حميد المهدوي ـ لنفترض أن القضاء المغربي أدان الدركي، الذي سب مواطنة و"الذات الإلهية"، هل أنهينا المشكلة؟

سنة 2012، نشر عسكري شريط فيديو على موقع "يوتوب" يتهم فيه دركي بـ"التبول" عليه داخل ثكنة عسكرية بالقنيطرة، بعد أن اُتُّهِم "ظلما وعدوانا"، بحسبه، بـ"سرقة" أغراض منزلية من مسكن يوجد داخل الثكنة. وسنة 2013، قتل شرطي ثلاثة من زملائه بمسدسه الوظيفي داخل مفوضية "مشرع بلقيصري". وخلال سنة 2014 حلق قائد مقاطعة رأس مواطن قبل انتحار الأخير.  وسنة 2014، قال الوزير محمد الوفا لبرلماني داخل مؤسسة دستورية "سير تقو..." قبل أن يظهر أمين عام حزب "الاستقلال" حميد شباط يتبادل اللكمات مع عبد العزيز اللبار عن حزب "الأصالة والمعاصرة" قبل طرده لاحقا منه. ماذا يعني كل هذا؟

هذا يعني أن العنف لم يعد مقتصرا على المجتمع من خلال أخبار "اغتصاب الأصول" و"الذبح من الوريد إلى الوريد"، بل اخترق كل بنيات الدولة والمجتمع. الحل:

أولا، يجب إعادة النظر في ظروف تكوين رجال الدرك، فالمشاع بين المواطنين أن العنف يسكن جهاز الدرك أكثر من أي جهاز عسكري أو أمني آخر، والسبب بحسب ما استقيناه من معلومات يرجع من جهة لفترة التدريب القاسية التي يتلقاها رجال الدرك وطول مدتها مقارنة مع فترة تدريب رجال الشرطة مثلا، ومن جهة أخرى إلى المستوى التعليمي، فمعظم رجال الدرك، لم ينهوا دراساتهم الجامعية، ويلتحقون بسلك الدرك في وقت مبكر، عِلاوة على طبيعة فضاء اشتغالهم، وهو في الغالب فضاء العالم القروي، الذي لا يرى كثير من رجال الدرك في ساكنته سوى أناس أميون تستوجب عملية ضبطهم، قمعهم ونهرهم، فتصبح هذه السلوكيات هي القاعدة لدى كثير منهم، هذا دون أن ننكر وجود رجال درك محترمين، وهم كثيرون؛

ثانيا، يجب إخضاع رجال السلطة جميعا وبينهم رجال الدرك إلى تربية حقوقية، وأن يتخلصوا من وهم أنهم أرقى وعيا وذكاء من المدنيين، فمعظم رجال السلطة يتلقون تعاليم تقنعهم أنهم "فوق المدنيين" وأن الاخيرين مجرد عالة يعيشون من فضائلهم وتضحياتهم العسكرية والأمنية؛

ثالثا، على كثير من الدركيين أن يتخلصوا من غرورهم بكونهم "العسكري الأول في المغرب"، وإن كان واقعهم وطبيعة مهامهم توحي بذلك، فهذا الشعور الذي يلازم كثير من رجال الدرك هو الذي يساعد بعضهم على تبني العنف، وبالعودة إلى الشريط الذي سب فيه الدركي المواطنة و"الذات الإلهية" ربما سيسمع المشاهد كيف تحدث الدركي عن رجال الشرطة، محاولا إقناع الفتاة ومن معها أنهم أكثر غلظة وقسوة وصرامة من رجال "البوليس"، فمن أين جاءه هذا الشعور؟

ثالثا، يجب تحويل جميع المؤسسات إلى مؤسسات مواطنة وتخليصها من أجواء الرعب وتقبيل الأيادي والركوع ومعاملة الموظفين والمرؤوسين عموما معاملة لائقة، فمعظم من يمارسون العنف ضد المواطنين إنما يصرفون العنف الذي يتلقونه من رؤسائهم، كما أن كثيرا من هؤلاء المُعنِّفين إنما يحاولون التماهي مع شخصيات رؤسائهم المباشرين وغير المباشرين، فعبر هذا العنف تجاه المواطنين يتنكرون لمواقعهم ورتبهم العسكرية التي لا يرضون عنها؛

رابعا، يجب إعادة النظر في المناهج التربوية و التعليمية، لأن معظمها تُطَبِّع مع العنف وتزرعه في نفوس التلاميذ، وإلا كيف تأتى للمغرب أن يُصدر قرابة 2000 "داعشي" إلى العراق وسوريا، وما يفككه من خلايا إرهابية عديدة؛

خامسا، ما حدث أمر مؤسف ومؤشر على أنه بعد 15 سنة من جلوس الملك محمد السادس على العرش لا زلنا لم نلمس المفهوم الجديد للسلطة ولازلنا بعيدين كل البعد عن تنشئة جيل داخل أجهزة الدولة متشبع بثقافة حقوق الإنسان؛

سادسا، شريط فيديو الدركي يطرح إشكالية الحكامة الأمنية في المغرب، والتي تستدعي إخضاع عمل كل الأجهزة لمراقبة البرلمان والقضاء في اطار ربط المسؤولاية بالمحاسبة؛

سابعا، وأخيرا، شريط الدركي ربما فقط  حلقة صغيرة داخل سلسلة أشرطة عديدة لم يُكتب لها أن توثق وتنشر، وبالتالي فمعاقبة الدركي لن تُنهِي المشكلة، مادامت البلاد تسير بالحكم الفردي وليس حكم المؤسسات.