في كل مرة وفي كل يوم تقمع فيه مظاهرة شعبية في المغرب سواء المعطلين أو الأساتذة أو المتضررين.. يتساءل أو قد لا يتساءل البعض عن سر هذا القمع. فمن لا يتساءل سندرجه على الفور في جماعة حمدوا الله ما.... وأما من يتساءل ولم يجد جواب لحد الآن، سوى ذلك الذي على لسان أجهزة السلطة، الا وهو التجمهر في الاماكن العمومية واحتلال الشارع العام بدون ترخيص.

دعونا نتوقف عند هذا الحد ونتساءل في نفس الوقت بطرافة لماذا لا يتم افراغ (الجوطيات) والأسواق بنفس التهمة عفوا نفس القانون، مادام كلا النموذجين: التجمهر في مظاهرات أو في الأسواق يحمل صفة السلمية وصفة التجمهر الذي نفسره بأكثر من 10 أشخاص. ثم نتساءل أيضا عن الشق الثاني في هذا القانون الوهمي الا وهو احتلال الشارع العام، حيث سنكتشف ما يقصد بالعام أو العمومي هو شرط وهمي وواهي، لأن ما دام الشارع عام فالتجمهر فيه هو تجسيد لعموميته وإلا ليس شارعا عاما.
وختاما بعامل الترخيص للتظاهر الذي يجبرني دائما على القهقهة بأعلى صوت خصوصا اذا طرحت عليكم السؤال التالي: كيف أن تعطي السلطة رخصة لمظاهرة ضد سياستها؟ باستثناء إذا كان المسؤول بريطاني الجنسية وتكون قد طبقت الآية: " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم..." ونكون قد استبدلنا أيضا. فالترخيص هنا لن يحظى به سوى (الأنصار) والنقابات الصفراء في الأعياد الوطنية بمباركة مخزنية. فقانون الطوارئ هذا من المفترض أن لن نجده حتى في أشد الدول دكتاتورية. وهو موجود على لسان "بنكيران" رئيس الحكومة في دولة مثل المغرب التي تدعي أنها (سومي ديمقراطية) أو (شبه ديمقراطية) ولا اجتهاد مع وجود النص والتزام الرصيف خارج الرباط في أقصى تقدير ديمقراطي.
فالدرس الأول الذي نستخلصه من هذه المفارقة العجيبة هو كون أن الدولة في هذا الباب لا تملك مبررا لقمع المتظاهرين باستثناء الحفاظ على هيبة الدولة التي تتلاشى ضمنيا في تحت راية القمع، لأن الدولة، و هي كذلك تعرف انها لن تحل مشاكل المحتجين لأنها تعرف أن مكتسبات الجماهير طويلة ولن تتوقف حناجر المطالبة بها، بل وتخالف رغبة السلطة في إخضاع الجماهير عبر تجويعها. ليبقى الحل الأسهل هو القمع بمبررات واهية غبية، وقمع من يفكر في هذه المبررات الواهية حتى إشعار آخر. وبالمقابل الدرس الثاني الذي ينبغي أن يستخلص هو أن المتظاهرين يجب أن يتعاملوا مع هذه المبررات الواهية بحزم أكثر، فمادام القمع غير مبرر فكل الاحتمالات يجب أن تكون واردة ولن تكون أكثر سخافة من قانون الطوارئ (الطرائف) المغربي هذا، وحتى إن بلغت حد المواجهة بمنطق العين بالعين من باب الاحتمالات دائما فما دام القامع والمقموع في كفة واحدة فالبادئ أظلم.
لكن بالمقابل فهذا الضعف الحكومي خطير بلغة الجد في المعادلة الديمقراطية لكونه يمثل خطة الهروب للأمام في المجال الحقوقي على الأقل، لكون أن السلطة في حقيقة الأمر تعرف أن أي فرصة تمنحها للشعب المغربي في المجال الحقوقي، فأنها ستؤذي بها إلى المواجهة الكبرى ألا وهي محاسبة الجلادين منذ السنوات الغابرة في قعر التاريخ المغربي الحالك.
وحينها سيشعرون بالنهايات كما قال "هوبز" وهو ينعت التفكير بالموت حيث يعطل تفكيرنا، ويجعل العمل ينتجنا ولا ننتجه. وكذلك بالنسبة للمقاربة القمعية التي تجد مدلولها في شعور الشعب بالنهايات، وهو يشاهد أحلامه وحقوقه تغتصب لذلك حذار من الذي ليس لديه ما يخسره، ولا عدوان إلا على الظالمين والساكت عن الحق جبان أخرس.