أراد بنكيران أن يظهر للمغاربة أنه تعلم الدروس واستفاد من تجربة السنوات الأربعة التي قضاها على رأس الحكومة، وذلك عندما حاول أن يبدو متحفظا في كلامه خلال استضافته قبل عدة أيام في برنامج تلفزيوني على قناة ميدي1. لكن قانون " الطبع يغلب التطبع" كان أقوى من هدوء رئيس الحكومة ولغته الديبلوماسية التي أظهرها في بداية الحوار، حيث أبان مع توالي الأسئلة وتعدد محاور النقاش عن مواهبه وعاد إلى عاداته المفضلة في الهجوم وتوزيع الإتهامات هنا وهناك في خطاب بكائي حاول من خلاله أن يظهر نفسه للرأي العام كرجل محارب من أعداء الإصلاح.

رئيس الحكومة عاد من جديد إلى خطاب المظلومية، وبالرغم من أنه تجنب استخدام قاموس " كليلة ودمنة " الشهير الذي ظل يردده طيلة فترة طويلة منذ توليه المسؤولية بعد انتخابات 25 نونبر 2011، فإنه هاجم بعنف ما سماه ب"التحكم" الذي يفرضه حزب الأصالة والمعاصرة على المشهد السياسي في المغرب، وذلك استنادا إلى نتائج المسلسل الإنتخابي الذي عرفته بلادنا خلال الأسابيع الأخيرة... ومع أن مفهوم "التحكم" ليس جديدا في القاموس السياسي المغربي، وهو متداول بكثافة في الخطاب السياسي اليساري بالخصوص، فإن ربطه بحزب سياسي معين بالشكل الذي يسوق له بنكيران، يبدو تعبيرا عن عجز واضح في تسمية الأمور بمسمياتها، لأن جذور التحكم أعمق وأقوى من أي حزب سياسي في المشهد المغربي. وواضح أن بنكيران لا يمتلك الجرأة الكافية لتوضيح الأمر وشرحه للمغاربة، ربما لأنه " مجرد رئيس حكومة". ثم إن السيد بنكيران الذي يندد بالتحكم ويحذر من نفوذه، إنما يسعى إلى فرض تحكم من نوع آخر بأدوات ومبررات جديدة. وهو ما يتجلى بوضوح في خطابه الذي لا يميز بين الدعوي والسياسي.

السيد بنكيران حضر إلى البرنامج التلفزيوني بصفته رئيسا للحكومة، وكان حريا به أن يعبر عن مسؤوليته هذه من خلال إجاباته عن الأسئلة الموجهة إليه، لكنه فشل في هذا الإمتحان فشلا ذريعا عندما أعلن عن موقفه من النقاش الدائر حول المساواة في الإرث... كما فشل أيضا بعد ذلك عندما حضر إلى طنجة على خلفيةالإحتجاجات التي تعرفها المدينة بسبب فواتير الماء والكهرباء، وذلك بوصفه لما يجري هناك بالفتنة...

في البرنامج المذكور شن رئيس الحكومة هجوما عنيفا على المجلس الوطني لحقوق الإنسان على خلفية توصيته بإقرار "المناصفة بين الرجل والمرأة في الإرث". ولم ينتبه السيد بنكيران أن موقعه في المسؤولية الحكومية يحتم عليه أن يتحدث كسياسي وليس كفقيه في الدين. وهذا لا يعني أنه لا يملك الحق في إبداء رأيه في الموضوع، لكن المقام لا يسمح له بالحديث بتلك الطريقة التي تتبعها المشاهدون. فعندما يطالب رئيس الحكومة من مؤسسة دستورية بالإعتذار بسبب توصية لم تتخذ طابع الرسمية، ولا تعدو أن تكون مجرد موقف استشاري يمليه الإلتزام الحقوقي الذي ينظم عمل هذا المجلس، فإن ذلك يعني بلغة السياسيين تدخلا في اختصاصات مؤسسة أخرى وفق المقتضيات الديموقراطية القائمة في العمق على الفصل بين السلط. ذلك أن هذا الموقف الذي عبر عنه بنكيران هو دعوة صريحة لوقف النقاش في الموضوع باستغلال الحساسية الدينية التي تثيرها قضية الإرث. والحال أن ملف المناصفة يحتاج إلى نقاش مجتمعي واسع يتحاور فيه السياسي والديني والحقوقي بكل مسؤولية وعقلانية، لا إلى ارتفاعالأصوات من أجل إجهاض مثل هذا النقاش في المهد تحت يافطة " لا اجتهاد مع ورود النص". لذلك فإن مرافعة بنكيران الفقهية في البرنامج مع كل حمولتها التحريضية تثبت أنه، وهو الباكي والشاكي من نفوذ " التحكم"، يسعى إلى فرض تحكمه الخاص عبر الإتجار في الدين ودغدغة الشعور الروحي للمغاربة، حين يقدم نفسه مدافعا عن قيمهم الدينية ضد القوى"التحديثية" التي تسعى إلى طمس هويتهم. وليس خفيا مدى التأثير الذي يلعبه هذا النوع من المظلومية التي تتوشح بالدين على الأفراد والجماعات.

أما في النقطة الثانية المرتبطة بالإحتجاجات العارمة التي عرفتها طنجة خلال الأسبوعين الأخيرين بسبب غلاء فواتير الماء والكهرباء، بدا أن بنكيران يختزل المشكلة برمتها في صراع حزبه مع البام، ما دامت قراءته الخاصة لتلك الإحتجاجات تعبر عن قلقه من التشويش على تجربة حزبه في تسلم مهام تسيير المدينة بعد انتخابات 4 شتنبر. وفي رحلته إلى طنجة التي كان من المفترض أن يقدم فيها للمواطنين المكتوين بلهيب الفواتير ضمانات ملموسة وإجراءات من أجل التعاطي مع هذا الموضوع، ذهب بنكيران إلى وصف احتجاجات " الطنجاويين" بالفتنة. وهو مفهوم لا يليق استخدامه لتوصيف ما جرى في المدينة. لأن كلمة " الفتنة" هنا تحمل إساءة لكل المواطنين البسطاء الذين لم يخرجوا إلى الشارع بدافع سياسي، بل خرجوا بسبب غلاء الفواتير التي لا طاقة لهم بها.وإذا كان رئيس الحكومة ينكر على خصومه أن يعبروا عن التضامن مع المحتجين، وذلك بدعوى أن من يتحمل مسؤولية الشأن المحلي مطالب بالبحث عن الحلول للمشاكل المطروحة، وليس مطالبا بالتضامن مع المتضررين، فإنه كان حريا به أن يلزم نفسه أولا بهذه القاعدة ( مع فارق أن السيد بنكيران لم يتضامن مع المحتجين بل هاجمهم واتهمهم بإثارة الفتنة)، لأن موقعه في الحكومة يفرض عليه البحث عن السبل الكفيلة بتهدئة الأوضاع عبر تدابير حقيقية دفاعا عن المواطن المغلوب على أمره، لا أن يؤجج تلك الأوضاع أكثر بسبب حسابات سياسية ضيقة.

هل تغير السيد بنكيران حقا؟. مشكلة رئيس الحكومة تكمن في أنه يعيش على هاجسالإنتخابات في كل خرجاته الإعلامية. فهو يفتخر بثقة المغاربة في حزبه، ويعتبر انتخابات 4 شتنبر تفويضا له بمواصلة سياساته التي يدعي أنها إصلاحية، لكنه لا يستطيع أن يفي بالتزاماتهوببرنامجه السياسي والإقتصادي، وعندما لا يجد تفسيرا مقنعا لفشله على هذا المستوى يوزع الإتهامات على قوى الممانعة التي تعرقل مشاريعه الإصلاحية المزعومة. والحال أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق عبر الصراخ والبكائية والمظلومية، ولا عبر استجداء أصوات الناخبين، بل يقتضي إرادة سياسية صادقة وبناء مؤسسات ديموقراطية حقيقية تحفظ للمواطن كل معاني العدالة والكرامة والحرية والعيش الكريم.