تعتبر "الكوميديا الإلهية" لمؤلفها الايطالي دانتي إليغري واحدة من أشهر وأعظم الأعمال الأدبية التي أنتجها الفكر الأوروبي خلال العصور الوسطى، كما تعد قاعدةً للغة الإيطالية الحديثة وواحدة من الأعمال العظيمة التي تمثل الانتقال من العصور الوسطى إلى عصر النهضة والفكر. وحسب النقاد الأدبيين، تعتبر "الكوميديا الإلهية" تحفةَ الأدب الإيطالي وقمة قمم الأدب العالمي. وقد اشتهر مؤلفها في المشرق بفضل إدراج مؤلفاته في المناهج التربوية والتعليمية في عدد من الدول العربية و الاسلامية.
في "الكوميديا الالهية"، يطل علينا دانتي بمظهر الشاعر النبيه والأديب المتمرس، وهي صفات كشف "زيفها" العديد من النقاد العرب والغربيين الذين طعنوا في "الكوميديا الإلهية" لكون مؤلفها -حسب هؤلاء - استمد أحداث الرواية من قصة الاسراء والمعراج التي ذكرها القران الكريم، والتي جسدها فيما بعد ابو العلاء المعري في "رسالة الغفران"، وهي رسالة تصف أحوال الناس في النعيم والسعير. ومن النقاد من يرى أن فكرة ومضمون "الكوميديا الإلهية" أخذها دانتي عن أبي العلاء المعري وأعاد صياغتها وفق نظرة مسيحية.
ولم ينحصر هذا النوع من "الاقتباس الأدبي" على دانتي فحسب، بل تعداه ليشمل كبار الشعراء الأوروبيين أمثال الأديب والشاعر الألماني يوهان جوته(1 )، والكاتب الروسي الكسندر بوشكين) (2الذين اقتبسوا أفكارَ العديد من اعمالهم الادبية من القرآن الكريم. وهو أمر لم ينكره هؤلاء أنفسهم ويمكن لأي قارئ نبيه ان يلمسه في أعمالهم الأدبية بوضوح وسهولة. لكن وعلى عكس هؤلاء، أخفى دانتي اقتباس ملحمته الشعرية من القرآن الكريم، فظل الأوروبيون يتباهون بها إلى يومنا هذا على أنها عمل أدبي إيطالي صرف. وقد قيل أن دانتيأخفىاقتباساته الأدبية هذه متأثرا بالتعصب الأعمى الذي ساد في القرون الوسطى والأحكام السلبية التي شاعت آنذاك ضد الإسلام.
وقد قسّم دانتي ملحمته الشعرية الكوميديا الإلهية إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: الجنة ، والجحيم، والمطهر. وفي هذا الصدد أظهر المستشرق والباحث الإسپاني القس ميگيل أسين پلاثيوس، في أطروحة الدكتوراه التي أعدها بالاسبانية تحت عنوان «علم الأخرويات الإسلامي في الكوميديا الإلهية" سنة (1919)، أظهر أن مشاهد جهنم والفردوس في الكوميديا الإلهية مقتبسة من قصة الإسراء والمعراج. (3) وقد أثارت هذه الرسالة تساؤلات حول امكانية اطلاع دانتي على مؤلفات ابن عربي ومعرفته ب"رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري.
وفي نفس السياق نشرت الدكتورة والكاتبة التركية "أيسي بيتول كاياهان" مقالة بالانجليزية تحت عنوان: "الكوميديا الإلهية، عمل إلهي أم سرقة أدبية؟"، حيث سخرت صاحبة المقال من ملحمة دانتي متسائلة: "أليس من المفارقات أن تتم سرقة مصادر إسلامية وإنشاء أعمال أدبية من خلالها يتم عبرها بعث رسائل إسلاموفوبية؟ (4) كما أشارت "بيتول كاياهان" في مقالتها أيضا الى القس الإسباني "بلاثيوس" الذي كرس الكثير من حياته للدراسات الإسلامية خاصة أعمال الامام الغزالي وابن عربي وقالت عنه إنه يرى أن أفكار وآثار المصادر الإسلامية موجودة في ملحمة دانتي.
وبالإضافة إلى هذه الدراسات والمقالات النقدية، كان "دانتي" أحد الوجوه والأقنعة المجنونة التي عراها إدوارد سعيد في كتابه الشهير "الاستشراق"، حيث وصفه بالشاعر المتعصب جدا والمسيء للعديد من عظماء التاريخ من مسلمين ومسيحيين. ولعل أول وأكثر من أساء إليهم دانتي هو رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، بعدما كشف عن تعصبه وحقده عليه لحد الحكم عليه باستحقاقه لأعلى درجات النار بجانب إبليس على حد قوله، وقد صنف دانتي النبي محمد في نفس الخانة مع إبليس ووضعهما في مرتبة أسماها مرتبة "نشر الفضائح وإثارة الفتن"'. (5)
ولم يكتفِ دانتي بهذا فحسب، بل تهجم على العديد من عظماء التاريخ، فصنف ضمن المستحقين للجحيم عددا من أعلام المسلمين كابن سينا وابن رشد وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم، كما صنف ضمن ''الوثنيين'' هكتور، وإينياس, وإبراهيم عليه السلام، وسقراط، وأفلاطون، وأريسطو. (6) والسخيف في الأمر أنه ورغم تصنيفه هذا أبدى دانتي إعجابه بالفضائل والمنجزات العظيمة لهؤلاء الأعلام، ولكنه لم يجد بُدًّا من الحكم عليهم في جهنم لأنهم ليسوا مسيحيين.
كل هذه الخرافات والأكاذيب كما يقول إدوارد سعيد "تصدق حقا على موقف الاستشراق بصفة عامة، فهو يشترك مع السحر ومع الاساطير في نظامه المغلق..." (7). فالصور التي جسدتها "الكوميديا الإلهية" تحاول بطريقة أو بأخرى إضفاء الشرعية على "الآخر" الذي هو الغرب، وعلى مفردات معينة وعالم من الخطاب التمثيلي المقتصر على مناقشة الاسلام والشرق وفهمهما.
والمؤسف أن ما يعتبره هذا "الخطاب" حقيقةً كالقول بأن النبي محمد (ص) كان دجالا، يعتبر عنصرا من عناصر هذا "الخطاب" الذي يحاول إرغام القارئ على الإقرار بصحته كلما ذُكر اسم محمد. هذا الأخير يبقى شرقيا بالنسبة للغرب لأنه "وإن كان يشبه المسيح في بعض الأشياء إلا أنه ليس مثله في نهاية الأمر". (8) وهي نظرة تكرسها أعمال بعض الغربيين اللاعقلانيين التي تسعى إلى ترسيخ خطاب يشوبه اللبس عن الشرق وعن الإسلام ليبدو (هذا الخطاب) حقيقيا ويصدقه الغرب بسهولة.
وتجدر الإشارة إلى أن خطاب دانتي ليس موجهاْ للعرب ولا المسلمين أساساً، بل لقراء اللغة الفرنسية بهدف تشويه صورة محمد (ص) والتخلص مما كانت تعتبره الكنيسة ومفكروا الغرب غزوا فكريا اسلاميا. ولعل هذا السبب هو ما دفع المفكر الراحل إدوارد سعيد إلى تأليف كتاب «الاستشراق»، الذي ضَمَّنهُ رسائل وخطابات تكشف عنصرية الغرب تجاه الشرق بدءًا من العصور الوسطى، وبدءًا بدانتي نفسه وبمن حذا حذوَه. حيث تطرق إدوارد سعيد في أحد فصول كتابه للحقد الذي يكنه هذا الغرب على الشرق عموما وعلى الإسلام بشكل خاص. وإذا كانت أعمال " دانتي" تكشف عن هذا الحقد والعداء, فما الذي تخفيه الأعمال الأدبية الغربية الأخرى يا ترى؟ أوليست هي الأخرى في حاجة إلى نبش وبحث اكاديمي ونقد تفكيكي جاد كالذي قام به إدوارد سعيد؟

المراجع المعتمدة
(1)جوته [الشاعرالألمانيالكبير]والإسلام,د. حسنجعفرنورالدين. مجلة "رسالة النجف"
(2)النَّبيّ مُحمّد في شّعر الرّواد الرّوس, ناظم مجيد حمود.
(3) ويكيبيديا. "الكوميديا الالهية ".
(4) Daily Sabah- Divine art or plagiarism
(5) كتاب "الاستشراق". ادوارد سعيد. ص, 136.
(6) المصدر نفسه. ص 136/137.
(7) المصدر نفسه. ص 139.
(8) المصدر نفسه. ص 140.