يحيى بن الوليد

لا أخفي أنني تلقيت، على مدار الموسم الثقافي الجاري، ما لا يقل عن عشر دعوات من أجل المشاركة في ندوات أغلبها ندوات أدبية. وهو ما لم أعد، وعلى تواضعي، مستعدا للإسهام فيه لاعتبارات عدة، وثقافية في عمقها. وقد اعتذرت، ومثلما تهربت في أحيان، من المشاركة فيها. هذا وإن كانت لي رغبة قوية في المساهمة في المهرجان الشعري الدولي (الأخير) بآسفي والذي تفضل الصديق المبدع عبد الحق ميفراني بتوجيه دعوة المشاركة فيه. وكانت ستكون مناسبة لإعداد دراسة ثقافية موسـَّعة بخصوص الشعر المغربي، ولاسيما من ناحية قياس "امتلائه الثقافي الإنساني" و"إهابه الجمالي الانشقاقي". فما أحوج هذا الشعر إلى "قراءة" مغايرة لتك القراءة التي تنطبق على أي شاعر ودون أن تنطبق عليه في الوقت ذاته... وعلى ما في العبارة من تناقض ظاهري هو تناقض العمل النقدي ذاته. وألم يتصوّر المفكر أدونيس أن المشكل الأعمق، وسواء بالنسبة للشعر أو الثقافة بعامة، وفي عالما العربي طبعا، هو مشكل القراءة. والقراءة، هنا، بمعناها الفلسفي الاصطلاحي المعاصر، تعيينا. كانت الندوة مناسبة للاشتغال على هذا الموضوع؛ غير أن الخوف من عدم الالتزام، والخوف من عدم الظهور في المستوى المنشود، جعلني أعتذر.

والغاية مما سبق هي الندوة، التي ابتهجت لها من أوّل سماعها، والتي ينوي أصدقاء لنا، في مدينة القصر الكبير، تنظيمها في منتصف الشهر القادم بالكلية متعددة الاختصاصات بمدينة العرائش. وستتمحور الندوة حول موضوع يندرج ضمن محور ما يعبر عنه بـ"المغرب المنسي". وتحديدا ستتمحور، وفي سياق مهرجان موسـّع، حول فرقة "جهجوكة" الموسيقية. والفرقة نسبة لقرية بنواحي مدينة القصر الكبير.

وتصنف موسيقى جهجوكة ضمن "فن العيطة" بصفة عامة و"فن العيطة الجبلية" بخاصة. وهو موضوع عادة ما لا نوليه أهمية معرفية مع أنه يقع في صميم التراث المغربي في استجابته لـ "المغرب الثقافي" في مفترق طرقه وفي تغاير جغرافياته. موضوع يندج ضمن "المسكوت عن المسكوت عنه" كما كتبنا عنه في مناسبة سابقة. وللمناسبة لقد سبق لنا أن شاركنا، بخصوص الموضوع نفسه، ثلاث مرات بمدينة طنجة في إطار من "مهرجان العيطة الجبلية" الذي كان يشرف عليه، سنويا، المسرحي مكروم الطالبي تغمده الله بواسع رحمته.

وللأسف لا تزال المكتبة المغربية تخلو من دراسات مستقلة بخصوص هذه الفرقة، والمؤسف جدا أن الفرقة تكاد تنعدم المعرفة بها داخل المغرب بحثا وسماعا. وقد أنجزت حولها كتابات أنجليزية محمكة ومن منظور "ثقافي إثني" أو من منظور "علم موسيقى الشعوب" (Ethnomusicologie). هذا عدا المقالات، وبالفرنسية أيضا، في كتب الرحلات والانطباعات والمقالات... التي تندرج ضمن محور "المغرب في نظرات الآخر".

ونأمل أن نشارك في هذه الندوة، وخصوصا بجوار الصديق الشاعر والأكاديمي حسن نجمي صاحب الأطروحة غير المسبوقة حول "فن العيطة بالمغرب". أطروحة لم تحاور وتناقش بالمغرب وبالحجم الذي يليق بحجمها المعرفي والثقافي. ودونما تغافل عن المؤرخ الباحث المهتم بمدينة القصر الكبير محمد أخريف الذي سنكون بجواره.

ما أحوجنا إلى مثل هذه الندوات التي تمسّ الذات مثلما تدعو إلى التفكير في مستقبلها وكل ذلك في إطار من التراث الذي يوجد أمامنا وليس خلفنا؟