أقدمت الأجهزة الأمنية المغربية، ابتداء من ليلة الأحد 20 رمضان من السنة الجارية 1437 ، على طرد مجموعة من المواطنين المعتكفين مع تعنيفهم بثمانية عشرة مسجد بالجهة الشرقية للمغرب، وسط إنزال أمني ملفت للنظر، منتهكين حرمة بيوت الله و حرمة شهر رمضان الفضيل ، ضاربين عرض الحائط حرية التعبد و الاعتقاد التي تكفلها المواثيق الدولية و كذا القوانين والدستور المغربي، و تحميها هوية الشعب المغربي المسلم الذي يعتبر الإسلام دينه الرسمي.
يأتي هذا السلوك المشين و غير المستساغ في العشر الأواخر من شهر رمضان، من أجل محاربة سنة نبوية عظيمة و جليلة، حافظ عليها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم و أوصى بها أهله و كذا أصحابه و أمته، لما فيها من أجر عظيم و من فظل عميم.
نفاجأ بهذا السلوك الشاذ و بهاته الخطوات غير المحسوبة، بعيد اختتام "مهرجان موازين" مهرجان العري و السخافة و الفن العفن و الرديء ، الذي تنفق عليه الملايير من جيوب دافعي الضرائب ، و توفر له كل الإمكانات اللوجيستيكية والأمنية ضمانا لنجاحه، و حرصا على استمراريته، رغم مطالبات متكررة و نداءات متعددة بإيقافه و إلغائه، احترما لهوية و ذوق الشعب المغربي المسلم، الملتزم بقيمه و أعرافه و تقاليده المحافظة.
يتزامن هذا السلوك أيضا ، مع المنع الذي يطال المقدسيين من ولوج المسجد الأقصى للاعتكاف به و أداء الصلوات الخمس بين أحضانه، من قبل الصهاينة المغتصبين، يحدث هذا كذلك بتزامن مع ما يقع هاته الأيام بمساجد مصر حيث يمنع نظام السيسي الانقلابي المستبد المعتكفين من ولوجها بدعوى انتمائهم للإخوان المسلمين.
هي إذن عملة واحدة لوجه قبيح كالح غارق في الفساد والاستبداد و الكراهية لكل ما هو قيمي و أخلاقي، لكل من ينشد القيم السامية و المثل العالية، لكل من يطلب تزكية النفوس و تهذيبها ليصدق فيهم المثل القائل، "ليس في القنافذ أملس".
إن حدث منع المعتكفين من مساجد شرق المغرب لم تقم به الأجهزة المخزنية لأول مرة، ولم يكن إجراء عفويا انفراديا ينم عن تجاوزات مزاجية منعزلة لمسؤوليين أمنيين، بل أصبح سلوكا ممنهجا و سياسة قمعية عامة مخطط لها سلفا.
ومما يؤشر على هذا القول من جهة أولى، أن واقعة المنع سجلت أول مرة سنة 2006 في إطار الحملة المخزنية على أنشطة العدل والإحسان، و من جهة ثانية أن هذا المنع من الاعتكاف طال عدة مساجد بعدة مدن و أرياف مغربية طيلة عشر سنوات الماضية، حيث سجل بكثافة بكل من وجدة، جرادة، عين بني مطهر، سمارة، تارودانت، أحفير، بركان، زايو، العيون الشرقية، تاوريرت، القصر الكبير، سلا، الجديدة....
و من جهة ثالثة أن المخزن تجاوز المنع ليقوم بالاعتقال و المحاكمة، و تعود وقائع هاته الحالة إلى سنة 2009 حيث توبع محمد كبوري و من معه على خلفية الاعتكاف بأحد المساجد التابعة لنفوذ دائرة إقليم سطات، إلا أن المحكمة الابتدائية قضت ببراءتهم مما نسب إليهم، و هذا ما أيدته محكمة الاسثئنافية لنفس المدينة لاحقا.
و تماشيا مع سياسة المنع الممنهج التي اتبعتها الدولة، أقدمت وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية في هذا الشأن سنة 2006 على إصدار مذكرة تفرض على من يريد الاعتكاف بالمسجد خلال العشر الأواخر من شهر رمضان بإرسال طلب كتابي إلى مصالح الوزارة المختصة إضافة إلى اسم المسجد الذي سيعتكف به ليتم البث في هذا الطلب و إخبار أصحابه بالترخيص لهم من عدمه .
و رغم تحفظ العديد من الأطراف على هاته القيود التي أصبحت تكبل حرية التدين والتعبد، إلا أن العديد من الراغبين في الحفاظ على هاته الشعيرة الدينية و إتيان هاته السنة النبوية منعوا من الاعتكاف رغم سلوكهم تلك الإجراءات و المساطر بسبب انتماءاتهم السياسية، حيث رفضت طلباتهم دون مسوغ قانوني و منطقي سليمين.
ختاما نساءل من يصور المغرب جنة حقوق الإنسان و استثناء من استثناءات المنطقة، لنقول له أين هاته السلوكيات المقيتة من احترام مقتضيات الفصل الثالث من الدستور المغربي الذي ينص على "أن الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية".
أيضا نذكر من يهمهم الأمر بقول الله تعالى: "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم" سورة البقرة الآية 113 .