حميد المهدوي ـ عندما أدين القاضي محمد الهيني من طرف المجلس الأعلى للقضاء قال الهيني لموقع "بديل" إن قرار إدانته رسالة موجهة لنادي قضاة المغرب، ولحد الساعة لم يجر الإستماع إليه بسبب هذا التصريح، ولا صدر عن وزير العدل والحريات بيان ينفي فيه ما ذهب إليه الهيني، رغم أن خطورة هذا التصريح، هي أخطر بكثير مما جاء في الخاطرة التي أدين بسببها.

واليوم، تروج أخبار في الكواليس، لم يتسن لـ"بديل" التأكد من صحتها، مفادها أن ما تعرض له القاضي محمد عنبر، يوم الأربعاء 10 شتنبر، إنما رسالة جديدة للقضاة، مضمونها أنه لا هيبة لكم، وأننا نستطيع اعتقالكم متى شئنا فعودوا حيث كنتم قبل 20 فبراير من سنة 2011.

وإذا صح أن حمْل رئيس غرفة بمحكمة النقض اشتغل لمدة ثلاثين سنة في سلك القضاء، كما تُحمل الشاة المذبوحة، من طرف خمسة من رجال السلطة، هو مجرد رسالة إلى قضاة النادي تحديدا، فهي رسالة سيئة للغاية؛ لأن المس بهيبة القاضي مس بهيبة القضاء، وبالتالي مس برئيس مجلسه الأعلى وهو الملك، وحين تضيع هيبة الملك وهيبة القضاء، فسلام عليك يا وطني، لأن المغرب يسير فقط بـ"الهيبة" لا بحنكة وصرامة جهة من الجهات.

يحكي صديق عزيز لموقع "بديل"، ما نقله إليه عمر البحراوي، حين كان الاخير رئيسا لمقاطعة اليوسفية بالرباط، في تسعينات القرن الماضي، وذهب إلى مكتب وزير الداخلية الراحل ادريس البصري، طالبا توفير رجال أمن بمقاطعته، بعد أن ازدادت حدة الجريمة بها، فضحك البصري منه، قبل أن يسأله: كم عدد المغاربة؟ فلم يرد البحراوي، فقال البصري 30 مليون نسمة. ثم سأله مجددا: وكم عدد التونسيين؟ فلم يرد البحراوي، فقال البصري 3 ملايين. ثم سأل البصري: كم عدد رجال الشرطة في تونس؟ فلم يرد البحراوي، فقال البصري 34 ألف شرطي. فسأل البصري كم عدد رجال الشرطة المغاربة؟ فلم يرد البحراوي، فقال البصري 8000 شرطي. ثم سأل البصري: أي الدولتين أكثر انتشارا للجريمة المغرب أم تونس؟ لم يرد البحراوي، فقال البصري تونس أكثر إجراما رغم كثرة رجال الشرطة بها، والسبب بسيط هو أننا لا نعتمد على الشرطة بقدر ما نعتمد على هيبة الشرطة، وإذا راحت هذه الهيبة راح كل شيء، لأن الهيبة هي ما "يحكم المغرب".

طبعا، ملف القاضي عنبر أمام القضاء، ولا نملك حق التأثير عليه، كما أننا لا نعرف حقيقة ما جرى، فلحد الساعة لدينا رواية واحدة وهي رواية القاضي عنبر، بعد أن تعذر علينا الإستماع لرواية الطرف الآخر، كما هي فرصة لنؤكد على حقيقة قد تغيب على بال بعض الناس، وهي أنه لا الصحفي ولا القاضي ولا أي مسؤول فوق المحاسبة إذا أتى فعل جريمة، لكن مهم هنا أن ندق جرس الخطر: احذروا المساس بهيبة القضاة والقضاء، فكل شيئ قد يستساغ إلا المس بهيبة القضاء والقضاة، الشرفاء طبعا.