حميد هيمة

إهداء.. إلى كل المكافحين من أجل حقوقهم في المغرب المنسي بعيدا عن "عيون" المركز!
ليست منطقة الغرب فقط مختبرا لفهم الخطاطة التحليلية لأطروحة الفلاح الحامي للعرش، بما يستبطنه هذا الأخير من رمزية الاستئثار بالسلطة والثروة، في "إعادة" توظيف شبكة أعيان العالم القروي في مشروع الانقلاب الملكي على النسق التحالفي للنخبة الحضرية/ الحركة الوطنية، بل تمثل المنطقة، أيضا، فضاء لمراجعة وتقييم الكثير من "يقينيات"، ما يُسميه ريمي لوفو، بهدوء العالم القروي في ضوء التحولات الاجتماعية والسياسية لمغرب ما بعد 20 فبراير.
الأعيان: ضمانة هدوء العالم القروي وصمام أمان الانقلاب الملكي عن التحالف مع النخب الحضرية.
تتهيكل الخطاطة العامة لأطروحة الكتاب، الذي ألفه الأستاذ الجامعي بمعهد الدراسات الجامعية بباريس، ريمي لوفو، في كيفية إحلال النظام الملكي، بما يمثله أيضا من رمزية التقليد والمحافظة، لشبكته الإدارية محل الإدارة الفرنسية بشكل تدريجي؛ مما مكنه من القيام "بدور الحامي والمؤطر للنخب المحلية، (وقد) سمح هذا التحالف، يُضيف لوفو، بين القصر وبين الأعيان الجدد بإعادة تكوين شبكة للتأطير الإداري القروي الضامنة لهدوء هذه العالم القروي"(ص. 110).
ولا يمكن فهم هذا التحالف، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، إلا بالانتباه إلى رغبة الفاعل الأول- النظام الملكي- في الانقلاب على تحالفه السابق مع النخب الحضرية التي جسدتها الحركة الوطنية، بما مثلته اجتماعيا من فئات البورجوازية الحضرية والأنتليجنسيا والبروليتاريا (ص.81). ورغم التضحيات الجسيمة لهذه الفئات المنضوية عضويا في الحركة الوطنية، بكل امتداداتها، في مطابقة مواقفها الوطنية الاستقلالية بمطلب عودة السلطان محمد الخامس إلى العرش، فإن ذلك لم يشفع لها في عهد الحسن الثاني؛ الذي قاد الانقلاب الملكي عن "النسق التحالفي من أجل ضمان سيطرة شبه مطلقة على الحكم"، وما أعقب ذلك من صراع دموي حاد طيلة ما عُرف بعقود الجمر والرصاص.
وما يثير الانتباه، في هذا الصىدد، هو كيفية استعادة/ إحياء ورعاية النظام المغربي لتحالفات الإدارة الاستعمارية مع النخب القروية لمواجهة النخب الحضرية الحاملة للقيم الديموقراطية؛ مثلما قامت سابقا الإدارة الاستعمارية بالتحالف مع أعيان العالم القروي ضد النخب الحضرية المطالبة بالاستقلال!
ما يهمنا، هنا، ليس تحليل الخطاطات التفصييلية لأطروحة ريمي لوفو، مع ما يثيره الموضوع/ الإشكال من أثار/ امتدادات هذه السياسة المُدمرة للفعل السياسي الديموقراطي، اليوم، في علاقة "تفاعلية" مع الإعاقات المستمرة لما يسمى مخزنيا بالانتقال الديموقراطي، بل يهمنا، أساسا، التركيز على الفصل السابع من هذا المؤلف؛ الذي ينطوي على اختبار فرضيات الأطروحة على (الـ"مغرب النافع")، وضمنه منطقة الغرب(ص.149).
والسؤال الموجه، لهذه القراءة الانتقائية من الناحية الجغرافية- المناطقية، هو: كيف رعى النظام المغربي النخب الإدارية في منطقة الغرب؟ وما الوسائل التي اعتمدها لاستنبات شبكته الإدارية التأطيرية؟ وكيف ضمن نجاحات أعيان العالم القروي بتسخير "التكافلات القبلية" وشبكة المنافد لقضاء المصالح؟
قبل استئناف تقديم الملخص التركيبي للتحليلات والخلاصات، أود الإشارة إلى أن الخلفيات الذاتية لإعادة قراءة الكتاب في ضوء "المستجدات" التي عرفتها، وتعرفها، منطقة الغرب تكمن أساسا في المكاسب التي أظهرتها الديناميات بالمنطقة في عز الحراك الاجتماعي والسياسي، الذي قادته حركة 20 فبراير، منذ أوائل سنة 2011؛ حيث نشط شباب المنطقة، في مدن القنيطرة وسيدي يحي وسيدي قاسم وسيدي سليمان وسوق الأربعاء، في "احتلال" الفضاءات العمومية ليس للاحتفال، بل لتنظيم فعاليات احتجاجية مختلفة ذات مطالب أفقية- وطنية اختزلها شعار: إسقاط الفساد والاستبداد.
كما أن صدى هذا الحراك الواصل إلى عمق العالم القروي، كما يمكن رصده في عدة مبادرات شبابية؛ مثل تأسيس تنسيقيات وجمعيات للشباب القروي من أجل إسقاط الفساد الانتخابي والريع الاقتصادي، غير أن المثير هو امتناع السلطة الترخيص للشباب القروي في الانتظام الجمعوي والمدني في زمن "حقوقي" ينتمي إلى ما بعد دستور يوليوز 2011؛كما تشيع السلطة ذاتها عبر وسائط الدعاية!
فهل ينجح شباب الغرب في تفكيك هذه الخطاطة المناهضة لروح العصر؟
الفلاح الغرباوي الصامت عن الفساد.
بداية، ما يثير الانتباه في التشريح العميق لريمي لوفو لحالة "النخب" في منطقة الغرب، هو انفرادها بالميزتين التاليتين:
• التكيف: نخب هذه المنطقة، عكس النماذج السابقة في الشمال والجنوب والريف، لم تتعرض للإلغاء، وعرفت كيف تتكيف في نفس الآن مع سيرورة التطور السياسي للبلاد (ص.158).
ووللبرهنة على ذلك، يمكن، مثلا، الاكتفاء بالنموذج التالي كحالة معبرة: وجود أفراد العائلة نفسها ممثلون عن الأسر المخزنية، ومنتخبون في الان نفسه عن أحزاب وطنية! بل أن أبناء الأعيان، في وصفة غريبة، ترشحوا باسم هيئات تقدمية تتطلع إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والاشتراكية!
• التسلسلات العائلية: امتدادا لمميزة السابقة، يستنتج لوفو تعقيدات ما يسميه بالنظام السياسي لجهة الغرب من خلال التسلسلات العائلية التي تطبع بميسمها المجموعات القبلية الثلات في المنطقة (ص.163).
وفي هذا الصدد، فإن التجارب السياسية للعائلات تشكل خزانا للنماذج التي توفقت في ضمان استمرارية العائلة، لمدد زمنية طويلة، على رأس الجماعات المحلية. فبعد وفاة الأب تنهض "اجْماعة"، في شكل بيعة صغيرة، لتعيين/ انتخاب الابن رئيسا بتزكية من المخزن المركزي.
انطلاقا من هكذا وضع، وجد نظام الحسن الثاني، في لحظة الانقلاب على النسق التحالفي مع الحركة الوطنية، البيئة المناسبة في المجال الغرباوي لاستنبات النخب المحلية، المتكيفة باستمرار والمتحدرة من العائلات المخزنية، لقيادة التأطير السياسي للعالم القروي كشبكات محلية تعمل في إطار شبكة الحكامة القيادية Commandement التابعة لأم الوزارت (=وزارة الداخلية).
والأمثلة عن "توزع" أبناء العائلات المخزنية على الأحزاب الإدارية والأحزاب التقدمية، في إطار تبادل الأدوار والمنافع، واضحة وجلية في إقليم سيدي سليمان!
وعموما، يستمد هؤلاء الأعيان نفوذهم من قربهم من مراكز القرار المخزني بشقيه الإداري والحزبي، ومن نظام الخدمات المختلفة لصالح الساكنة: تسهيل الحصول على الوثائق الإدارية، وتوزيع المواد الغذائية عبر التعاون الوطني والجمعيات...الخ.
ولم تتورع المصالح الإدارية في مساعدة أبناء العائلات المخزنية، سواء في الأحزاب الإدارية أو التقدمية، في اللحظات الانتخابية، أو إسنادهم عبر مختلف وسائط الدعاية الرسمية؛ خاصة وأن منطقة الغرب "استفادت" بشكل مبكر من تغطية البث الإذاعي والتلفزي؛ حيث تُصر الشبكات الإعلامية على إظهار نخب/ أعيان السلطة في صور حية بالقرب من رموز الدولة لتمرير رسالة مشفرة إلى ساكنة العالم القروي مفادها: "الرْضا" ممدود إلى هذه الفئة المحظوظة!
وإذا كانت الحركة الوطنية قد ضمنت تغلغلا نسبيا في أوساط المجتمع الحضري، وخاصة في صفوف الفئات المتنورة والعمال، فإن النظام، عبر شبكته الإدارية، اهتدى في صناعة أعيان عالمـ(ه) القروي إلى إعادة تشغيل وجوه مارست سابقا مهاما مخزنية كفئة قدماء المحاربين في الجيش الاستعماري الفرنسي بالحرب الصينينة، أو القياد والشيوخ والمقدمية؛ الذين راكموا خبرات إدارية واجتماعية كفيلة لضمان شروط نجاح فعلهم الحزبي. وفي هذا السياق، يستدعي لوفو تجربة ترشيح جبهة الفيديك- الدفاع عن المؤسسات الدستورية بالقنيطرة لـ"مولاي" علي الزرهوني، ملازم أول سابق بالجيش الفرنسي وقائد سابق بتزناخت، في مواجهة الراحل عبد الرحيم بوعبيد، عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وقد عوض الأعيان الارتباط التنظيمي لأحزاب الحركة الوطنية بالاعتماد على التكافلات القبلية والتضامن الإثني في الاستحقاقات الانتحابية؛ خاصة وأن التقطيع الترابي، الذي تشرف/ تصنعه وزارة الداخلية، يصنع خرائط انتخابية تساهم في تحديد الفائز قبل إجراء عمليات الاقتراع!
غير أن هذه المعطيات ليست "مطلقة" ودائمة، ففي حالة احمد ميس، مرشح الحركة الشعبية، فقد استورد عصبيات إثنية وافدة لتعزيز عمقه القبلي والانتخابي في سيدي يحيى الغرب في مواجهة مرشح الأحزاب الوطنية ذات النفوذ في صفوف المجتمع الحضري.
وفي المحصلة، فإن الدولة، التي استأثرت بالسلطة والثروة، لم تضمن استمرارية نفوذها، في مواجهة القوى الوطنية والتقدمية المتنفذة في المجتمع الحضري، إلى جانب تهديدات الانقلابات العسكرية، إلا بتسخير شبكة الأعيان لضمان، ما يسميه لوفو، هدوء العالم القروي.
أفق التحرر .
يجب الإقرار، بدءا، بأن النتائج السياسية والاجتماعية لنظام النخب المحلية، المساندة للنظام مقابل تغول تلك الفئات على السكان ونهب الثروات، خلف أوضاعا مدمرة؛ ولا تعوز الأدلة لتأكيد ذلك، فمنطفة الغرب تحتل المراتب الأخيرة، حسب الترتيب الرسمي وفق مؤشرات التنمية البشرية، وتحول الفساد، المحمي من المركز، كبنية قائمة بذاتها وفق تراتبيات محددة، وبرموز تتحرك بنشاط لإعادة توزيع مغانم الفساد والريع من الأراضي الخصبة المنهوبة، وتخريب الغابات، والسطو على حقوق العائلات السلالية، والاستغلال للعمال وخاصة في ضيعات/ فيوداليات تتمدد يوميا بكل وسائل القهر والظلم.
أمام هكذا وضع، وكنتيجة لصدى حراك 20 فبراير، ولدت عدة مبادرات شبابية من قلب العالم القروي تتطلع إلى حماية حقوقها واسترجاع ثرواتها المنهوبة؛ كتجربة الشباب القروي في إقليم سيدي سليمان.
غير أن المثير، هو تلكؤ/ امتناع السلطة الاقليمية والمحلية في الترخيص لهؤلاء الشباب، الذي اسقط العلاقات المقطعية مع الأعيان، للعمل في المنظمات المحلية! وهو ما يفضح، في جوانب معينة، رغبة السلطة، رغم موجات التغيير العميقة في المحيط الإقليمي للمغرب، في حماية أعيانها وتقوية نفوذهم لمواجهة تحرك شباب العالم القروي.
كما يمكن إثارة الانتباه إلى التعامل القمعي منهجيا ضد كل الفعاليات الاحتجاجية بمدينة القنيطرة، عاصمة الجهة، حيث تواثرت التدخلات القمعية العنيفة، ونشطت السلطة في حملة اعتقالات في صفوف كل الفئات المرشحة لتغذية الحراك الاجتماعي والسياسي.
وفي كل الأحوال، فإنه لا يمكن فهم "تمرد" الشباب فقط في ضوء حالة الظلم المزدوج من الأعيان ومن الدولة، بل أن للتحولات السوسيو اجتماعية مفاعيل قوية في تبلور وعي شبابي جديد؛ خاصة بعد ارتفاع نسبة التمدرس، ووصول أفواج من الشباب إلى الجامعات واحتكاكهم بالحركة الطلابية، وانفتاح قطاع واسع من سكان المنطقة، عبر الويب، على العوالم الأكثر تقدما، وتنامي الانخراط في المنظمات الحقوقية والنقابية والجمعوية التي غذت الإحساس بالظلم بوعي التمرد والانتفاض.
وبمكن، في هذا السياق، استعراض عدة شواهد ملموسة عن ذلك في التجارب التي قدمتها مختلف مواقع حركة 20 فبراير بجهة الغرب؛ من حيث:
سرعة التفاعل مع المبادرة في تأسيس تنسيقيات محلية، ونجاحها في تنظيم احتجاجات محلية خلال الشهر الموالي ل20 فبراير؛
التوسع المجالي لحركة 20 فبراير التي غطت كل المدن والمراكز الحضرية في الجهة؛
تحرير الفضاء العام كمجال للتعبير عن السخط الجماعي لعدة فئات متضررة من السكن أو العطالة أو الطرد التعسفي من العمل أو الظلم الناتج عن الشطط السلطوي...الخ؛
مشاركة شباب المنطقة في السجال السياسي الذي اعقب النقاش حول التعديلات الدستورية من خلال تنظيم عدة ملتقيات وندوات موضوعاتية؛
مباشرة شباب الجماعات القروية في تنظيم احتجاجات حاشدة في اتجاه المقرات الإدارية للمطالبة بحقوقهم في استرجاع الأراضي المنهوبة أو للمطالبة بحقهم في الحياة الكريمة.
بناء على ذلك، فإن الهدوء المصطنع للمجتمع القروي قد يخفي، في الحقيقة، تحولات عميقة في ذلك العالم الذي يفيض بالظلم والقهر والفساد!
(*) لوفو (ريفي)، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، ترجمة محمد بن الشيخ، مراجعة عبد اللطيف حسني، منشورات وجهة نظر، 2011.