خص النقيب عبد الرحيم الجامعي الزميلة "الأول" بمقال مثير حول تاريخ المواجهات بين السياسي والقضائي، انطلاقا من الصراع الذي دار بين السياسيين والقضاة الإيطاليين في الثمانينات ومرورا بحالة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الذي يواجه متاعب جمة مع قضاء بلاده، وانتهاء بالدعوة إلى السير على نهج فرنسا من أجل تحقيق استقلالية حقيقة للقضاء المغربي.

وهذا نص المقال كاملا:

عرف التاريخ مواجهات بين السياسي والقضائي في القضايا ذات الأهمية والحساسية في عدد من الدول التي اعتاد الرأي العام تصنيفها بدول الحق والقانون وأثار شعار استقلال القضاء وممارسته فعليا من قبل القضاء غضب سياسيين كبارا ممن كان نفوذهم القوي في صنع القرار يتعدى كل الحدود والحواجز.

لا ينسى المتتبعون كيف كان صراع القضاة أصحاب الأيادي البيضاء بإيطاليا بداية من الثمانينات ثم التسعينات للضغط الذي مورس عليهم من المافيا(كوسطا نوسترا Costa Nostra)، وما وصل إليه عنف السياسيين ضدهم لدرجة بلغت اغتيالات وتصفيات لعدد من القضاة (القاضي فالكون وغيره Giovani Falcone) بسبب التحقيقات في ملفات الفساد والرشوة، وبسبب مواقفهم القضائية الجريئة التي رفضوا من خلالها التواطؤ مع تيارات سياسية لها مصالح مع المافيا وتجار السلاح والقبول بسيطرتهم على دواليب المؤسسات بما فيها المؤسسة القضائية، وما تعرض له قضاة آخرون في بلدان أوروبية أخرى مثل القاضي الإسباني كارسون Garzon الذي أبعد بسبب محاولاته التحقيق في جرائم النظام الفرنكي ومثل القاضي الفرنسي راميل Patrik Ramel الذي لاقى المحن بسبب مبادراته للتحقيق في ملف المهدي بنبركة ومعارضة جهات بالإليزي لإطلاق الإنابات القضائية في موضع الاختطاف والتي وجهها لجهات متعددة منها الجهات القضائية والسياسية بالمغرب.

لقد علمنا التاريخ والأمثلة أعلاه، أن نفوذ السياسي أقوى خطرا على استقلال القضاء وعلى القضاة، بل اعتبر مفكرون في مجال السياسات القضائية أن الدولة والسلطة التنفيذية كانت ولا زالت تعتبر أن سياستها في مجال العدل هي إحدى وظائفها الأساسية تعمل على تنفيذها بواسطة جهاز الدولة الخاص وهو الجهاز القضائي الذي لا يقوم في الحقيقة إلا بوظيفة تطبيق اختياراتها التي تصنعها بقوانين تقترحها وتصوت عليها أغلبيتها، وهذا بالطبع ما جعل موضوع استقلال القضاء موضوعا لا زالت تدور حوله نظريات وإشكاليات وصعوبات ولم يستطع لا صناع القرارات السياسية ولا مهنيو القانون أن يجدوا لإلغازه الأجوبة الصحيحة والحقيقية ومن ثَمّ يصعب الإيمان وتصديق حديث الدولة عن استقلال القضاء ويصعب كذلك الاقتناع بأن القضاء جهاز محايد وبعيد عن دواليب الدولة.

ومن هنا يمكن تناول ما خلفه ولا زال يخلفه احد الملفات الساخنة على المستوى السياسي والقضائي وهو ملف الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع القضاء.

فإذا كان من المعروف بفرنسا عادة، أن القضاء لما يضع يده على جرائم السياسيين، ومنهم رؤساء الدولة أنفسهم، فلا أحد يقوى على وقف آلة القانون ولا سلطة القضاة ولا سير المحاكم، ولا أحد يدعى أنه فوق المسؤولية أو يتمتع بمناعة من المتابعة ومن المحاكمة بسبب انتمائه لحزب كذا أو لأنه من عائلة كذا… ولكن هذا الواقع لا يعني أبدا أن السياسيين يوقفون آليات مناوراتهم وجهودهم و نفوذهم من أجل سير العدالة بل يستعملونها بكل بشاعة خدمة لمصالح سياسية تظهر تجلياتها على المدى المتوسط والطويل، ويمكن التذكير بعشرات الملفات التي واجهت سياسيين كبارا أمثال رولان دوما، آلان جوبي، دومنيك دو فيلبان، جاك شيراك…

ولكن ما يجسد هذه الصورة في أبرز صيغها وأقوى تجلياتها هو حالة الرئيس السابق للجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي، الذي لا ينتهي من قصة قضائية حتى تلاحقه أخرى، إذ أصبح بشكل أو بآخر رقما قياسيا غير مسبوق في مجال الأبحاث والمتابعات بل سجل أول سابقة في تاريخ الرؤساء خلال حياة الجمهورية الخامسة عندما كان أول رئيس يتم الاحتفاظ به لساعات بالحراسة النظرية في مخفر للشرطة بباريس.

فالمحاصرة القضائية وضعت ساركوزي في محنة سياسية في بيته الحزبي وأمام الرأي العام ومع خصومة السياسيين، وأخطر ما في الأمر أنه، خلف أغلب هذه الملفات القضائية، توجد ملفات مالية ويوجد استغلال للنفوذ وتوجد صناعة فواتير وتوجد تلاعبات في العملية الانتخابية وغير ذلك، كالقضية الكبرى المعروفة بقضية ببيك ماليون bygmalion التي اتهم فيها ساركوزي وعدد من مقربيه بالتزوير في فواتير مصاريف الحملة الانتخابية لسنة 2012 والنصب وخيانة الأمانة، وقضية بتانكور Bettencourt التي اتهم فيها باستغلال وضعية شخص غير قادر وتمتع بقرار عدم المتابعة، والقضية المالية المعروفة بقضية كراشي Karachi والتي تعود وقائعها إلى التاريخ الذي كان فيه ساركوزي وزيرا للميزانية، وأخيرا القضية المعقدة الكبرى قضية بيسموت Bismuth التي تتثقل كاهله مع شريكين أحدهما من أكبر المحامين المدافعين عنه وهو هيرزوك والآخر واحد من أكبر قضاة محكمة النقض السابقين جيلبير إزيبير G. Azibert…

ساركوزي حسب ما جاء في قرار محكمة النقض الفرنسية الصادر بتاريخ 22 مارس 2016 حاول الحصول على معلومات محمية بالسرية بواسطة محامية وقاض من محكمة النقض، نبت ذلك بتسجيلات هاتفية تفيد بأنه قدم عرضا للقاضي ووعده بمنصب مهم في إمارة موناكو مقابل مده بتلك المعلومات التي دونت في مذكرات حجزت أثناء البحث والتي استعملت في قضية بطانكور.

إن قراءات قصص ساركوزي مع القضاء وما شاهده مسار منازعاته أمام المحاكم أثناء فترة رئاسته وبعدها، شَيقة وفيها أكبر الدروس، لأنها تعطي لمن لا يقدر من القضاة أن يمارس استقلاله ولمن يقبل اللعب والتمثيل في مسرح السلطة والنفوذ أنه في الحقيقية يتجرُ بوظيفته ويتلاعب بالعدالة ويضع الألغام في طريق إقامة دولة القانون.

وما أحوجنا بالمغرب أن نعي كلنا ويعي قضاتنا على الخصوص أن ثمن وظيفة القضاء ثمن باهظ يتمثل في جوهره في رسم فاصل حقيقي دون مساومات الدولة ومع السياسي والمالي ومع نفوذهما يتساوى في ذلك قاضي النيابة العامة وقاضي الحكم، وأن نعي أن السلطة القضائية غدا والتي أسسها الدستور لا مناص لها من أن تؤكد منذ بداية ولايتها أانها فعلا سلطة وليست بيتا لسلطة أو سلطات أخرى أقوى منها، وأنها قادرة على إِعْمَال القانون دون كواليس، أي بعيدا عن المحاباة أو التعليمات أو الخوف، فالتاريخ القضائي بالمغرب أعطانا أمثلة من ملفات انهزم فيها القضاء واستقوى فيها النفوذ والسياسة والجاه. والمواطن اليوم ينتظر أن يرى كيف سينطلق عمل هذه السلطة الجديدة ولمن سيكون ولاؤها هل للقانون وسلطانه أم لأجهزة الدولة ونفوذها، كما ينتظر أن يعرف هل ستتصرف النيابة العامة باستقلال عن وزارة العدل فقط أم باستقلال عن الحكومة وأجهزتها، لان الخطير هو أن لا يكون استقلالها سوى استقلالا عن كل محاسبة ومراقبة ومساءلة لتخرج من تحت نفوذ وزير العدل وتصبح تحت نفوذ الدولة ونفوذ أجهزة أقوى لا نعرفها…