بديل ـ الرباط

في هذا المقال المثير لأحد أبرز قادة حزب "الأصالة والمعاصرة" المصطفى المرزيق يحاول فيه إن جازت هذه العبارة "استفزاز" عقول اليساريين المغاربة، خاصة الديمقراطيين منهم والراديكاليين، من خلال إقناعهم بدورهم المركزي في معادلة الصراع الاجتماعي والسياسي في المغرب، بعد أن ضلت المعادلة لسنوات مبنية على ثنائية القصر والاتحاديين.

وهذا نص المقال الذي بعث به لـ"بديل":

بعد إجازة صيف قصيرة، اخترت ترتيب و تقسيم وإضافة كتب جديدة لمكتبتي استعدادا للموسم الجامعي الجديد. فكم شعرت بالراحة و أنا أعيد الكتب و المجلات و الملفات و قصاصات الجرائد لرفوفها لجعلها من جديد في حالة تأهب تحسبا لكل طارئ، و تحويلها إلى فضاء للمتعة العلمية و المعرفية أمضي الساعات فيها كل يوم.
أثناء هذه العملية المتعبة و المحبوبة التي اعتدت أن أحصي فيها كنوزي..، واعتدت أن أتغلب فيها على شهية العناوين التي تساومني كل يوم، انصهرت في الحلة المميزة التي أصبحت عليها مكتبتي ففتحت نهاري بقهوة خفيفة ممزوجة بقليل من ماء الزهر.
كذبت على نفسي لما أظهرت عدم الرغبة في القراءة هذا الصباح.. أما حقيقة الأمر هي أنني كنت خائفا من الوقوع مجددا في أحضان الكتب التي تنتظرني أن أقبلها صديقة اليوم.

أعجبني منظر مكتبتي و أنا أحدق النظر في "المحفظة العجيبة" التي توجد قرب المقعد، تظم عشرات المقالات المختارة التي احتفظت بها منذ سنوات طويلة، و التي لا زالت صامدة معي رغم ما تبدل و ما تغير من الأزمنة و الأمكنة؛ و إذا بها تستعطفني لأضع لها مكانا يليق بها بين الكتب و المجلات و يعزز شبابها وعنفوانها نظرا لما تحتوي عليه من كلمات و معاني و قيم و حقائق و قصص و إثارة.

وبعد تردد قصير، استسلمت لغمزاتها، فتحتها و صرت أعيد قراءة عناوين الماضي و أنا حريص على المستقبل رغم ما يفرضه من فهم للحقائق الراهنة، و هذه الحقائق الراهنة تضم داخلها الأصل و الأساس الذي قد يكون من سكان "المحفظة العجيبة".

طبعا، عثرت على عشرات المقالات نشرت لأصحابها في تواريخ مختلفة و في لحظة من لحظات تسابق الزمن، لكن عيني وقعت على مقال أثارني عنوانه و اسم كاتبه، فقررت إعادة قراءته بدون تردد حبا في إنعاش ذاكرة الإبداع في الكتابة التاريخية. إنه مقال " جدلية الصراع والتوافق في المغرب: نحو إعادة كتابة تاريخنا السياسي المعاصر"، للأستاذ الباحث عبد الإله بلقزيز، و المنشور بجريدة اليسار الموحد في نونبر من عام 2005.

أكيد، لا أخفي تقديري لبلقزيز و لرفاقه القاعديين منذ أيام بداية الثمانينات بجامعة ظهر المهراز، يوم كنت تلميذا بثانوية مولاي سليمان بفاس أتطفل على الساحة الجامعية لمتابعة أطوار حلقات النقاش السياسي و الثقافي و الجدال الفكري و المعرفي بين فصائل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، يوم كانت جامعة فاس تعيش على مدار السنة الربيع المغربي، الموسوم بالوحدة داخل التنوع (بلغة ادغار موران).
بلقزيز كان آنذاك واحدا من زعماء هذا الفصيل الطلابي المناضل، الفتي و الممانع (الفصيل الذي كان فعلا يؤمن بالوحدة داخل التنوع كما تشهد على ذلك كل أدبياته)، و واحدا من الطلبة المثقفين الحالمين بالمجتمع الحداثي الديمقراطي، رغم ما كان متوقعا بعد ما عاشته الحركة التقدمية المغربية من انفصال أن تغشى ساحة النضال روح الكآبة.
و أنا أعيد قراءته من جديد بعد مرور ما يقرب 10 سنوات على نشره، بلغني نبأ استشهاد المناضل القاعدي مصطفى مزياني الذي قاوم الموت في صمت لمدة 72 يوما، بعيدا عن أي مصاحبة أو تدخل للمسؤولين ببلادنا من أجل إنقاذ حياته المنهوكة بسبب الإضراب عن الطعام. توقفت كثيرا و أنا أتأمل صورته و هو على فراش الموت، ثم تذكرت أسماء الشهداء: ايت الجيد و المعطي بوملي و شباضة و زبيدة و كل شهداء الشعب المغربي..ثم تابعت قراءة مقال بلقزيز باحثا عن الخيط الرابط بين جمر الأمس و نيران اليوم.
نعم رغم هول الصدمة، تابعت مع بلقزيز قصة حلم الثورة و البحث عن التوافق من أجل مغرب جديد. لكن سرعان ما اكتشفت أن شيئا ما يظل مجهولا في تعاطينا مع تاريخنا الحديث، أو كما يقول ادغار موران: " التاريخ دائما يحتوي على الجزء المجهول منه". لكن هل نحن نريد الكشف عن هذا الجزء المجهول من تاريخنا؟
لا أعتقد...
فباستثناء إيمان الحركة الاتحادية بأفكار الفيلسوف المغربي الراحل د. محمد عابد الجابري في مرحلة ما من مرحلة العنفوان ، فضلت النخبة المغربية العالمة التهافت على الزعامة و كراء زنازين جديدة للاختباء في الماضي رغم طعم الحرية و نعيم الحياة. و لم تكلف نفسها (النخبة المغربية) عناء البحث في ما كان يكتبه محمد عبد الجابري و بول باسكون و عبد الله العروي و عبد الكبير الخطيبي و غيرهم، للتغلب على الواقع العنيد و اختراق المجهول و اكتفت بالإطلاع السطحي على بعض رموز الفكر الاشتراكي و الشيوعي من خلال دار التقدم الذائعة الصيت في البلدان النامية و التابعة.
فرغم أن الواقع متنوع و متحول و لا نهائي، استمرت النخب السياسية المغربية في نهج منطق الاتكالية و التغني بتجارب بعيدة عن واقعنا، بل إختارت في كثير من الأحيان هدم كل ما بني من دون أي تفكير في طموحات و أمال الجيل الجديد من المغاربة، و من دون فحص نقدي لما جرى في بلادنا، مفضلة العيش على اليقينيات.
و رجوعا إلى مقال الباحث بلقزيز، أقول أن خبايا وقائع الصراع السياسي على السلطة في المغرب و حلم الثورة في سياق الديناميات الاجتماعية المختلفة التي أطلقت ذلك الصراع و صنعت أشكالا و محطات متنوعة منها، جعل بلقزيز يشرح مبررات هذا الصراع لدى الفريقين معا ( القصر و الحركة الوطنية)، مذكرا بالبداية المشتركة (للفرقين) في معركة النضال من أجل الاستقلال الوطني منذ 11 يناير 1944، مرورا بتجربة المقاومة و جيش التحرير بدءا من صيف 1953، و كذلك حيتيات مفاوضات اكس ليبان في العام 1955 و مطالبة المهدي بن بركة و عبد الرحيم بوعبيد (المفاوضان الرئيسيان) بعودة الملك من المنفى كشرط أساسي على المفاوض. كما يستحضر المقال العلاقة الودية و التحالفية التي كانت بين أسرة الحركة الوطنية و الملك منذ عام 1944، و التي تجلت في مشاركة الحركة الوطنية في الحكومة الأول التي ترأسها امبارك البكاي المقرب من القصر، ثم حكومة عبد الله ابراهيم، و كيف انقطع حبل الود بين الاثنان لتجد الحركة الوطنية نفسها قي المعارضة (عام 1960).
و في عجالة جد محقبة، يتناول بلقزيز المسار الذي سلكته المعارضة من صدام و مواجهة و من خلق دينامية سياسية شرعنت الصراع و صنعت منه حقبا تاريخية لا تنسى بدءا من انتفاضة 23 مارس 1965، مرورا باختطاف و اغتيال الشهيد بن بركة و أحكام الإعدام في حق قادة الاتحاد الوطني، و صولا الى حركة 3 مارس 1973 و حضر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في 24 يناير 1973 و بروز تنظيمات اليسار المغربي الماركسي اللينيني و الهجوم عليه .
بلقزيز في مقاله هذا، يوضح لنا حيتيات هذا الصراع الذي و صل إلى صفوف العسكر في شكل انقلابان فاشلان (10 يوليوز 1971 و 16 غشت 1972) و إلى تصويت المعارضة ضد التعديلات الدستورية و الاعتذار عن المشاركة في الحكومة التي عرضها على الاتحاد الوطني الملك الراحل الحسن الثاني.
و من أهم الخلاصات التي استنتجها، هي بقاء الاثنين (القصر و المعارضة) في الساحة السياسية: الأول يتمتع بالقوة الاجتماعية و الشعبية و الدينية و الثانية بالوطنية و النضالية و الكفاحية التقدمية، و هذا معطى ايجابي بات اليوم يدافع عن نفسه بكل الوسائل السلمية.
إن هذه الخلاصة بنى عليها الباحث بلقزبز تصوره كمدخل لقراءة واقع إعادة فتح ملف التطور السياسي الحديث في المغرب منذ الاستقلال إلى الانتقال التلقائي للسلطة، و انطلاق الحديث حول العهد الجديد و الانتقال الديمقراطي. و هي مرحلة الانتقال إلى الاعتراف المتبادل بين الاثنين بواقع الوجود و السير نحو تصويب الحياة السياسية الوطنية و البحث عن المشترك بين الفريقين و إبعاد عوامل الصراع و التفجير و معالجة الأزمات بترشيد الصراع.
مثل هذه الخلاصات و بكل أبعادها الانسانية و السياسية، تضمنتها هيئة الإنصاف و المصالحة. و هو عمل رائع لم يعرف التاريخ العربي قفزة مثله، و هو مجهود بات يطاله النسيان للأسف نظرا لمقاومة المحافظين و السلفيين و المسمى بالراديكاليين له. و رغم ذلك، يجب أن تتضمن البرامج المدرسية هذه الخلاصات، حتى نساهم في خلق الوعي الأخلاقي و الفكري (بالمعنى الذي يتحدث عنه ادغار موران) لدى الجيل الجديد من التلاميذ و الطلبة و الشباب.
و لترسيخ الثقة و انطلاقة العهد الجديد، يستحضر بلقزيز القضية الوطنية وما شكلته من تعبئة و طنية عامة انخرطت فيها الحركة التقدمية تحت شعار "الاجماع الوطني"، و كان المقابل أن النظام أنهى العمل بصيغة الحكم الأتوقراتي و فتح الباب أمام "المسلسل الديمقراطي" و أعطى انطلاق مسلسل الانتخابات البلدية و القروية عام 1976 و التشريعية عام 1977، وإقرار الظهير المنظم للجماعات المحلية 1976 وإطلاق سراح المعتقلين الاتحاديين و السماح للبعض بالعودة من المنفى بعد قرار عقد مؤتمر استثنائي أعلن فيه عن "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بداية 1975 و اعتراف السلطة بالكنفدرالية الديمقراطية للشغل و رفع الحظر القانوني عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1978.

أما الخلاصة الثانية التي يصل اليها بلقزيز، هي حالة الانفراج بين الفريقين. أي انتقال الصراع من الشارع إلى قبة البرلمان منذ إقرار التعديلات الدستورية سنة 1996، و تحسن تدريجي لأوضاع الحريات العامة و حقوق الإنسان، و توسيع متزايد لحرية الصحافة و إطلاق سراح مئات معتقلي الرأي و تشذيب نسبي لمدونة الأحوال الشخصية و الاتجاه نحو فكرة الإصلاح السياسي و الدستوري بعد المذكرة المشتركة المرفوعة للملك من زعيمي الاتحاد الاشتراكي و حزب الاستقلال في العام 1991. حيث يؤكد بلقزيز على فكرة عودة السياسة إلى مؤسسات الدولة و إلى الشرعية و تجدد الثقة في سلامة نهج الخيار الديمقراطي، من دون إغفال استمرار القمع و تزوير الانتخابات و التضييق على حرية العمل النقابي و الصحافي و حرية الرأي ( الحركات الاجتماعية 1981 1984 و 1990).
إن هذه المحطات المهمة في تاريخ بلادنا، كان يجب علينا فهم سياقاتها انطلاقا من إدراكنا لتطور الدولة المغربية نفسها، و لتطور الصراع الذي نشأ عنه باستمرار الإحساس بالجماعة و الحفاظ على وحدة الوطن. هكذا يستحضر بلقزيز لحظة أخرى من لحظات الصراع السلمي الذي نتج عنه تعيين زعيم المعارضة عبد الرحمان اليوسفي و زيرا أول في مارس 1998 "تحت سقف" فكرة التناوب، ليستعيد الطرفين الثقة فيما بينهما و يصبح بعض أهل المنافي و السجون و زراء في الحكومة، و هو ما اعتبره بلقزيز طفرة غير بسيطة في تطور الحياة السياسية في المغرب رغم أن حكومة اليوسفي أعفيت من مهامها بعد الانتخابات التشريعي للعام 2002.
لقد جرى هذا الانتقال السياسي من خلال ثورات مغربية-مغربية، في حين فشل أصحاب الثورة التي تعد بالحلول الجاهزة وتوهم المؤمنين بها بجنة التنمية و التصنيع كما تؤمن العامة بالقيامة الكبرى و اليوم الآخر.
إن هذا التطور السياسي الذي و صلت إليه بلادنا اليوم، يدلنا على أن السبيل الوحيد لتحقيق التطور الديمقراطي المنشود، هو أن حل نزاعاتنا بطريقة سلمية، أي باللجوء إلى إصلاحات دستورية أكثر جرأة لتقوية الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان و تجريم كل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من اختفاء قسري و اعتقال تعسفي و معاقبة كل خروج عن القانون، و احترام أراء المعارضة و النشطاء الشباب في الحركات الاجتماعية و النضالات النقابية و الاحتجاجية.
و غني عن البيان القول إن السبب في وضعية و حالة النكوص التي نعيشها اليوم يرجع إلى مقاومة المحافظين و السلفيين لمسار النضال الديمقراطي التقدمي و لعدم ظهور مجتهدين تتوفر فيهم الموضوعية و النزاهة لممارسة السياسة بطريقة مغايرة، و عدم التعامل معها (السياسة) ليست كأشياء قابلة للتبادل كما يركز على ذلك "ادغار موران". أي ظهور نخب مغربية جديدة قادرة على التفاعل مع الواقع من خلال الاجتهادات التي ترقى إلى مستوى طبيعة مشاكل العصر و تحدياته: نقصد إنتاج شروط فكرية منهجية خاصة.
كما يريد الباحث عبد الاله بلقزيز في نهاية مقاله أن يقنعنا بأن الانتقال الذي تعيشه بلادنا هو انتقال من فكرة المنافسة السلمية على السلطة إلى فكرة المشاركة فيها و المشاركة في إدارتها من الموقع الحكومي. و في هذا الصدد لا بد من استحضار دور و مساهمة و مشاركة جمعيات المجتمع المدني في العمل التكميلي البديل إلى جانب عمل المؤسسات الساهرة على تدبير السياسات العمومية. تلك المشاركة القاعدية ( بلغة ادغار موران) للجمعيات الجادة و المستقلة و المحصنة من إختراق الفاشلين في الحياة السياسية. يعني الجمعيات التي تحمل مشاريع بدائل حقيقية و تنتج ممارسة مواطنة قاعدية تنهج سياسة القرب و تعتني بكل القضايا من منطلق إنساني و اجتماعي و ليس ديني أو سياسوي انتخابي، و هي الجمعيات و المنظمات المناضلة التي تضع وحدة الوطن فوق كل اعتبار.
و أخيرا، و انطلاقا من هذه التراكمات التي حصدها المغاربة مقابل تضحيات جسام، بات المطلوب هو إطلاق سراح الانتقال الديمقراطي و العفو عنه لكي لا تتعرض أمثال وفاء شرف و بوبكر الخمليشي للاعتقال، و لكي لا يموت أمثال مصطفى مزياني في ظروف لا إنسانية من دون محاسبة و لا مساءلة.
هكذا قضيت صبيحتي معتصما في مكتبتي، حالما بثورة جديدة مغربية-مغربية، تجعل من الديمقراطية القاعدية محرك للتنمية ضد الاستبعاد الاجتماعي المستدام، متفائلا بمغرب آخر ممكن، مقتنعا بأن الدنيا كلها تغيرت وأغلبية نخبنا تظل على حالها في حالة شرود و هذيان، تفكر بأنانية في عائلتها الصغيرة و تحن لمزاج العيش في حضن الأجداد و الأحفاد و القبيلة و الزاوية، و تتغنى بالحداثة و الديمقراطية التي تجهل مساراتها و ميادينها الاجتماعية و التاريخية.. نخب تقليدية داخل البيت و "متحررة" خارجه. هذه النخب يجب أن تتحلى اليوم بالشجاعة و تبتعد عن الأنانية و الذاتية و النفاق الاجتماعي، و تسلك طريقا آخر غير طريق اليقينيات و التبريرات و الهروب إلى الأمام و السباحة في اليقينيات.

و في سبيل تحقيق تكتل وطني لإطلاق سراح الانتقال الديمقراطي من أجل حماية المواطنين من بطش الدولة و استكمال مسيرة أوراش التغيير، علينا الإيمان بالإنسان كقيمة حقيقية يجب الاستثمار فيه رغم أن هناك من يؤمن بتحسين ظروف عيش هذا الإنسان قبل الاستثمار فيه. و رغم ذلك أعتقد أن الأول لا يمكن أن يتحقق بدون الثاني، و أن الأهم هو مقاومة البؤس الداخلي لدى الإنسان المغربي الناتج عن الحكرة و العزلة و غياب العدالة الاجتماعية و الانصاف.

المصطفى المريزق
مكناسة الزيتونة
15 غشت 2014