حميد هيمة

قبل بيع الأمل في التغيير الديموقراطي، في الصفقة المربحة بين الملكية ومعظم أحزاب الكتلة سنة 1998 لإسعاف المخزن من سكتته القلبية، كانت المعارضة، بامتدادها الاجتماعي وأفقها السياسي، تشكل قوة "مادية" مؤثرة في المعادلات السياسية وفي دينامية الحركة الاجتماعية المنبعثة من قلب الشعب المغربي.

كانت المعارضة هي أمل المغاربة في التحرر، فلم تأل جهدا لتجريب كل الخيارات لتحقيق مشروعها؛ من الثورة إلى الكفاح المسلح فاستراتيجية النضال الديموقراطي إلى النضال الديموقراطي الجماهيري، ظلت المعارضة، وعلى الأرجح قسم مهم منها، متمسكة بحلم ضرورة تجاوز قيود الملكية المطلقة كعتبة ملزمة للانتقال من الاستبداد إلى الديموقراطية.

كانت المعارضة، في ذلك الزمن الهارب، برموزها وطقوسها، بخطابها وإعلامها، بقادتها وقواعدها. كان للمعارضة ملاحقها الثقافية، ورموزها العلمية، ومتنها المعرفي...الخ.

كانت المعارضة، كنسيج يعبر عن المجتمع، ذات عمق وطني، وقناعات ديموقراطية، والتزام تقدمي كخيارات لمواجهة التأخر التاريخي ولمناهضة الاستبداد السلطوي.

كانت المعارضة، وهي تمتلك الوعي النهضوي، القدرة على النقد الذاتي لتقييم أخطائها القاتلة، بتعبير أحد رموزها، الشهيد المهدي بنبركة، لتقدير سوء اختيار أنصاف الحلول ولإدراك المخاطر المحدقة بمعركة الديمقراطية بمعزل عن الجماهير في انسجام واضح مع الهوية الإيديولوجية لحركة التحرير الناهضة.

كانت نخبة المعارضة منشغلة بـ "مفهوم العقل" وبـ"العقل الأخلاقي"، كان صوتها- النخبة- مسموعا في مدرجات الجامعات وفي مقالات المجلات واليوميات.

كان للمعارضة صوتها في برلمان السلطة، لم يتردد – صوت المعارضة- يوما في إعلان موقفه من القضايا المصيرية للأمة بدلالتها القومية.

في لحظة الانعطاف، في منتصف السبعينيات، لم تتنصل المعارضة الديموقراطية من التزامها في التأكيد على "بناء مجتمع اشتراكي أساسه الملكية الجماعية لوسائل الغنتاج والتبادل من اجل استلاب الفرد، واستلاب الكيان الوطني".

ويختم التقرير الإيديولوجي، في نص البيان الذي أصدره مؤتمر الاتحاد، بالدعوة إلى "النضال الجماهيري لمجابهة جميع أصناف التضليل والتزييف".
للأسف، فإعراب "كانت" ليس إلا فعل ماض ناقص وتاء التأنيث الساكنة لا محل لها من الإعراب .
هكذا اندحرت المعارضة إلى : لا محل لها من الإعراب!
كانت المعارضة في زمن ولّى، أما اليوم فهي تائهة في الحاضر إلا من حضور في صناعة التضليل والتزييف.

هكذا، اليوم، انتهت المعارضة إلى قيادات غير قادرة على تحمل ثقل أجسامها من شر الشحوم التي تلفها فبالأحرى أن تقدر على تحمل ثقل انتظارات القوات الشعبية!

معارضة تتتقاسم قيادة المسيرات مع الحمير للاستعاضة بها عن الجماهير الشعبية، ربما كتعبير شفاف عن تموقعها الجديد او كدلالة على رمزية الوفاء لانتمائها الحيواني مادام الإنسان حيوان أليف!

تتراقص أجساد معارضوا اليوم بين الرقص على أرواح تضحيات الموتى، وبين الرقص على إيقاعا موسيقى السلطوية.

إنها، اليوم، معارضة لا مادية، إذا كان هذا التعبير يسعف في الدلالة على موتها الرمزي كمعارضة "كانت" منبعثة من ألام الشعب ومعاناته!
الرحمة للموتى، وللشعب أمل يأتي ويذهب، ولكن لن يُودعه حتى تبادر بعض الأطياف لإشعال شموع الأمل في ولادة معارضة جلالة الشعب !