مع هبة الضفة الغربية الأخيرة والتي تتنامى وترتفع وتيرتها بشكل لم نشهده منذ سنوات جراء التصعيد الصهيوني غير المسبوق، يعود السجال مجددا حول الحلول الممكنة لبعث القضية الفلسطينية من جديد وتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني التحررية ودحر الاحتلال الصهيوني من على أراضيه أو على الأقل إحداث تقدم ملموس ولو على مستوى جزئي في مسار القضية، ويبرز بقوة مصطلح المقاومة الشعبية كحل يقترحه البعض والذي يرتكز على العمل السلمي وإبداع أشكال احتجاجية دونما حاجة إلى أي فعل عنيف، وذلك في مقابل النهج التفاوضي الذي وصل بابا مسدودا باعتراف أصحابه والكفاح المسلح الذي يرونه مكلفا للغاية ويحد من التضامن الدولي. 


ينبغي الإشارة إلى أن ظهور هذا الطرح في الساحة الفلسطينية ليس وليد اللحظة، فقد بدأت إرهاصاته مبكرا وإن بدا أنه أصبح يستقطب أنصارا متزايدين على الأقل منذ بدايات الانتفاضة الثانية بخاصة مع انتشار كتابات جين شارب حول كفاح اللاعنف في الساحة العربية والتأثر بهذا النوع من الفلسفة القائمة على رفض الصدام المسلح مع الخصوم والاستعاضة على ذلك بأسلحة ذات طبيعة لاعنفية.
مبدئيا وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الطرح جزئيا أم كليا، فإن تبني البعض لهكذا خيار مفهوم، ومن حقهم أن يجربوه كما جرب غيره فتنويع الوسائل ربما يكون مفيدا، وهو إن لم يفتح آفاقا جديدة فهو سيرجع الجميع للطريق الحقيقية لتطهير الأرض من الاحتلال الصهيوني، لكن المشكل يكمن في مدى فهم هذه الشريحة الفلسطينية لهذا الاتجاه النضالي والتزامهم بقواعده وفي مدى استعدادهم لتنزيله على أرض الواقع، حيث لا يهم الكثيرين منهم إلا ما يتيح لهم هذا الطريق من بريستيج وظهور إعلامي وتواصل مع الآخر الغربي، في الوقت الذي تحتاج فيه "المقاومة الشعبية" إلى التحام حقيقي مع الجماهير وتأطيرهم سياسيا وثقافيا وفعل نضالي قوي، بدون ذلك لا ينبغي الحديث أصلا في هذا الموضوع.
كما أن الملاحظ هو التحاق السلطة مؤخرا بتسويق هذا النموذج ,والتستر خلفه بغرض تلبس شرعية كفاحية مزيفة، خصوصا بعد احتراق أوراقها التفاوضية وإيهام الناس بأنها تملك مشروعا نضاليا، ومن ثم ضرب أية بوادر لمقاومة حقيقية، لكن ما يفضح تهافت خطابهم هو تعاطيهم الخشن والقمع الممنهج مع أشكال نضالية من جنس ما يبشرون به فقط لأنها من تنظيم أطراف تعاديها السلطة حتى لو كانت سلمية.
الأصل أن كفاح اللاعنف مثله مثل الكفاح المسلح يتبناه أناس عقائديون ومناضلوه من نفس طينة مناضلي الكفاح المسلح ذوي مبادئ صلبة ولا مكان عندهم للمساومات أو المقايضة الرخيصة كما تفعل سلطة أوسلو التي تظن أنها قادرة على ابتزاز الطرف الصهيوني ببضع وقفات محدودة، وذلك من أجل إعادة الروح لمشروعها التفاوضي البائس، غير مدركين بعد من كون الاحتلال لم يعد بحاجة إليهم وإلى الغطاء الذي كانوا يوفرونه له ما دام الوضع الإقليمي والدولي كله يصب في صالحه.
ما نشهده اليوم من طرف السلطة ومن بعض الأطراف هو أكبر عملية مسخ للمبادئ والتوجهات الكبرى التي سطرتها تضحيات الشعب الفلسطيني، والعنوان هذه المرة هو المقاومة الشعبية التي أضحت في عرف هؤلاء مقتصرة على احتفاليات فلكلورية من قبيل أكبر طبق كنافة وأطول علم فلسطيني أو الجري وراء مغني أو فريق كرة وتسويق أي إنجاز يحقق في هذا الصدد على أنه إنجاز وطني.
طبعا لسنا مع الحجر على حرية الناس واختياراتهم ولسنا ضد أن يبحث الفلسطيني على أي فسحة يروح بها على معاناته اليومية من الاحتلال الصهيوني، بشرط ألا تميع الأمور وتحمل أكبر من حجمها، فأي فعل يقوم به الفلسطيني خارج إطار مواجهته للعدو الصهيوني ينبغي أن تنزع منه صفة النضالية، والذي يصر على إقحام أمر الاحتلال في مثل هكذا أمور هو يسيء إلى نضالات الفلسطينيين الحقيقية وإلى السلسلة الذهبية من الشهداء والمجاهدين، وهنا نشير إلى أن الكيان الصهيوني لم يمانع يوما في أن يرفه الفلسطينيون على أنفسهم هو كان يعترض فقط على احتفاظهم بكرامتهم ودفاعهم عن أرضهم ومقدساتهم، أما إذا سحبوا هذا من خلدهم ساعتها سيكون الجانب الصهيوني من أوائل المحتفين بما يقدمه الفلسطينيون من إبداعات فنية أو رياضية أو غير ذلك.
مصطلح المقاومة الشعبية في نظرنا أرقى مما يتحدث عنه منتحلو الصفة من أنصار سلطة أوسلو، وهو أوسع من النظرة الضيقة لدعاة العصيان المدني، هو إرادة جماهيرية للانعتاق من ظلام هذا الكيان من خلال عمل مقاوم يطرق كل الوسائل المشروعة المتوفرة له بدءا من الفعاليات والحشود الشعبية ذات الطابع السلمي وصولا إلى أشكال متطورة من المقاومة المسلحة بحسب ما تفرضه إكراهات الواقع، ذلك أن العمل الجماهيري يتكامل مع المقاومة المسلحة ولا يناقضها أو يتعارض معها كما يظن البعض، هذا مع الحرص على الحفاظ على جذوة الشارع متوهجة حتى لا تعزل الطليعة المجاهدة عن حاضنتها المجتمعية كما وقع في تجارب سابقة.