رجح الكاتب والمحلل السياسي خالد أوباعمر أن يفرج عن الصحفي أحمد منصور، الذي اعتقلته يوم الأحد 21 يونيو، السلطات الألمانية، بناء على طلب السلطات المصرية.
وهذا نص المقال كاملا:

عدم وجود ضمانات كفيلة تضمن المحاكمة العادلة والمعاملة المماثلة للمسلّم مثل الجاني الذي ينتمي إلى البلد المسلّم له مبرر كافي بالنسبة لألمانيا لكي تمتنع أو ترفض تسليم الصحفي المصري بقناة الجزيرة القطرية أحمد منصور لدولة مصر، لأن القضاء في مصر مطعون في شرعيته ومصداقيته، والأحكام التي صدرت في الآونة الأخيرة عن هذا القضاء ضد الرئيس مرسي وعدد من المعتقلين السياسيين الذين اعتقلوا عقب الانقلاب العسكري الذي عرفته البلاد، دليل على رجاحة هذا المبرر.
حتى وإن كان هناك اتفاق مصري ألماني يقضي بتسليم المتهمين بارتكاب أفعال جرمية، فأغلب الاتفاقات تكون مقيدة بشروط للتسليم، ومقيدة باستثناءات معينة. في مثل هذه الحالات فإن القرار القضائي غالبا ما يكون سياديا وتراعى فيه عدة اعتبارات. النظام القضائي المصري الحالي لا يتيح أي إمكانية للمحاكمة العادلة بحكم تبعيته وعدم استقلاليته عن النظام الذي يحكم مصر اليوم.

فمهما اجتهد النظام المصري في تلفيق تهم للصحفي أحمد منصور لا تدخل في نطاق التهم الإجرامية التي تشكل استثناء على قاعدة التسليم، فالقضاء الألماني الذي لا يشبه قضاء مصر، لا يمكن له المغامرة بالصورة الحقوقية لألمانيا أمام العالم.
القضاء الألماني قضاء نزيه وحر ومستقل وسيستنتج من خلال الأوراق التي سيتوصل بها من الدولة المصرية أن أسباب مطاردة الصحفي أحمد منصور ترتبط بمواقف هذا الأخير السياسية من النظام العسكري.

لهذا لا أستبعد إطلاق سراح أحمد منصور بعد تكييف التهم الموجهة إليه من طرف القضاء الألماني وفق القوانين الداخلية والاتفاقات الدولية الخاصة بالتسليم والتي تحدد شروطه وإجراءاته. القضية محسومة لاعتبارات قانونية عدة من بينها عدم وجود اتفاق ألماني مصري يقضي بتسليم المتهمين مادام أن الاحتكام لقاعدة المعاملة بالمثل أو للعرف الدولي تبقى جد مستبعدة لدى الجانب الألماني.

إذا قامت ألمانيا بتسليم أحمد منصور بناء على طلب نظام يقوده رئيس مطارد دوليا بسبب جرائم الإبادة الجماعية التي اقترفها في حق المواطنين المصريين في ميدان رابعة العدوية بدم بارد، فصورة القضاء الألمان ستتعرض للخدش وسيفهم العالم أنها بهذا القرار تمنح شرعية لنظام يقوده جنرال انقلب عن الشرعية الديمقراطية للرئيس المنتخب وتورط في قتل ألاف المصريين.
ألمانيا التي تعتقل اليوم الصحفي منصور كان أولى بها أن تعتقل الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي زار أراضيها قبل أيام فقط بسبب ما اقترفه من جرائم تستدعي محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

كما هو معلوم لدى الباحثين في القانون الدولي أن مسألة التسليم تخضع لشروط وإجراءات مقيدة باستثناءات من ضمنها عدم التسليم لأسباب عسكرية وأخرى سياسية، ومهما حاول النظام في مصر تلفيق تهم غير سياسية وذات طابع جنائي للصحفي المصري في قناة الجزيرة أحمد منصور، فالمؤكد أن القضاء الألماني تبقى له كامل الصلاحية في اتخاذ القرار المناسب على ضوء استنتاجاته.

من جانب آخر، تعد مصر من بين الدول التي لازالت تعمل بالعرف الدولي، فهي تتوفر على تشريع داخلي ينظم التسليم، غير أنها لم تعقد سوى معاهدات قليلة بشأن التسليم. ففي غياب وجود اتفاق ألماني مصري يقضي بالتسليم، يمكن للجانب المصري أن يلجأ كما سبقت الإشارة إلى ذلك سابق إلى العرف الدولي، غير أن هذا الأمر يتوقف على موافقة الجانب الألماني، والذي يمكن له ألا يأخذ به من الأساس، لأن هناك دول تشترط وجود اتفاق أو معاهدة للتسليم.

في قضية التسليم يمكن الأخذ بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية أو بالعرف الدولي، أو بمبدأ المعاملة بالمثل، وفي هذا السياق فقد انقسم الفقه بخصوص مسألة التسليم إلى مذهبين :
-المذهب الأمريكي: الذي لا يقبل التسليم إلاّ إذا سبقته معاهدة .
-المذهب الفرنسي: الذي يقبل التسليم خارج الاتفاق الدولي, ويشترط في ذلك أن يتّم وفقا للقانون.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، لقد سبق للمحكمة العليا في الجزائر، بموجب القرار الصادر يوم 11 يوليوز 1978, الموافقة على تسليم المواطن الألماني "شولت فرانز جوزيف"وزوجته "أوسترايديت " إلى السلطات الألمانية دون سابق اتفاق دولي للجزائر معه، وهي بهذا القرار تكون قد انتهجت المذهب الفرنسي في التسليم, فهو لا يمكن أن يتم خارج قانون التسليم، كما لا يمكن أن يبقى مقيدا بوجود معاهدة سابقة.
في حالة الصحفي أحمد منصور هناك اعتبارات سياسية تقف وراء الطلب المصري الذي يقضي بتسليم الصحفي أحمد منصور، وفي هدا الصدد، فقد أورد الفقهاء بعض الحجج التي تبرر عدم تسليم المجرم السياسي منها :
1 أن المجرم السياسي ليس من العصاة, إذ يتميّز بالشرف والأخلاق الحسنة وأنّ دافع الوطنية هو الذي دفع به إلى إصلاح النظم التي يعتقد أنها خطأ أو صواب لا تحقق المصلحة الاجتماعية.
2 أن تسليم المجرم السياسي قد يوتر العلاقات بين الدول, إذا ما تطورت الأحداث إلى حصول انقلاب في النظام السياسي للدولة طالبة التسليم.
3 اعتبار الإجرام السياسي هو منبع الدولة وأنظمتها.
4 قد يعرض تسليم المجرم السياسي إلى فرض عقوبات قاسية وشديدة, على غرار المجرم العادي, لأنّ تحقيق العدل في الجرائم السياسية أصعب منه في الجرائم العادية.
5 وجود المجرم السياسي في إقليم الدولة المطلوب منها التسليم لا يشكل خطرا على أمنها واستقرارها من شأنه يستوجب التسليم والتخلص منه.