بديل ــ الرباط 

واصل كتاب  "عبد الرحمان اليوسفي التناوب الديمقراطي المجهض"، لصاحبه الصحفي المغربي محمد الطائع، إثارة العديد من الحقائق المثيرة و الأحداث التاريخية التي عرفتها الحياة السياسية للإتحادي عبد الرحمان اليوسفي.

وكشف الصحافي في كتابه عن "تحدي" اليوسفي لقرار الملك الحسن الثاني، حين رفض التوقيع على تعويضات وزراءه باعتبارها "تبذيرا للمال العام"، مفضلا استثمار هذه المبالغ في أمور أخرى .

وتفيد الشهادة أنه ''قبل مجيء عبد الرحمان اليوسفي، كان وزراء الحكومات المتعاقبة يستفيدون من مبلغ 20 ألف درهم شهريا، وفق تقليد سنه الحسن الثاني مع وزراء حكومته. 20 ألف درهم تنضاف شهريا إلى أجرة الوزراء . وإذا كانت المراسيم الوزارية قد حددت بنص قانوني صريح تعويض الوزراء ووزراء الدولة والوزراء المنتدبين وكتاب الدولة وحتى أعضاء الدواوين الوزارية، والتي تصرف من الميزانية العامة للدولة، في 50 ألف درهما للوزير وحوالي 30الف درهما لكاتب الدولة و70 ألف درهما للوزير الأول، فقد كان الحسن الثاني يغدق على الوزراء 20 ألف درهم شهريا من ميزانية القصر، عبر حساب مفتوح في بنك المغرب باسم الوزير الأول.

وعليه جرت العادة دائما أن يوقع الوزير الأول على المبالغ الشهرية المخصصة للوزراء، ويتم صرفها لاحقا من بنك المغرب. لكن بعد مجيء اليوسفي وزيرا أولا سيرفض هذا الأخير استلام مبلغ 20 ألف درهما مكتفيا بتعويضه القانوني(70 ألف درهم) كما رفض التوقيع على وثيقة صرف اعتمادات القصر الملكي للوزراء طالما أن أجورهم وتعويضاتهم وامتيازاتهم قد حددت بمرسوم وزاري.

اتصل اليوسفي بوزير ماليته فتح الله والعلو وأخبره بأنه لن يوقع على صرف هذه المبالغ لنفسه ولباقي الوزراء، معتبرا إياها تبذيرا للمال العام، مفضلا استثمار مبالغ الحساب البنكي في أمور أخرى، وأن عليه أن يناقش هذه المسألة مباشرة مع القصر الملكي.

على عجل اتصل فتح الله والعلو بالكتابة العامة للديوان الملكي في شخص السيد ابراهيم فرج وشرح له الموضوع كما طلب مقابلة الحسن الثاني لبحث موقف اليوسفي معه.
بعد ذلك بثلاثة أيام يستقبل الحسن الثاني فتح الله والعلو، بمعية مسؤولين ومستشارين في الديوان الملكي. لكن والعلو لم يستطيع إقناع الملك بقرار اليوسفي، رغم كافة الحجج التي قدمها. وقد قال والعلو للملك :"يا جلالة الملك، إن سي عبد الرحمان يمتنع عن التوقيع، انسجاما مع موقفه من مبدأ ترشيد نفقات الدولة.''، فكان جواب الملك الحسن الثاني : "c'est des économies de rien".

في الأخير وجد والعلو مع الحسن الثاني واليوسفي صيغة مرنة لتجاوز هذا الوضع، بموجبه يتم صرف 20 ألف درهم للوزراء دون توقيع اليوسفي، وقد ظل اليوسفي متشبثا بموقفه إلى أن توفي الحسن الثاني .

وبعد اعتلاء محمد السادس عرش المغرب، طلب اليوسفي مجددا من وريث العرش ما سبق أن طلبه من والده الحسن الثاني، فاستجاب محمد السادس بشكل تلقائي لطلبه ، بل وجد الملك طلب اليوسفي سديدا، واعتبر موقفه وجيها ومنطقيا، فتم التخلص من عادة سيئة سادة سنوات .
في الواقع لم يكن قرار اليوسفي في ''خفض أجور'' وزراء حكومته يحظى بدعم عدد كبير من فريقه الوزاري بمن فيه وزراء من حزبه، منهم من سجل امتعاضه سرا ومنهم من سجل موقفه علنا.

وتجاوز الأمر لاحقا إلا أن القيادي في حزب التجمع الوطني للاحرار ووزير حقوق الانسان محمد أوجار، سيكون أكثر الوزراء إلحاحا على استعادة 20 ألف درهما شهريا ولا يفوت أي فرصة للضغط على وزير المالية والعلو للتراجع عن قرار اليوسفي وانتقاده، ملفتا انتباه وزير المالية انه الأكثر تضررا من باقي زملائه في الحكومة .

بالموازاة مع ذلك، حرص اليوسفي (طوعا) على اقتطاع 20 ألف درهم شهريا من تعويضه الشهري القانوني (70 ألف درهما)وتحويله إلى ماليه الحزب وتوزيع مبلغ 10 آلاف درهم شهريا من أجرته الشخصية، بحرص وسرية وانتظام،على منظمات وجمعيات تنموية ومدنية ورياضية، أغلبها في العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء.

وقد امتد سلوك الوزير الأول والكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي إلى باقي الوزراء الاتحاديين طيلة تجربة التناوب التوافقي، حيث كان يتم اقتطاع مبلغ 8000 درهم من الوزراء و5000 درهم من كتاب الدولة لصالح مالية الحزب، باشراف مباشر من اليوسفي، بتنسيق مع الحبيب الشرقاوي، باستثناء أحمد الحليمي علمي الذي لم يكن يدفع مساهمته الشهرية لصندوق الحزب والمقتطعة من تعويضه الشهري كوزير.

كما أطلق الوزير الاتحادي، من باب تفعيل ''ميثاق التخليق"، سلسلة من القرارات لخفض النفقات، و ''اتقاء الله'' في المال العام، ومنها إيقاف كافة التعويضات، التي يستفيد منها أعضاء عشرا ت المجالس الإدارية، وكذا وزراء وموظفون كبار. ويشهد خبراء وزارة المالية في أرشيف هذه الوزارة الحساسة أن اليوسفي كان الوزير الأكثر حرصا على المال العام ونظافة اليد.

''علينا أن نكون قدوة ونعطي المثال للمناضلين والشعب على حد سواء"، هكذا كان اليوسفي يوجه كل وزرائه في الحكومة ورفاقه في الحزب.