في 500 مدينة حول العالم وقف الآلاف من المواطنين يوم الأحد 15 ماي مع حلول الليل، للاحتجاج ضد السياسات الاقتصادية الرأسمالية المتوحشة التي تسببت على مدى العقود الأخيرة في زيادات مهولة في معدلات الفقر والبطالة وفي اندلاع الحروب والصراعات المسلحة في الكثير من بقاع الأرض، وكان الشعار الموحد الذي يجمع هؤلاء المحتجين في إطار حركة ''الواقفين ليلا" هو العدالة الاجتماعية كمدخل لحل أزمات العالم الخانقة، على طريق نشر قيم السلام والتسامح والتعايش بين الشعوب.

وإذا كانت كل الوقفات حول العالم قد مرت في أجواء عادية تحت مراقبة القوى الأمنية، التي كانت تقوم بأدوارها العادية في حماية المحتجين وحفظ الأمن العام، ففي المغرب كانت الأمور مختلفة تماما، استمرارا لما بات يعرف بالاستثناء المغربي، والذي عوض أن يكون استثناء إيجابيا نفخر به كمغاربة، صار استثناء سلبيا يخدش صورة البلد الحقوقية التي لطختها في السنوات الأخيرة ممارسات أمنية مشينة، وكأن هناك من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ليعود بنا إلى زمن سنوات الجمر والرصاص.

فبمدينة الدار البيضاء تم قمع هذا الشكل النضالي الراقي، بطريقة همجية لا يمكن السكوت عنها. حيث عمدت قوى الأمن إلى ضرب المحتجين رغم قلتهم، والتنكيل بهم، ومطاردتهم في الشوارع مع ما رافق ذلك من اعتقالات تعسفية خارج إطار القانون. كل ذلك على إيقاع موسيقى "كناوة" التي كانت تنبعث في نفس الوقت من عمق فضاءات الصويرة، وتحت ألحان الموسيقى الروحية التي كانت تنبعث في نفس الوقت أيضا من عمق أسوار فاس، لينكشف أمام العالم وجه بلد غارق في الشيزوفرينيا، يرقص بجنون على إيقاعات الألم ويصر على العودة بغباء خطوتين إلى الوراء كلما تقدم خطوة للأمام.

ولا أدري ما هو الباعث على مثل هذا السلوك العدواني في وجه بضع عشرات من المحتجين، وهم من كانوا لا يشكلون أي خطر على الأمن العام لا من حيث عددهم الذي لم يتجاوز العشرات، ولا من حيث القضية التي جمعتهم والتي هي قضية اكتوت بنارها الدولة المغربية نفسها في ملف الصحراء المغربية، والتي لازال الصراع المفتعل حولها مستعرا بسبب ممارسات القوى الرأسمالية الكبرى والتي تتلاعب بهذا الملف حسب الظروف لإبقاء جذوة الصراع مشتعلا، وهو ما يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية الرخيصة.

إن لجوء الدولة المغربية للقمع عوض الحوار، وللمنع عوض التقنين، وللانتهاك السافر لحق المغاربة في التظاهر السلمي عوض حمايته وتوفير الأجواء الملائمة لممارسته، هو في حقيقة الأمر لعب بالنار ومقامرة بالاستقرار والسلم الاجتماعي الذي هو رأسمال المغرب الوحيد في منطقة مليئة بالتوترات والأزمات والصراعات، فالحق في التظاهر السلمي لا يشكل أبدا تهديدا للأنظمة الحاكمة بقدر ما أن العصف بهذا الحق هو ما جعل الكثير من الأنظمة في مهب الريح، ولعل ما حدث في الكثير من البلدان العربية من حولنا في السنوات الأخيرة خير دليل على ذلك.

فيا ليت صوت العقل ينتصر في نهاية المطاف، حتى لا نكون في يوم من الأيام مضطرين لإنشاء هيئة جديدة للإنصاف والمصالحة، فمن العار أن نعيد عجلة الزمن في المغرب إلى سنوات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تلك الانتهاكات التي ضيعت على المغرب فرصا كبيرة من أجل النمو والتقدم، وجعلته غارقا لعقود في قعر الصراع بين السلطة والشعب.

*رئيس مركز الحريات والحقوق