علي أنوزلا

تستضيف مدينة مراكش المغربية، في نوفمبر المقبل، الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان. وترى الدولة المغربية، في استضافة، هذا الحدث الدولي اعترافاً دوليّاً بما حققته في مجال النهوض بحقوق الإنسان، وخصوصاً على مستوى التعديلات الدستورية التي عرفها المغرب عام 2011. حيث أفرد الدستور الحالي للمغرب باباً خاصاً بـ"الحريات والحقوق الأساسية"، من 21 فصلاً تخص جميع الحريات، من العامة إلى الخاصة والفردية، عدا الفصول الأخرى المتضمنة في باقي أبواب الدستور. كما توجد في المغرب هيئات رسمية عديدة تعمل في مجال حقوق الإنسان، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، والمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، وهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز. وكلها وجدت بهدف الدفاع عن المقاربة الرسمية في مجال حقوق الإنسان ولترويج صورة المغرب الحقوقية في الخارج.

وعلى المستوى الرسمي، تعمل السلطة في المغرب على أن تجعل من هذا المنتدى منصة عالمية للحديث عن "النموذج المغربي" في مجال حقوق الإنسان، ولتسويق صورة عن حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي في المغرب، مقارنة مع بؤر التوتر المشتعلة في أكثر من منطقة.

وقد حاول المغرب في العقدين الماضيين تلميع صورته في مجال حقوق الإنسان، عندما أسس "هيئة الإنصاف والمصالحة"، لتصفية إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، والتي توصف في المغرب بـ"سنوات الجمر والرصاص". وعملت الدولة، خلال العقدين الماضيين على سن قوانين الحد من الانتهاكات مستقبلاً، وأخرى لتجريم التعذيب، أو لتوسيع هامش الحريات العامة، وخصوصاً حرية الرأي والتعبير والتظاهر.

ومن أجل ربح رهان تنظيم الملتقى الدولي، سعت السلطة إلى تعبئة هيئات عديدة في المجتمع المدني المغربي، لتوحيد خطابها عن حقوق الإنسان في المغرب، أمام الحضور الكثيف المنتظر من جميع أنحاء العالم، وتم تعيين شخصية محسوبة على القصر الملكي، هو أحمد أخشيشن، عضو المكتب السياسي للحزب الذي أسسه فؤاد عالي الهمة، مستشار وصديق الملك محمد السادس، ليرأس لجنة الإعداد والتنسيق للحدث، ووضعت رهن إشارته ميزانية ضخمة، أكثر من 12 مليون يورو.

لكن، على مستوى الواقع والتطبيق، تبرز تحديات عدة أمام نجاح هذا الملتقى، تتمثل في الخروق التي ما زالت السلطات المغربية تقدم عليها في مجال حقوق الإنسان، كان جديدها التضييق والقمع والمنع الذي تعرضت له أنشطة ثقافية وحقوقية عديدة، كانت تعتزم تنظيمها منظمات من المجتمع المدني، تعنى بالدفاع وحماية حقوق الإنسان، بل وطال المنع حتى أنشطة منظمة العفو الدولية "أمنستي"، كانت تنوي تنظيمها في المغرب. كما رفضت السلطات، أخيراً، الترخيص لهيئات حزبية ومدنية ونقابية، لها خطابات سياسية مختلفة عن التي يتم ترويجها رسميّاً."

وعلى الطرف الآخر، تسعى هيئات حقوقية عديدة، مغربية ودولية، مناهضة لسياسة الدولة المغربية في مجال الحقوق والحريات، إلى تحويل المنتدى إلى منصةٍ، للترافع عن رؤيتها ومقاربتها لوضعية حقوق الإنسان في المغرب. فقد أعلنت الهيئة الحقوقية لجماعة "العدل والإحسان"، وهي أكبر جماعة إسلامية مغربية عن مقاطعتها الملتقى، احتجاجاً على ما تصفه بتردي الوضع الحقوقي في المغرب، وتحسباً لإمكانية حضور محسوبين على الكيان الصهيوني أشغاله. أما "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، وهي أكبر هيئة حقوقية مغربية تحظى بمصداقية دولية في مجال الدفاع عن الحقوق والحريات في المغرب، فما زالت تتحفظ على مشاركتها في المنتدى، وتساندها في موقفها هيئات حقوقية ذات مصداقية، مثل "العصبة المغربية لحقوق الإنسان"، احتجاجاً على ما تصفه بـ"الهجوم الممنهج" للسلطة على المنظمات الحقوقية وناشطي حقوق الإنسان في المغرب.

لقد باتت حقوق الإنسان محوراً في السياسة والعلاقات الدولية، واحترامها أصبح شرطاً لمنح القروض والتمويلات، خصوصاً من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وفي حالة المغرب، أصبح ملف حقوق الإنسان ورقة حاضرة بقوة في قضية النزاع في الصحراء الغربية، يسعى كل طرف أن يحقق من ورائها مكاسب سياسية وإعلامية، حيث تتهم جبهة بوليساريو المغرب بعدم احترام حقوق الإنسان في "الأقاليم المتنازع عليها"، ويتهم المغرب "بوليساريو" بـ"احتجاز" اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف في الجنوب الجزائري.

لذلك، سيجد المغرب الرسمي نفسه على أبواب امتحان عسير، في أثناء انعقاد المنتدى، تخوفاً من نتائج عكسية له على الصورة التي يحاول ترويجها خارجيّاً. كما سيضع المنتدى المغرب أمام اختبار قدرته على استيعاب الأصوات المنتقدة والمعارضة داخله، خصوصاً المدافعين عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، والمدافعين عن الحقوق اللغوية والإثنية والاقتصادية والحرية الفردية وحرية المعتقد، وناشطي حرية الرأي والتعبير والحريات العامة، وحالات القمع والانتهاكات والتعذيب والموت عند الشرطة، وداخل السجون.

لكن، أكبر تحدٍ ورهان سيواجه السلطة في المغرب، في أثناء تنظيم المنتدى، هو فرض احترام الخصوصيات الثقافية والدينية في مجال حقوق الإنسان، بعيداً عمّا تنص عليه المرجعيات والمعايير الكونية في المجال نفسه، وهي الرؤية التي يقوم عليها "الاستثناء المغربي"، الذي يروجه الخطاب الرسمي للدولة المغربية.
وسيعتمد المغرب في تغليب هذه المقاربة على الشعور الذي تحس به بعض دول الجنوب الساعية إلى التحرر من المركزية الأوروبية والأميركية. لكن، إلى أي حد سيمكن لأصحاب هذه المقاربة أن يفرضوا تصورهم على ما هو كوني، في مجالٍ معاييرُه ومرجعياته، تسمو فوق كل القوانين المحلية، وتتجاوز الخصوصيات الثقافية والدينية؟