في المجتمع المغربي من يعتقد أن "الملكية البرلمانية" لا تلائم "الخصوصية المغربية"،وتتصادم مع هويته الإسلامية، وأسألوا حزب العدالة والتنمية أن يكشف بوضوح عن موقفه من الملكية البرلمانية،وراجعوا مذكرات الأحزاب إلى اللجنة الإستشارية المكلفة بإعداد دستور2011،لتكتشفوا مدى الإختلاف الحاصل بين مكونات المجتمع حول هذا المطلب،ناهيك عن مواقف أطراف أخرى في المجتمع لا يستهان بها في تشكيل الرأي العام والتأثير في توجهاته،كالفقهاء ورؤساء الزوايا وخريجي كليات الأصول والشريعة إلخ..الذين يؤمنون بنظرية "الخلافة" و "الإمامة"،وضرورة وجود "إمام" يبايعونه ليتولى "حراسة الدين وسياسة الدنيا به"،وهو ما يتجسد في السياق الراهن في "الملكية التنفيذية" ،التي لا يريدون عنها بديلا.أما الشرط الثالث، والمتمثل في وجود طبقة متوسطة متنورة ومستقلة،فحتى لا نقول إنه- أي الشرط -غير متحقق،فإننا نقول إن هذه الطبقة هي من يلوح بهذا الشعار وتدعو إلى تحقيقه،لكن صوتها ليس مسموعا ومؤثرا بالكيفية التي تجعل صداه مترددا بقوة في دوائر المجتمع. لذلك يبدو مطلب "الملكية البرلمانية" في السياق الراهن مطلبا "نخبويا" محدودا في فئات معينة لا إمتداد لها واسع في المجتمع، وربما لهذا السبب جاءت الصيغة الدستورية بهذا الخصوص "توفيقية" وكأن المشرع الدستوري أراد من ورائها محاولة إرضاء جميع الأطراف،في انتظار أن تتهيأ الظروف،ويحسم المجتمع خياراته الكبرى،وإذاك سيكون لكل حادث حديث.