القصة الأولى، في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي، أصدرت محكمة بالجنوب الشرقي في المغرب حكما على مدير مؤسسة تعليمية يقضي بتغريمه أربعة آلاف درهم مغربي (نحو 400 يورو)، والتهمة هي إصدار مطبوع بدون ترخيص. ويتعلق الأمر بمجلة تربوية داخلية من تلك الدوريات التي تصدرها المؤسسات التعليمية في المغرب، وينشطها الإطار التعليمي تحت إشراف المؤسسة التعليمية، وإصدار مثل هذه الدوريات الداخلية لا يحتاج إلى أي ترخيص. لكن ليس لهذا السبب تم الحكم على مدير المؤسسة التعليمية، وإنما لسبب آخر، يتعلق بموضوع نشر بنفس الدورية ووصل عدد منها إلى مسؤول المؤسسة العسكرية المحاذية لنفس المدرسة.
فقد كتب أحد التلاميذ موضوعا عن معاناتهم مع جيرانهم، عندما يقذفون بقوة كرات اللعب وتسقط وراء أسوار الثكنة العسكرية التي يرفض مسؤولوها إعادة الكرات الطائشة إلى أصحابها. ويرجح أن هذا الموضوع أزعج مسؤول المؤسسة العسكرية فتحركت النيابة العامة لمقضاة مدير المؤسسة ومنع صدور المجلة التربوية.

القصة الثانية، وقفت سيدة مغربية أمام محكمة من المحاكم المتخصص في قضايا الأسرة لتطالب بالطلاق من زوجها الذي لا يريد تحمل مسؤولياته كأب للأسرة. وعندما سأل القاضي السيدة أن تصف له تصرفات زوجها التي دفعتها إلى طلب الطلاق منه، قالت: "إنه يكاد لا يفعل شيئا، فقط يريد أن يظل جالسا ويصدر الأوامر مثل ملك". وما ان نطقت السيدة بهذه الكلمة الأخيرة حتى قرر القاضي متابعتها بإهانة الملك!
القصة الثالثة، شاب خجول كان يريد أن يستهوي المعجبات على صفحته على الفيسبوك فوضع صورة أمير مغربي على بروفايل صفحته، فتم اعتقاله والحكم عليه بالسجن النافذ بتهمة انتحال صفة أمير.
هذه القصص الثلاث وغيرها كثير، مثل قصة الشاب الذي وضع علامة إعجاب على كارتون للملك محمد السادس فوجد نفسه وراء القضبان، ليست من بنات الخيال، فهي قد وقعت في المغرب في السنوات بل والشهور والأيام الأخيرة. وهي تلخص إلى حد ما هامش حرية الرأي والتعبير في البلاد، وتوضح بجلاء وجود ما يسميه الإعلام في المغرب بـ "الخطوط الحمراء" التي يحظر تجاوزها. والتي تبدأ بالملك مرورا بالمؤسسة العسكرية ولا يعرف أين تنتهي.
ففي تقريرها السنوي، رصدت "الحرية الآن"، وهي جمعية فتية مغربية أنشئت قبل عام، تٌعنى بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير والصحافة ومازالت السلطة المغربية ترفض الترخيص لأنشطتها، عدة محظورات تشكل "خطوطا حمراء" قد تؤدي بمن يجرؤ على تجاوزها إلى الزج به وراء القضبان. وتتعلق هذه المحظورات، حسب نفس التقرير، بالملك والأسرة والمؤسسة الملكيتين، والدين، والمؤسسات العسكرية والأمنية، والفساد داخل المؤسسات الحساسة والاستراتيجية، وقضية الصحراء، وانتهاكات حقوق الإنسان خاصة التعذيب والاختطاف القسري..
لقد أدت الاحتجاجات الشعبية التي عرفها المغرب بتأثير من رياح "الربيع العربي" إلى توسيع هامش الحريات في المغرب، لكن بعد أربع سنوات على تلك الاحتجاجات عادت السلطة لتتحكم من جديد في مجال الحريات وشرعنة قمعها من خلال تقنينه. وتوجد اليوم في المغرب الكثير من مشاريع القوانين التي تقدمت بها الحكومة لإعادة تنظيم مجالات حرية الصحافة، وحرية التعبير، وحرية التنظيم، والحق في الوصول إلى المعلومة، والحريات الفردية.. والهاجس العام الذي يغلب على كل هذه المشاريع هو هاجس الضبط والتقييد والتحكم.
فالمغرب ليس دولة ديكتاتورية لكنه في نفس الوقت ليس دولة ديمقراطية، والسلطة فيه تلعب بذكاء على هذا النوع من اللبس الذي يزاوج ما بين الكثير من نوايا الإصلاح المعبر عنها في الخطاب الرسمي خاصة الشق الموجه منه إلى الاستهلاك الخارجي، وسيطرة الهاجس الأمني على أرض الواقع. وهو ما ترجمته متابعات الصحافيين، واعتقال الناشطين، والتضييق على الحريات، ومنع التظاهرات، وحظر الأنشطة، والحرمان من الحق في التنظيم، وكلها إكراهات طبعت بقوة السنة الماضية والربع الأول من السنة الجارية. وهو ما يجعل حالة الحريات في المغرب تتراوح ما بين مقيدة أو محروسة أو موجودة لكن مع وقف التنفيذ.