قرر وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، يوم الاثنين 30 نونبر الجاري، متابعة القاضية أمال حماني، نائبة وكيل الملك بابتدائية سيدي قاسم، أمام المجلس الأعلى للقضاء، على خلفية مقال رأي كانت القاضية قد نشرته مؤخرا.

قد تستحق القاضية المتابعة على ما خطته يدها وقد لا تستحق ذلك، السؤال المحير والمؤلم لماذا يتابع الرميد قضاة بسبب آرائهم ولا يحقق في اتهامات خطيرة ضد قضاة آخرين، بعضها ثابتة بالوثاق والأدلة؟

قبل أيام قليلة ماضية قال مُدير جريدة "أخبار اليوم" الزميل توفيق بوعشرين إن هناك قضاة عند تحريرهم للأحكام يستبدلون "صوت الضمير بصوت الهاتف المحمول"، مؤكدا على أن الحكم الصادر في حقه "صيغ في الرباط ونطق به في الدار البيضاء"، فلماذا لم يجرؤ معالي الوزير، وهو رئيس النيابة العامة، على التحقيق مع هؤلاء القضاة المتهمين بتلقي الأحكام في هواتفهم؟

في الدار البيضاء أدان قاضي رجل أعمال بخمس سنوات، وحين غادر الأخير السجن، فوجئ وهو يتصفح وثائق ملفه بوجود محضري جلسة حكم، صادرين في نفس التاريخ؛ يقول رجل الأعمال إن أحدهما "مزور" تفضي حيثياته إلى الإدانة والآخر أصلي تفضي تفاصيله إلى البراءة، فلماذا لم يجرؤ معالي الوزير، وهو رئيس النيابة العامة، على التحقيق في هذا الإتهام الخطير جدا، رغم إشاعته على نطاق واسع بين المغاربة وفي العالم بأسره؟

وفي طنجة أدان قاضي حقوقيا وناشطا سياسيا استنادا على تصريحات اعتبرها منسجة ومتماسكة، في حين يقول حقوقيون إن أصحاب هذه التصريحات نفوا في محاضر رسمية أمام  الشرطة أن يكونوا أدلوا بتلك التصريحات، بل ولم يحضروا للمحكمة أصلا، والأفظع أن تصريحات أحدهم جاءت كلها متناقضة مع تصريحاته الأولى خلال البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي، فلماذا لم يجرؤ معالي الوزير، وهو رئيس النيابة العامة، على التحقيق في هذا الإتهام الخطير جدا، رغم إشاعته أيضا على نطاق واسع بين المغاربة وفي العالم بأسره؟

وقبل شهور قال البرلماني عبد الصمد الإدريسي زميل وزير العدل في حزب "العدالة والتنمية" إنهم في بعض الأحيان يعلمون بالحكم قبل عقد الجلسات وتقديم المرافعات، فلماذا لم يجرؤ معالي الوزير، وهو رئيس النيابة العامة، على التحقيق في هذا الإتهام الصادم، خاصة وأن الأحكام تصدر باسم الملك محمد السادس؟

وفي ندوة صحافية نُظمت في الرباط قبل شهور قال المحامي الحبيب حاجي إنه يعرف قاضيا يبيع الأحكام، كل بثمنه، وهي نفس الندوة التي قال فيها المحامي محمد زيان، إنه يعرف بعض القضاة الذين "يغيّرون أحكامهم بعد وجبة عشاء"، قبل أن يمد زيان الرميد بملفات أحدها حكم فيه قاضي باسم الملك بالبراءة على شخصين باعا ملكا للدولة لأجنبي، وأحدها حكم فيه قاضي بالبراءة على امرأة باعت ملكها مرتين، فلماذا لم يجرؤ معالي الوزير، وهو رئيس النيابة العامة، على التحقيق في هذه الاتهامات الخطيرة جدا؟

متابعة الرميد للقاضية أمال حماني وقبلها القضاة الهيني وفتحي وقنديل والبقاش والعبدلاوي واستدعاء مخلي وسعدون من طرف المفتشية العامة بالوزارة ـ وكلهم ينتمون إلى نادي قضاة المغرب ـ دون متابعة القضاة المتهمين من قبل بوعشرين وحاجي وزيان والإدريسي، رغم خطورة الأفعال المتهم بارتكابها القضاة المعنيين، لها معنى واحد لا ثانية له: إنها العدالة الإنتقامية/ الانتقائية.

بمقتضى الفصل 124 من الدستور المغربي"تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون"؛ ووفقا للفصل 115 من نفس الوثيقة؛ "الملك هو رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية"؛ وتؤكد المادة 107 من هذا الدستور أن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية؛ وبالتالي أي تلكؤ في التحقيق حول الإتهامات الموجهة للقضاة أعلاه يسيء لصورة الملك ويظهره غير عابئ بالفصل 42 من نفس الدستور الذي يفيد أن الملك هو "الساهر على احترام الدستور"، الذي ينص فصله التاسع بعد المائة على أنه "يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة"، مع التذكير بقول الملك في خطاب سابق: "المغاربة عندي سواسية".

سنة 1996 قرر وزير العدل عبد الرحمان امالو، بإيعاز من وزير الداخلية الراحل إدريس البصري متابعة عدد من رجال الاعمال في إطار ما عرف بـ"سياسة التطهير"، وبعد أن ارتكبت فظاعات عديدة في حق القانون والدستور وبعض الأبرياء، قدم وزير حقوق الإنسان محمد زيان استقالته من الحكومة، احتجاجا على هذه الفظاعات، ورغم كل الضغوط التي مورست عليه تشبث بموقفه، رافضا وضعه الصوري و "الذل" من أجل الكرسي.

وضع الرميد اليوم بعد كل هذه الانتقائية الفجة بات يثير العطف والشفقة، وبالعربية تاعرابت "الله يلعن بُو الذل".