إذا أحسنا الظن في الخطاب الأخير للملك، يمكن الشك في أن الملك تغيب عنه معطيات كثيرة  داخل هذه البلاد السعيدة.

في الدار البيضاء، حُكم على مواطن بخمس سنوات سجنا نافذا، ليكتشف لاحقا أن الحكم بُني على أساس محضرين؛ أحدهما "مزور" وآخر "أصلي". وكان أول من أثار هذا الموضوع، هو رئيس "الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب"(محمد طارق السباعي) في حواره مع موقع "بديل". ورغم ما أثارته هذه القضية من جدل وصدمة وسط قسم واسع من المغاربة ـ بحكم خطورتها الشديدة ـ ورغم إثارتنا لهذا الملف أمام هيئة حكم، وأمام وكيل ملك ! وبحضور مواطنين ومحامين، اكتفى القاضي بطلب عدم "ذكر الأسماء" "وقل ما تشاء" !

وفي سجن طنجة، يقبع مواطن بعد إدانته بثلاث سنوات سجنا نافذا، بعد أن بُني الحكم على شهادة ثلاثة شهود، يقول القضاء إن شهادتهم جاءت دقيقة ومفصلة، لكن شاهدين نفيا لاحقا في محضر رسمي للشرطة أن يكونا قد أدليا بأي شهادة ضد هذا المواطن، فيما شهادة الشاهد الثالث جاءت كلها متناقضة ولا علاقة لها بما صرح به المعني في لحظة البحث التمهيدي، والتحقيق الإعدادي.

أثرنا هذه القضية هنا على صفحات هذا الموقع لعشرات المرات، كما أثرناها في محكمة مكناس أمام قاضي وكاتب ضبط ومحامين ومواطنين، بل وأمام وكيل ملك ـ يا حسرة ـ ماذا كانت النتيجة، اكتفى القاضي بطلب عدم "ذكر الأسماء" "وقل ما تشاء" !

أمام نفس هيئة الحكم وصفنا منتخبين بـ"الشفارة" وأكدنا للقاضي أنه لدينا ما يكفي من الأدلة القاطعة على صحة اتهاماتنا، ومرة أخرى اكتفى بطلب عدم ذكر الأسماء "وقل ما تشاء" !
عندما تعيش هذه الوقائع وتبلغ عن جرائم أمام وكيل ملك وفي صفحات الموقع ضد قضاة وضد منتخبين، ولا يتحرك أحد في البلد،

في وقت يقبع فيه شباب في السجون بسبب تدخينهم لـ"جوان" فيما أباطرة المخدرات، يشترون حريتهم من قيادات حزب "البام"، بحسب حميد شباط الأمين العام لحزب "الإستقلال"، دون أن يفصل قاضي في هذا الاتهام الخطير جدا، بل والأخطر والأفظع والمبكي حد الضحك وربما الجنون، أن رئيس الحكومة الذي انتخبه المغاربة من أجل تطبيق القانون، يطلب من شباط أن يعتذر إذا كان يكذب أو من إلياس العماري، أن يوضح اتهامات شباط، إذا صدق الأخير، بالله عليكم، أي مسؤولية بقيت للمواطن، بعد هذا العبث، في عدم مشاركته في الانتخابات؟

وحين ترى 51 استفسارا لوزارة الداخلية على مكتب رئيس جماعة، كلها تتهمه بالتزوير واختلاس الملايير، بحسب "مكتب مصاحبة" دون أن يقوى هذا الرئيس على الرد على هذه الاستفسارات، وتنظم التظاهرات والندوات الصحافية وتعلن فضائح هذا المسؤول أمام الرأي العام، بل ويصل الأمر حدود مراسلة مغاربة لرئيس أمريكا ورئيس فرنسا وغيرهم من رؤساء العالم، بشأن هذا المسؤول، بعد أن خاب أملهم في الديوان الملكي الذي راسلوه أكثر من مرة، وفي الأخير تجد هذا المسؤول يحاول توريث الحكم لأخيه دون أن يطاله أي حساب أو عقاب، فأي مسؤولية بقيت للمواطن في عدم مشاركته في الانتخابات.

وعندما تجد الحكومة المنتخبة في المغرب، تبكي ألما، كأي طفل صغير أو مواطن عادي بسيط، على اقتحام العُري بيوت المواطنين، عن طريق "القناة الثانية"، خلال مهرجان "موازين"، وتجد رئيسها "يُهرْنِن" أينما حل وارتحل بسبب مضايقته من طرف موظفة في القناة الثانية، وتجده يشتكي من منع مرؤوسه، وزير الداخلية لشبيبة حزبه من تنظيم نشاط حزبي في طنجة بالله عليكم، أي مسؤولية بقيت للمواطن، بعد كل هذا العبث، في عدم مشاركته في الانتخابات؟

وحين يقوم رئيس مجلس بلدي مَقام مُمثل الملك، ويهدم مشاريع المواطنين، متحديا اختصاصات عامل عمالة طنجة أصيلا. وتوجه له تهمة إدخال أبرياء إلى الحبس دون أن ينفي هذه التهمة، ولا نيابة عامة تحقق فيها. وضدا على مقتضيات الميثاق الجماعي يعقد هذا الرئيس بيوعات مع أقربائه، بل والأخطر يشتري عقارا دون تصفيته، ويكبد الساكنة، خسارة بالملايير، ولا يُعزل من طرف وزير الداخلية، ولا نيابة عامة تحقق معه في عشرات التقارير والتصريحات التي تتهمه بتبديد الملايير وسجن الأبرياء، فأي مسؤولية بقيت للمواطن في عدم مشاركته في الانتخابات؟

وأن يكون هناك مرشح فاسد شيء مفهوم، وربما طبيعي بحكم الطبيعة البشرية، وهو أمر موجود حتى في أعرق الدول الديمقراطية، لكن ما ليس مفهوما وغريبا ومثيرا للحيرة والدوخة هو أن تتستر السلطة على فساده، بل وتزكيه مرة أخرى للانتخابات وهي تعلم خطورته على المال العام وحياة المواطنين. وأن يكون هناك مواطن يتملق للمرشحين أو يسيء اختيار ممثليه أمر طبيعي بالنظر للظروف الثقافية والإجتماعية السياسية والاقتصادية التي يحيا بداخلها هذا المواطن، ما ليس طبيعيا هو أن تتنكر تلك السلطة لمسؤوليتها في صناعة تلك الظروف الثقافية والإجتماعية السياسية والاقتصادية التي يحيا بداخلها هذا المواطن.

أصل المشكل في المغرب، ليس في المواطن ولا في المرشح، وإن كانا مسؤولين فمسؤوليتهما محدودة، ولها ما يبررها، المشكل في المغرب في من يحكم ولا يطبق القانون، ومن بيده السلطة الفعلية ويتلكأ في تفعيلها أو ممارسة الانتقاء بواسطتها.

المشكل بشكل واضح وصريح يتقاسمه طرفان، الأول تمثله نخبة رسمية وغير رسمية تسترزق بآلام المواطنين عبر تظليل حقيقة الصراع وإذكاء وعي مزيف وسط الرأي العام، قِوامُه أن المشكل يوجد فقط في سلوك الفاعل الحكومي والحزبي، متحاشيا تماما أي مواجهة مع السلطة، المالكة لزمام الأمور، وطرف ثاني، هو سلطة الوصاية الممثلة في القائد والباشا والعامل والوالي والوزير ورئيس الحكومة و ومستشاري الملك. دون أن نغفل مسؤولية الوكيل العام ووكيل الملك،  فهؤلاء هم من بيدهم "الحل والعقد". فلو ضربوا بيد من حديد على يد المرشحين المفسدين، بعزل من يستحق العزل، وسجن من يستحق السجن، كل من موقع اختصاصاته، وأفسحوا الطريق للشرفاء والنزهاء للوصول إلى مواقع المسؤولية، مع تمكينهم من صلاحيات حقيقية ضمن دستور ديمقراطي يعطي سلط حقيقية للمؤسسات المنتخبة، لما كانت هناك فواجع، مثل ما وقع لـ"أطفال طانطان" و"عمارة بوركون" وحوادث "تيشكا"..وغيرها من الفواجع، التي تدمي القلوب..

المشكل الأكبر اليوم أن يدعو الملك المواطنين لأمر بديهي، كالتصويت في الانتخابات، أو اختيار المرشحين النزهاء، بديهي بالنظر للتاريخ وتحديات الوطن الداخلية والخارجية !