عبد الله أفتات

كانت مفاجأة المواطن العادي كبيرة وهو يرى معدات وعتاد عسكري بمختلف تشكيلاته وهو يتحرك أمامه بذلك الشكل الاستعراضي الغير مسبوق، دون أن يجد هذا المواطن من يقدم ويشرح له ما يجري، وسط صمت مطبق لكل مؤسسات الدولة المعنية، مما جعل المغاربة في حيرة من أمرهم غذتها شائعات هنا واستنتاجات هناك واجتهادات هنالك، مكتفية (السلطات) "بتحريك" ما يطلق على تسميتهم ب"الخبراء" لتحليل الأوضاع التي تبدو للمواطن مضطربة .
المعطيات تقول أنه تم نشر منصتين تحمل كل واحدة منها 4 صواريخ من طراز TY-90أو PL-9C ، وعربتين لمدافع مزدوجة الماسورة عيار 35 ملم، مزودة بذخيرة شديدة الانفجار يصل مداها إلى 4000 متر وارتفاع 3000 متر. إضافة إلى أنها تتوفر على نظام لإدارة النيران والرادار، وتم نصب منصات إطلاق الصواريخ بساحل مدينة الدار البيضاء، وتم نقل معدات عسكرية مشابهة إلى مطار مدينة مراكش المنارة نهاية الأسبوع الماضي، تقل معدات عسكرية أخرى على متن طائرات عسكرية إلى مدينة العيون جنوب البلاد عبر مطار المدينة..وأخيرا ما وصل إلى مدينة طنجة في أقصى الشمال من معدات هزت الشارع الطنجي .
السلطات المغربية لا زالت حتى الآن تلتزم الصمت وسط تساؤلات المواطنين حول أهداف تحريك كل هذا العتاد الثقيل، وكانت هذه القضية مناسبة لكي نعرف من يملك المعلومة ومن يحتكر الملفات ويضع يده عليها دون منازع، فاتجهت أنظار الرأي العام والصحافة بداية إلى الحكومة انطلاقا من ناطقها الرسمي الذي أقسم بأغلظ الأيمان حسب ما أسر لنا به أحد الزملاء بأنه لا يعرف بالضبط ما يجري، ثم مرورا بالسادة باقي أعضاء الحكومة الذي لم يجدوا ما يقدمونه للإعلام سوى الدخول في لعبة "إغلاق أو عدم الرد على مكالمات الصحافة" ، وانتهاء برئيس الحكومة الذي دخل في عطلة ـ لم تقطعها سوى مناسبة عيد ميلاد الملك حيث طار إلى مدينة الحسيمة لتقديم التهاني ـ في الوقت الذي تغلي فيه البلاد على المستوى العسكري والإعلامي.
ألم يكن من الأجدر إخبار الرأي العام على الأقل بالعنوان العريض ليطمئن قلبه ويطمئن على أمن بلده حتى لا تبقى الأبواب مفتوحة لمختلف التكهنات التي لا نعرف إلى أين ستقودنا بعد تناسلها بشكل قد يشكل خطرا على البلاد والعباد ؟.
الملك بدوره خالف كل التوقعات التي كانت تترقب إثارته للموضوع في خطاب ثورة الملك والشعب يوم الأربعاء الماضي ليشرح لشعبه حالة الطوارئ العسكرية الغير معلنة، بصفته رئيس الدولة وبصفته أيضا قائد القوات المسلحة المغربية، لكن لا شيء من ذلك تحقق، بدوره ترك الوضع على ما هو عليه، ولا يعرف لحد الآن الأسباب الحقيقية وراء كل هذا الصمت مهما اجتهدنا .
وإذا كانت المؤسسة العسكرية المغربية توصف عادة ب"البكماء" لا تخرج للإعلام، لا تصدر بيانات ولا بلاغات، لا حوارات صحفية ولا استجوابات، فإن هذه هي المناسبة المناسبة لإخراجها من عالمها المثير الصامت، وأنه من الواجب عليها أن تصدر وثيقة عاجلة تخبر الرأي العام الوطني سبب إخراج الآليات العسكرية الثقيلة من الثكنات والقواعد العسكرية في تجاه المنشآت والبنيات والمؤسسات الاستراتيجية، في انتظار إنشاء خلية التواصل داخل المؤسسة العسكرية للتواصل مع الرأي العام كما هو معمول به في الدول التي توصف بالديمقراطية .
هل على الشعب المغربي أن يبقى دائما "معلقا"، وفي "دار غفلون"، كلا الوضع تغير وأصبح من الازم أن ينال نصيبه من المعلومة التي لم يعد مقبولا أن تحتكر من طرف جهة معينة، كما أن الاستمرار في تهميش منصب رئيس الحكومة ودفعه بمختلف السبل للتواري إلى الوراء في هذا الملف وفي غيره من الملفات التي تخول له التقدم نحو الأمام، أمر مقلق تجعل المؤسسات المنتخبة تالية بل في ذيل المؤسسات المعينة التي تغولت أكثر من ذي قبل وأصبحت مع مرور الوقت سيدة الميدان، مما يجعلنا نتساءل عن حقيقة الخطابات الرسمية المبشرة بالانفتاح.