عندما يعتبر المجلس الدستوري تهمة "إبداء موقف يكتسي صبغة سياسية" عبارة فضفاضة، مخالفة للدستور، وهي العبارة التي توبع بها المستشار محمد الهيني، قبل عزله، فمعناه اليوم أن "الكرة في ملعب الملك".

بمقتضى الفصل 42 من الدستور المغربي الملك هو الساهر على احترام الدستور، الأمر الذي يجعل تدخله اليوم ضروريا خاصة وأن المتابعة شهدت، بحسب الهيني، "تزويرا" و"تحريفا" لوقائع، والأخطر أنها داست على حقوق الدفاع، خاصة عند عدم الأخذ بتجريح المعزول في المقرر في ملفه، بعد أن كان الهيني قد حكم عليه، حين كان الأخير وكيلا للملك في ابتدائية الدار البيضاء، ورفض إحضار متهم في أكثر من مناسبة، هذا دون إغفال فضيحة أخرى عرفتها المتابعة وهي أن الجهة المقررة للمتابعة والمعينة للمقرر والمترئسة لجلسة المحاكمة والمنفذة لقرار العزل هي جهة واحدة ترتبط برابطة دينية وحزبيه مع الجهة المشتكية بالمعزول، والأهم اليوم أن المجلس الدستوري، يعتبر التهمة التي عزل بسببها الهيني غير مطابقة لروح الدستور وتدخل في إطار العموميات !

ليس هذا فحسب، بل إن ملف الهيني سيشهد مفارقة أكبر حين جرى عزله بناء على رسالة من وزير العدل؛ تفيد حيثية فيها أن القرار تم بموافقة الملك، علما أن قاعدة توازي الأشكال تقضي في من عُيِّن بظهير ملكي أن يُعزل بظهير مثله، وهنا يطرح سؤال جوهري على الملك: هل تقوم تلك الرسالة مقام الظهير الملكي، خاصة وأن هذا الظهير لا يوقع بالعطف، وأن الهيني ترفع عن الطعن في قرار عزله، من جهة احتراما للملك، الموافق على القرار، ومن جهة أخرى، ربما، لأنه شعر بالإختناق داخل قضاء، بدا له أن الرميد يطبق عليه من جميع الجهات، حارما (الهيني) بذلك الغرفة الإدارية في محكمة النقض من الحسم في نقطة مفصلية، لازالت تشكل اليوم قلقا دستوريا وقانونيا لدى متتبعي هذه القضية.

ليس القانون والدستور وحدهما ما يلزمان الملك اليوم بمعالجة ملف الهيني، بل حتى سياسيا، يقتضي الأمر تدخله لأن الحكومة مسؤولة أمامه، خاصة وأن ردود الفعل الوطنية والدولية على قرار العزل أكدت أن الحكومة زجت بالصورة الحقوقية للبلاد في مستنقع آسن بفعل هذا العزل، وكبدت بذلك المجتمع المغربي خسارة حقوقية كبيرة، في وقت تتعالى فيه حقوقيا أصوات المتربصين بوحدة المغرب في جنوب البلاد !

قد تكون للملك تقديراته السياسية الخاصة في الموضوع، وربما كان ينتظر قرار المجلس الدستوري ليؤسس عليه تدخله، لكن بصرف النظر عن كل التفاصيل والحيثيات الغائبة عنا، بحكم طبيعة اشتغال النظام ودائرته السياسية الضيقة، يبقى تدخل الملك اليوم في ملف الهيني أمرا ضروريا من وجهة نظرنا الإعلامية، ليس من اجل إعادة الهيني إلى عمله، فقد لا تكون هذه رغبة الأخير اليوم، بل الأهم من أجل حرمة الدستور والقانون والخطب الملكية والأهم إعادة الإعتبار للمؤسسات الدستورية و للقضاء الإداري، خاصة وأن عزل الهيني كان هدفه الكبير ترهيب قضاة المحاكم الإدارية حتى لا يمارسوا رقابتهم القضائية على قرارات الحكومة، فهل يتحرك الملك صوب الكرة الواقعة في ملعبه، كما تحرك في ملف "البيدوفيل الإسباني" واحتجاجات الشارع قبل تاسع مارس من سنة 2011، أم يتجاهل الأمر؟