نبيل بكاني

لطالما وُظف القضاء في المغرب كأداة للحجر على الحريات و قمع كل من تجاوز الخطوط الحمراء التي خطها بعض المتنفذين داخل أجهزة الدولة، لحماية مصالحهم و مصالح شركائهم و أعوانهم. و بسبب عقود من الفساد و الشطط في استخدام السلط و الصلاحيات الممنوحة للمسؤولين داخل جهاز القضاء، عم الخراب منظومة العدالة المغربية و تحول القضاء إلى أحد أهم مكامن الفساد و المتاجرة في حقوق المواطنين. و قد ظل حتى وقت قريب، أي كلام حول هذا الجهاز، من أكبر المحرمات، و التي بسببها وجد الكثير من الصحفيين و الحقوقيين أنفسهم قيد المتابعة و في العديد من الأحيان، السجن.

اليوم، و بعد الحكم الذي أصدره القضاء الأميركي و القاضي برفض تنفيذ منطوق حكم صادر عن القضاء المغربي قبل سنوات، فيما بات يعرف بقضية جون بول ديجوريا، رجل الأعمال الأميركي، و الذي أدانته احدى المحاكم المغربية، بدفع تعويض وصل إلى 122.9 مليون دولار لصالح شركائه في مشروع للتنقيب عن البترول في الأراضي المغربية، بمبرر عدم استقلال القضاء المغربي، مستدلا على استنتاجه ذلك، من خلال تصريحين سابقين لكل من المستشار الملكي، و وزير الخارجية الأسبق "طيب فاسي فهري" الذي قال فيه بالحرف إن "هناك قضاة يتلقون تعليماتهم عبر الهاتف"، و أيضا استنادا إلى مجموعة من التقارير الدولية، و على احتجاجات القضاة سنة 2012 التي نادت باستقلال مؤسسة القضاء، و الذي أدلت بعض الأطر القضائية نفسها، بشهادات تفضح استشراء الفساد و الرشوة داخلها. و بعد هذا الحكم الذي وجد وزير العدل و الحريات نفسه، عاجزا أمام وقعه، صامتا، غير قادر على إبداء مرافعاته ضد الجهة التي أصدرته، أو توجيه أي اتهام لها بالإنحياز و عدم الموضوعية؛ و هي المفردات التي ألف ترديدها بعض مسؤولي الحكومة أمام الصحافة و في الملتقيات، كلما صدر تقرير حقوقي دولي يدين غياب العدالة و حقوق الإنسان في المغرب. يجد القضاء المغربي، اليوم، نفسه مدانا أمام منظومة العدالة الدولية، مطالبا هو و الوزارة الوصية عليه أكثر من أي وقت مضى، بالدفاع عن "النزاهة" التي طالما صُبغ بها قضاءنا؛ و هي "النزاهة" التي تسببت في رمي العديد من الصحافيين في غياهب السجون، بتهمة التشكيك في نزاهة القضاء، إلى حدود مجيء حركة 20 فبراير التي كسرت هذا الطابو، و منحت لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث، الجرأة لطرح الموضوع للنقاش العام، و لأول مرة أصبح القضاة نفسهم يخرجون للعلن محذرين من انتشار الفساد و الرشوة داخل مؤسستهم.

قد يستهين البعض بأهمية القرار القضائي الأميركي و تأثيره على سمعة المغرب، و قد يعتبرونه مجرد لحظة قضائية و سينتهي به الأمر بعد حين الى عالم النسيان، كما جرى في عدد من المحطات. لكن، على الفاعل الرسمي المغربي أن يضع في ذهنه أن أصدقاء الأمس الذين طالما نوهوا بالاصلاحات التي تبناها، قد ضجروا من وعوده التي لم تتحقق، خاصة في فترة حكومة بن كيران، التي يشهد فيها المغرب أكبر تراجع على مستوى حقوق الانسان، و هي الاصلاحات التي وعدت أعلى سلطة في الدولة بمباشرتها، ردا على الخروج المدوي للشارع المغربي بداية 2011 حاملا جملة من المطالب، صب جزء منها في مجال حقوق الانسان و العدالة بمفهومها العام. لقد مل هؤلاء "الأصدقاء" سماع أسطوانات البوليميك المكررة التي لا تصلح الا للاستهلاك الاعلامي.

و استمرار دعم هذه الأطراف للمغرب الرسمي، أمام ما ينجز من تقارير دولية ضد المغرب، سيتسبب في ضرب مصداقية هذه الأطراف أمام المعارضة في بلدانها و أمام الصحافة و سيسيء لصورتها في العالم. هذا، و دون أن نتغافل قراءت التأثيرات المستقبلية لحالة علاقتنا الرسمية مع فرنسا، و ما طبعها من نفور بعد صعود اليسار الى الحكم، و ما لحق ذلك الصعود من أزمات بين البلدين، من ضمنها حادثتي تفتيش وزير الخارجية صلاح الدين مزوار بالمطار الباريسي و استدعاء رئيس المخابرات المغربية حين تواجده في اقامة سفير المغرب بفرنسا.

أيضا، الولايات المتحدة التي شكلت على الدوام مصدر اطراء و تنويه للمسيرة الملكية فيما يخص الجانب الاجتماعي و الحقوقي في المغرب، و هنا يمكن التذكير بموقف ادارة الرئاسة الأميركية، تجاه طلب الزيارة الملكية الذي تقدم به المغرب للبيت الأبيض، و التي اشترط أوباما للموافقة عليها اطلاق سراح الصحفي علي أنوزلا مدير نشر موقع "لكم" الذي اعتقل تحت طائلة قانون الارهاب.

ان تراكم أوراق خروقات المغرب لحقوق الانسان على طاولات المنظمات الدولية المهتمة بهذا المجال و المشهود لها عالميا بالموضوعية و المهنية، سيضع المغرب في موقف ضعف، أمام المنتظم الدولي و أمام اتهامات خصومه بانتهاك حقوق الانسان، و سيجعله عاجزا عن ايجاد أجوبة مقنعة حول استمرار توظيف القضاء، توظيفا سياسيا في اضطهاد فاضحي الفساد من حقوقيين و صحافيين، كما حصل مع علي أنوزلا مدير نشر موقع "لكم" المحجوب بقرار من وزارة الاعلام و حميد المهداوي رئيس تحرير جريدة "بديل" الالكترونية و توفيق بوعشرين مدير جريدة "أخبار اليوم" و الناشطة الحقوقية وفاء شرف و غيرهم كثير، ناهيك عن العشرات من الناشطين السياسيين الذي زج بهم في السجن بتهم في ظاهرها تتعلق بالحق العام، لكن في باطنها هي تهم سياسية وجهت لهم بسبب تعبيرهم عن أراء مخالفة بواسطة التظاهرات الاحتجاجية في الشارع العام. الا أن هذا التراكم، و ان بدا أمامه المغرب صامدا، الى اليوم، الا ان الأكيد، أن المستقبل سيحمل تداعيا أقوى لن تقدر أي حكومة مستقبلية الصمود في وجهها.