جمال العبيد

واهم من مازال يعتقد أنه بسلاح المقاطعة بإمكانه تسجيل نقاط الهزيمة أو الضربة القاضية على الخصم، فخيار المقاطعة أعطى بعض النتائج الملموسة في فترات زمنية معينة ونتيجة لتظافر مجموعة من الظروف، أما في وقتنا الراهن، فالمنطق يقول إما أن نشارك في صناعة الأفعال والأحداث، إن كنا فعلا قادرين على ذلك، وإما أن نعلن عن انسحابنا بشرف ما دمنا عاجزين عن فرض شروطنا من خلال مقاطعة أنشطة وأحداث ذات الإهتمام الدولي الواسع.فأولى الشروط التي يجب توفرها في الجبهة المقاطعة توفرها على قاعدة جماهيرية بإمكانها أن تقلب موازين القوى وتضغط في اتجاه تغيير قرارات ومواقف معادية لها ولمصالحها الإستراتيجية.

فماذا حقق العرب على مدى عقود من الزمن بسلاح المقاطعة؟ وماذا حققنا بمقاطعة بضائع الدول التي أساءت إلى الرسول الكريم من خلال الرسومات الكاريكاتورية والأفلام والمقالات؟ وماذا حققنا للقضية الفلسطينية بسلاح مقاطعة إسرائيل سياسيا وإقتصاديا؟ وطبعا لا علاقة لهذا السؤال بأي تلميح إلى ضرورة التطبيع مع إسرائيل خدمة للقضية الفلسطينية، ولكن هو سؤال يصرح بشكل واضح أن من راهنوا على سلاح المقاطعة لهزم إسرائيل سياسيا كانوا واهمون وأساؤوا للقضية الفلسطينية أكثر مما خدموها، وهذا موضوع آخر..
وماذا ربحت الأحزاب اليسارية في أكثر من بلد عربي من مقاطعة الإنتخابات، سواء كانت رئاسية أو تشريعية أو جماعية؟ لاشيء تقريبا، وما أكثر المعطيات على أرض الواقع التي تؤكد هذا الإستنتاج.

فهل سمعتم بسقوط رئيس أو حكومة عربية نتيجة قرار أحزاب اليسار "الراديكالي" مقاطعة الإنتخابات؟ الجواب طبعا لا، وبعض الرؤساء والحكومات العربية كانوا سيظلون جاثمين على أنفاس الشعوب العربية إلى يومنا هذا لولا "الربيع العربي" الذي أسفرت عواصفه الأولى عن سقوط رؤساء حولوا الأوطان إلى ملكيات خاصة لهم ولأبنائهم والمقربين منهم، قبل أن يتم التدخل لتغيير عواصفه المتبقية لخدمة مصالح الدول المستأسدة على خارطة العالم.
عادت بي الذاكرة إلى كل هذه الأحداث والوقائع وأنا أقرأ خبر قرار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مقاطعة فعاليات المنتدى العالمي لحقوق الإنسان الذي سينظم بالمغرب أواخر الشهر الجاري.

فكيف غابت النظرة البراغماتية عن جمعية لها رصيد حقوقي ثقيل وطنيا ودوليا إلى درجة الإعلان عن عدم المشاركة في حدث حقوقي يحظى بمتابعة إعلامية دولية واسعة؟ فمهما كانت أسباب المقاطعة، فالأجدر كان أن تشارك الجمعية في المنتدى للدفاع عن مواقفها بالأرقام والمعطيات فيما يخص الوضع الحقوقي المتأزم في المغرب، بالرغم من وجود روايات رسمية تقول العكس، ولكي تصرخ بأعلى صوتها عن ما معنى أن تتعرض للتضييق والمنع في بلد المنتدى العالمي لحقوق الإنسان.

للأسف الجمعية ضربت بكل هذا عرض الحائط وقررت أن تغيب نفسها عن المنتدى تحت مبررات واهية تعود إلى زمن غابر، تاركة المجال شاسعا إلى أطراف تتقن جيدا لعبة تبييض وتلميع الوجه الحقوقي المغربي