خالد أوباعمر

نشرت بعض المواقع الإلكترونية المغربية خبرا منقولا عن مصادر خاصة يفيد أن محمد الغيراني وزير الخارجية والتعاون الدولي بحكومة اﻹنقاد الليبية عبر عن نية وزارته في إلغاء التأشيرة على مواطني المملكة المغربية.

 

و يأتي هذا القرار استنادا لذات المصادر في "إطار نية حكومة اﻹنقاد اﻹستغناء كليا عن العمالة المصرية و تعويضها بالعمالة المغربية" مع التأكيد على "أن هذا القرار جاهز و قد يشرع في تطبيقه ابتداء من يوم اﻷحد المقبل"
لو صح هذا الخبر المنسوب لوزير الخارجية و التعاون الدولي الليبي في حكومة اﻹنقاد الليبية محمد الغيراني، فهذه طامة كبرى بكل ما للكلمة من معنى، بالنظر إلى الأوضاع الأمنية غير المستقرة والآمنة في ليبيا.
كيف يمكن للحكومة الليبية أن تلغي تأشيرة الدخول إلى البلد في الوقت الذي يقوم فيه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" باستعراض قوته العسكرية بطريقة ميليشياوية مثيرة في بعض المدن الليبية ؟ أي عاقل هذا الذي سيقرر السفر إلى ليبيا في ظل أوضاع غير مستقرة وآمنة وفي ظل مساعي مصرية دولية للتدخل عسكريا في البلاد بعد إقدام تنظيم داعش على ذبح 21 مصريا قبطيا قبل أيام فقط؟ لماذا يتم ربط قرار إلغاء التأشيرة الذي لم يصدر بشأنه أي تكذيب دبلوماسي مغربي بتعويض العمالة المصرية بالمغاربة؟


إذا كان هذا الخبر صحيحا وليس بالون اختبار إعلامي ودبلوماسي لجس النبض، فالمؤكد أن ترتيباته أمنية ومخابراتية بامتياز.
كيف نلوم تركيا على عدم فرض تأشيرة الدخول إلى أراضيها التي تستغل من طرف دواعش العالم كنقطة عبور إستراتيجية في اتجاه سوريا ونقبل بقرار الحكومة الليبية إلغاء التأشيرة على المغاربة في ظل أوضاع غير آمنة ومستقرة؟
المغرب الذي اتخذ قرارا حكيما يقضي بوقف الرحلات الجوية بين المغرب وليبيا لا يمكن له قبول قرار إلغاء التأشيرة من جانب واحد حتى وإن كان القرار الليبي قرار سيادي، وإذا أصرت الحكومة الليبية على اتخاذ هذا القرار، فالمغرب مطالب بمنع مواطنيه من السفر إلى هذا البلد غير الآمن كإجراء استثنائي وقائي.
أعرف أن هذا المطلب فيه اعتداء على حق المواطن في التنقل كحق مكفول بموجب الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لكن، حرص الدولة على حفظ حق مواطنيها في الحياة، يظل في اعتقادي الشخصي أكثر أهمية من مصادرتها لحقهم في التنقل إلى بلد خاضع لسلطة المليشيات ويعيش حالة من اللااستقرار السياسي والاجتماعي والأمني. كما أن هناك اعتبار آخر لا يقل أهمية عن حفظ حق المواطنين في الحياة يتعلق بالأمن القومي للبلد.
قرار إلغاء تأشيرة الدخول إلى الأراضي الليبية في ظل دعوات النفير إلى الجهاد التي يوجهها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى أتباعه من أجل تعزيز صفوف التنظيم الذي أعلن عن نفسه في ليبيا وشرع في تنفيذ مخططاته الإرهابية قرار خطير سيكون المستفيد الأكبر منه هو تنظيم داعش الذي يرغب في التمدد خارج العراق وسوريا لخلط الأوراق وتشتيت جهود التحالف الدولي الذي يحاربه في سوريا والعراق.
ليبيا التي "رق" لها قلب الناتو لتخليص شعبها المقهور من حكم الطاغية، معمر لقذافي، أصبحت بعد أربعة سنوات من سقوط نظام هذا الرجل، عبئا كبيرا على المجتمع الدولي بشكل عام، وعلى محيطها الإقليمي ودول الجوار بشكل خاص، بعد أن فشلت كل المساعي والجهود الدولية الرامية إلى استئناف العملية السياسية فيها، بالشكل الذي يوفر الحد الأدنى من الاستقرار والأمن بسبب تدخلات إقليمية لا تخطئها العين .
الدولة الليبية تؤدي في المرحلة الراهنة ثمن الاستبداد والتحكم والسلطوية والقهر والاضطهاد الذي عان منه الشعب الليبي لعقود من الزمن بسبب الفكر الشمولي الذي حكم على هذه الدولة أن تعيش بدون دستور وبدون مجتمع مدني وبدون تعددية سياسية، وفي ظل قمع شرس للحريات وحقوق الإنسان. كما أنها تؤدي فاتورة الأطماع الدولية بسبب ما تملكه من ثروات نفطية وغازية يسيل لها لعاب من يتربص اليوم بوحدتها واستقرارها وأمنها الداخلي والخارجي.
بعد سقوط النظام الكتائبي للعقيد "معمر القدافي" الذي توزع دمه بين القبائل بعد تصفيته الجسدية وجد الشعب الليبي نفسه محاصرا بملايين القطع من الأسلحة " الخفيف منها والثقيل"، التي كان يحوزها الطاغية أو تلك التي تم إدخالها إلى البلاد قبل اشتعال الثورة المسلحة وبعدها.

بسبب التدفق الخطير للسلاح تحولت ليبيا إلى مستنقع مغاربي خطير تمارس فيه كل أشكال العنف والإرهاب والقتل والأسر وعدم الاستقرار. في هذا البلد أصبحت كل قبيلة ترغب في أن يكون الحكم من نصيبها وأصبح كل ثائر يحمل السلاح يتخيل نفسه الجنرال الأحق بحيازة هذا السلاح لضمان الأمن والاستقرار !!
في ليبيا ما بعد القذافي أطراف سياسية كثيرة لا تفكر بشكل جدي في دسترة الحياة السياسية أو بناء المؤسسات الدستورية "البرلمان والحكومة والقضاء" التي تؤسس لمفهوم الدولة الحديثة.. كل طرف في ليبيا أصبح يتهافت على السلطة ويرغب في نصيبه من الكعكة بعصبية قبلية أو بطائفية دينية لا ترى الحل للمأزق الذي وضعت فيه الثورة البلاد، إلا، من خلال الدمار والخراب والموت والإرهاب..
الليبيون، يحتاجون في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ بلادهم، إلى عمر مختار جديد يستطيع توحيد قبائلهم المتناحرة وجمع شملها بعد أن تفرقت بها السبل وأعمى كل واحدة منها حب تملك السلطة...
الليبيون يحتاجون إلى محيط عربي ومغاربي وإسلامي متضامن ومتعاون، وإلى إلى مصالحة وطنية في إطار عدالة انتقالية تنتصر لوحدة الشعب الليبي ولأمن البلاد الحدودي حفاظا على استقرار الجوار، ولاسيما، بعد دخول تنظيم الدولة الإسلامية على الخط في ظروف غامضة.
الليبيون في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ بلادهم لا يحتاجون إلى المزيد من صب الزيت على النار كما نتابع يوميا في عدد من القنوات الفضائية، ولا يحتاجون إلى تأجيج الطائفية والقبلية، في ظل صمت دولي رهيب ومطامع إقليمية متصارعة، تنشد الخراب، وتحلم بفصل شرق البلاد عن غربها للهيمنة على ثروات البلاد من النفط "المحروس" في إطار مخطط تجزيئي تقسيمي قائم على ما أسميه شخصيا بإستراتيجية الرعب الشامل التي تكمل إستراتيجيتي الفوضى الهدامة والفوضى الخلاقة
كلما حاول الليبيون الاقتراب من بعضهم البعض إلا ودخلت أطراف دولية على الخط لتغذية الاحتقان الاجتماعي والسياسي والأمني في البلاد ولتعطيل العملية السياسية والعودة بالفرقاء الليبيين خطوات إلى الوراء.
ماذا تريد دول الخليج من ليبيا؟ لماذا اختارت هذا البلد المغاربي ساحة لتنفيذ أجنداتها المخابراتية؟ لماذا لا ترغب دول الخليج التي تملك الدولار والنفط في أن تكون جزءا من الحل بدل أن تكون جزءا من المشكل الليبي؟ لماذا تسعى مصر وقيادة مصر إلى حشر أنفها في المستنقع الليبي وهي التي لم تخرج من مأزقها بعد الانقلاب الدموي الذي قاده الجيش لإجهاض ديمقراطية الصناديق التي زلزلت الخليج؟
المغرب كباقي دول الجوار المغاربي معني بما يجري في ليبيا من تطورات داخلية خطيرة ومتسارعة وأي قرار ليبي في المرحلة الراهنة على المغرب أن يستوعبه أمنيا ومخابراتيا ودبلوماسيا بالدقة المطلوبة.
خطر داعش التي ترعاها أجهزة مخابرات غربية وخليجية كما يستشف من خلال تصريح للجنرال الأمريكي المتقاعد" ويسلي كلارك" الذي صرح لقناة "سي إن إن" الأمريكية أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت عن طريق حلفائها في الشرق الأوسط بتشجيع جماعات مثل داعش لمحاربة حزب الله في سبيل " عالم أفضل" حسب تعبيره... خطر حقيقي لا يمكن الاستهانة به أو التقليل من مخاطر تمدده على أمن واستقرار الدول التي يصلها أو يقترب منها هذا الورم السرطاني المميت.
تنظيم يستعرض عضلاته في العراق وسوريا وليبيا بأرفع السيارات ويمتلك أحدث الأسلحة، الخفيف منها والثقيل، من المستحيل ألا تقف ورائه أجهزة مخابرات دولية كبرى توفر له كل الدعم والرعاية واللوجستيك لتحقيق أهداف إستراتيجية كبرى في مناطق حيوية وإستراتيجية.
داعش تنظيم إرهابي مرتزق تنفد بواسطته إستراتيجية الرعب الشامل بأموال عربية. الغرب اشتغل علينا ثقافيا، وفكريا، واجتماعيا، وسياسيا، فاستوعب عيوبنا و حدد نقط ضعفنا، وهاهو اليوم يوظف جهلنا وثرواتنا ونزعاتنا الاستبدادية وجيناتنا المتطرفة لتحقيق أهدافه الإستراتيجية الكبرى لتجزيء المجزأ.
هناك من يصنع الإرهاب، وهناك من يرعاه، وهناك من يوفر له البيئة الحاضنة، وهناك من يستفيد منه، وهناك من يستغله لتمرير أجنداته، وهناك من يكون ضحيته، وهناك من يموله. كل طرف يجني الثمار بالطريقة التي تناسبه. الإرهاب صناعة دولية وعملة صعبة ولاعب حيوي في إطار إستراتيجية الرعب الشامل التي يمولها العرب من عائدات النفط والغاز للأسف الشديد.