يخلد المركز المغربي لحقوق الإنسان، إسوة بباقي فعاليات الحركة الحقوقية الوطنية والدولية، الذكرى السابعة والستين لإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمغرب يعيش على وقع تراجعات في العديد من مجالات حقوق الإنسان.
لقد نظمنا هذه الوقفة، تخليدا للذكرى السابعة والستين لإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من أجل لفت الانتباه إلى واقع حال حقوق الإنسان ببلادنا وبالعالم كذلك.
تمر بلادنا بمرحلة عصيبة، بسبب الكثير من التحديات والانتكاسات، لا على مستوى السياسات العمومية الكبرى، ولا على مستوى الممارسات اليومية، في حق المواطن.

لقد تميزت السنة الحالية 2015، بالعديد من الأحداث المؤسفة، التي طبعت حالة حقوق الإنسان ببلادنا، حيث واكب المركز المغربي لحقوق الإنسان العديد من حالات التضييق والمتابعات القضائية والاعتقالات في حق عدد من كتاب الرأي، والناشطين الحقوقيين والصحفيين والجمعويين.
كما سعت الحكومة المغربية الحالية إلى استشراف مستقبل المغرب عبر إصلاحات كبرى، لكنها إصلاحات تبدو تبعاتها الآنية على الأقل، أشد إيلاما ومعاناة لدى فئة عريضة من المواطنين البسطاء، سواء من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة.
فعلى مستوى حرية الرأي والتعبير، سجل المركز المغربي لحقوق الإنسان عشرات الحالات، لنشطاء تعرضوا لمتابعات قضائية، تبدو بعضها محاولة إجهاز ممنهج على منابر إعلامية وإقبار لأقلام حرة، لا لشيء، إلا لكونها نبشت في قضايا فساد وتجاوزات، همت أطرافا لها نفوذ، تحسب نفسها فوق القانون، كما ثم نسج خيوط متابعات من جرائم الحق العام، في حق أشخاص، للنيل من نضالهم عبر طرق من شأنها المس بسمعتهم ومن مصداقيتهم.
وفي هذا السياق، يعبر المركز المغربي لحقوق الإنسان عن تضامنه الكامل مع العديد من الناشطين، الذين كانوا عرضة للمتابعات، ومنهم ما لا زال قيد المتابعة في ملفات مفبركة، نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحضر : الأستاذ المعطي منجب، والأستاذ توفيق بوعشرين، والأستاذ حميد مهداوي، ومن جسم القضاء، نعبر عن تضامنا مع الأستاذ محمد عنبر، الأستاذ محمد قنديل، الأستاذ عادل فتحي، الأستاذ محمد الهيني، والأستاذة أمال حماني.
كما يعبر عن تضامنه مع العديد من المناضلين، السياسيين والجمعويين، الذين تعرضوا خلال هذه السنة للاعتقال التعسفي والمتابعات القضائية الجائرة،
لقد واكب المركز المغربي لحقوق الإنسان، العديد من مظاهر التعنيف المفرط، من لدن مسؤولين أمنيين، في حق مواطنين، كما توصل عبر فروعه بعديد التظلمات، تهم جرائم تزوير وتحريف الوقائع في محاضر الشرطة، يجعلنا نلح على ضرورة عمل قيادة المؤسسة الأمنية على تخليق المرفق الأمني، وتأهيل العنصر البشري تأهيلا قانونيا وحقوقيا في آن واحد، بما يمكنه من الاضطلاع بمهامه بكفاءة عالية، وفق قواعد الحكامة الأمنية.
وفي مقابل ذلك، فإن المركز المغربي لحقوق الإنسان يدق ناقوس الخطر، إزاء مظاهر التسيب، التي باتت تقض مضجع المواطنين، في العديد من المناطق، الحضرية منها والقروية، وذلك بسبب انتشار ظاهرة الاعتداء الوحشي على المواطنين، في جرائم نشل وسرقة، ومن الحالات التي تمت معاينتها، ما ينذر بفهم مغلوط ومائع لمبادئ حقوق الإنسان، وفي هذا الصدد، فإن المركز المغربي لحقوق الإنسان يؤكد حق المواطن في سلامته الجسدية وأمنه الشخصي، ويعتبر كل اعتداء على حرمة جسد مواطن وممتلكاته، بمنزلة حرمة أجساد كافة المواطنين، وجب على الحكومة إيجاد حلول عاجلة وفورية إزاء تنامي هذه الاعتداءات التي لم حوادث عرضية منعزلة، بل أضحت حالة إجرامية شبة اعتيادية، أصبح يعاني منها المواطنون في كل مدينة وقرية، ويؤكد المركز المغربي لحقوق الإنسان على أن مبادئ حقوق الإنسان تكرس مبدأ العقاب في حق من ثبت تورطه في جريمة الاعتداء على أرواح وممتلكات الناس.
وعلى مستوى السياسات العمومية، فإن المركز المغربي لحقوق الإنسان عاين كيف أن الحكومة المغربية لا زالت تسعى من خلال خياراتها، أن تعكس اجتهاد التلميذ النجيب، في مدرسة البنك الدولي، الذي يسعى بسياسته المكشوفة إلى الإجهاز على آمال الشعوب في الانعتاق من العبودية ومن الإمبريالية، حيث عمدت إلى اتخاذ قرارات غير مسبوقة في مجالات حيوية في تنمية البلاد، خاصة مجالي الصحة والتعليم، وقد كان مشروع القانون الأخير، القاضي بإجبار الأطباء حديثي التخرج إلى العمل في المناطق النائية، دون أن يترتب عن ذلك حق الإدماج في سلك الوظيفة العمومية، ودون توفير شروط العمل المناسبة وظروف الحياة الملائمة لهؤلاء الأطر، نموذجا صارخا في هذا المضمار، كما عمدت الحكومة إلى اقتراح مرسومين، يقضيان بفصل التكوين عن التوظيف في مجال التربية والتعليم، مما تسبب في موجة من الاحتجاجات العارمة في صفوف الأساتذة المتدربين، الذين سيجدون أنفسهم، بعد اجتياز سلسلة من الامتحانات، عرضة لتسليم مستقبلهم المهني بين يدي أباطرة قطاع التعليم الخاص، الذين لا يمهم سوى جني الأرباح، واستعباد الأطر التربوية، وكل هذه السياسات، تهدف إلى حرمان خريجي الجامعات من حق الإدماج في سلك الوظيفة العمومية، وفي المقابل تسعى حثيثة لتحميلها تبعات الأخطاء المتراكمة في العناية بالمرافق الحيوية في حياة المجتمع، مما يؤكد غياب البعد الإنساني والاجتماعي في معادلة خيارات التنمية، التي تسعى الحكومة سلك طريقها.
من ناحية أخرى، يعبر المركز المغربي لحقوق الإنسان عن تذمره إزاء وضعية المستشفيات المغربية، حيث باتت المؤسسات الاستشفائية المغربية حلبة لتصريف الحسابات، عكست سلوكيات اللامبالات، وسوء التدبير وعدم الاهتمام بصحة المواطن، لدرجة أصبح العديد من المواطنين البسطاء، ممن ليس بمقدورهم الولوج إلى المصحات الخاصة ولا أداء الإتاوات للمفسدين، ينتظرون دورهم في طابور الانتظار دخل المراكز الاستشفائية لساعات، وربما لأيام حتى يكشف عليهم الطبيب، وقد زهقت أرواح العشرات من المواطنين خلال هذه السنة، بسبب هذا الوضع المتأزم، كل ذلك ينذر بترهل منظومة الصحة العمومية المغربية، وبفقدان عامل الثقة والمسؤولية والروح الإنسانية، المفترض أن تشتغل عناصر تلحيم بين المكون المؤسساتي والبشري، لخدمة قطاع تحيى بفضله صحة المجتمع.
إن المركز المغربي لحقوق الإنسان يعبر عن تذمره إزاء سياسة هدم بيوت الناس، بدعوى البناء العشوائي، في مقابل حرمان الراغبين في بناء مساكنهم من رخصة البناء، بسبب تعقيدات مسطرة الترخيص وتلكؤ المسؤولين في منح التراخيص، مما جعل آلاف المواطنين، وفي مختلف مناطق المغرب، بين مطرقة الهدم والابتزاز والمتابعات القضائية، وسندان تعنت ورفض المؤسسات المعنية منح تراخيص البناء للمواطنين، كما أدت قرارات هدم بيوت آيلة للسقوط، دون إيجاد بدائل قبلية إلى تشريد المئات من الأسر، فضلا عن طرد المئات من الأسر في كثير من المناطق النائية الفلاحية، بسبب الفساد الذي يعتري تدبير الأراضي الجموع والأراضي السلالية، وعمليات البيع التي تجري من وراء الستار، باستغلال نواب فاسدين وأميين، وتزكيها القرارات الإدارية وحتى الأحكام القضائية.
وإذ يعتبر المركز المغربي لحقوق الإنسان القرار الملكي الأخير، القاضي بتمليك الأراضي السلالية لذويها وبالمجان قرارا حكيما، وعهدا جديدا في مسار استرجاع المواطنين لحقوقهم العقارية المسلوبة، فإنه يخشى من طريقة تنفيذ القرار، حيث تنذر الوضعية المعقدة، التي تميز حالة الأراضي السلالية، إداريا وميدانيا، ببروز مشاكل عويصة، قد تسبب في حرمان المستحقين من حقهم في تملك أراضي أجدادهم، باعتماد معايير الزبونية والمحسوبية، مما يتطلب الحيطة والحذر في تنفيذ القرار الملكي.
إن مخلفات الفساد والاستبداد بلغت أوجهها، وجعلت التهميش وتبعاته لسنين عديدة نصيب العديد من المدن والقرى، وبالتالي نصيب جحافل من الشباب العاطل والشبه العاطل، مما وفر بيئة حاضنة للإدمان ولارتكاب مختلف الجرائم والاعتداءات، وإن لم تتم مراجعة منهجية السياسات العمومية المتبعة، وتفعيل قيم العدالة الاجتماعية في المجتمع المغربي، فإن الغد القريب ينذر بتأزم لن تحمد عقباه، وفي كل الجوانب الحياتية، حيث تستأثر فئة محظوظة بعائدات خيالية، فيما تستعصي على السواعد والكفاءات فرص ضمان دخل يؤمن شروط العيش الكريم، مما يساهم في انتشار مظاهر التحايل والخداع، والنصب والاحتيال، لضمان القوت اليومي ويزرع بذور الإحباط في نفوس الشباب.
على الصعيد الدولي :
فإن المركز المغربي لحقوق الإنسان يعبر عن إحباطه العميق، إزاء ما يجري بكل من سوريا والعراق، واليمن وبورما من تقتيل على الهوية، وما يجري في بعض الدول الإفريقية والأوروبية، من عمليات إرهابية بإسم الإسلام، هدفها ترويع الآمنين، ويؤكد بأن لعبة التقتيل هاته، مؤامرة دبرت بليل، أشعل فتيلها أباطرة صناعة وتجارة الأسلحة، الذين أغرقوا الساحة العربية والإسلامية بالأسلحة، مما جعل المنطقة برميل بارود، مستمر الاشتعال، ليفتك بأجساد برئية، ويدمر أجيالا صاعدة، لا ذنب لها سوى أنها ولدت في زمن ومكان تحالفا لوأد أحلامها في بناء المستقبل.
لذلك، فإن المركز المغربي لحقوق الإنسان يحمل المسؤولية لقوى المنتظم الدولي الكبرى، التي لم تعد تهمها أرواح الناس، ولا الأرقام الصادمة لقتلى الحروب الفتاكة بسوريا، بالعراق واليمن، وباتت تبحث عن حلول ترقيعية، لحماية حدودها، ومصالحها، ضمن تفاهمات ندية وغير أخلاقية، ضاربة عرض الحائط مستقبل إرادة الشعوب، التي أنهكتها حروب التسلط والتحكم، لكن التاريخ لن يرحمها، وستقول الشعوب المكلومة كلمتها، يوم تصحو الضمائر وينبلج صبح الفرج الإلهي.
حرر بالرباط بتاريخ 10 دجنبر 2015
المكتب التنفيذي للمركز المغربي لحقوق الإنسان
منظمة ديمقراطية مستقلة