يشكل عرض مشروع قانون المالية على أنظار البرلمان مناسبة دستورية وسياسية هامة خلال السنة التشريعية ،حيث تبرز فيها التوجهات والاختيارات الأساسية للحكومة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ،مثلما تبرز فيها توجهات وبرامج مختلف الأطياف السياسية ، والنقابية ، والمهنية الممثلة في البرلمان ، ما يجعل دور البرلمان في مراقبة عمل الحكومة ،-بما فيه مشروع قانون المالية ،الذي يكتسب مشروعيته من مصادقة البرلمان عليه- يبرز في هذه المحطة بشكل لافت ..وهكذا فإن عرض حكومة عبد الإله بنكيران لمشروع قانون المالية للعام 2016 ،يمثل فرصة سانحة أمام أعضاء البرلمان ،وخاصة أمام المعارضة البرلمانية لممارسة سلطتها الرقابية إزاء مشروع قانون المالية ،فما هي حدود سلطة البرلمان على مشروع قانون المالية ،وخاصة فيما يتعلق باقتراحات التعديل على بنود مشروع قانون المالية من طرف الأحزاب الممثلة في البرلمان ، وما هو مضمون الفصل 77 من الدستور الذي تتحجج به الحكومة -غالبا- لرفض اقتراحات التعديل ،التي يتقدم بها البرلمانيون على مشروع قانون المالية؟ وما هي مآلات هذه الاقتراحات؟ 


حدود "سلطة "البرلمان إزاء مشروع قانون المالية..
من الناحية المبدئية، يعتبر البرلمان صاحب الاختصاص في المجال المالي، بما في ذلك مشروع قانون المالية ، الذي يمر لزوما عبر مصادقة البرلمان على مشروعه ،لكن في الواقع والممارسة ، يظل هذا الاختصاص مقيدا بمجموعة من المقتضيات والنصوص الدستورية والقانونية والتنظيمية ، إلى الحد الذي يجعله منه مجرد مقتضى شكلي وغير ذي جدوى ،طالما أن قبول تعديلات البرلمانيين (في غياب إمكانيات أخرى لرفض تمريره..) مشروط بامتثالها- أي التعديلات- لمجموعة من الضوابط والقواعد القانونية تحت طائلة الرفض من طرف الحكومة التي ،غالبا ما ترفض – ابتداء- كل تعديل يقدمه البرلمانيون على مشروع قانون المالية قبل أن تشهر في وجهه الضوابط القانونية إياها ،مما يحول في الغالب الأعم دون قبول التعديلات التي يتقدم بها نواب الأمة ،والتي يجب أن تراعي الشروط المنصوص عليها في الدستور أولا،وفي القانون التنظيمي للمالية ثانيا، ثم في النظاميين الداخليين لمجلسي البرلمان ثالثا،ومن ذلك على سبيل المثال ،أن تندرج التعديلات المقترحة في اختصاص القانون ،وأن يكون مشروع قانون المالية الإطار القانوني المناسب لاستيعابها ،وكذلك أن تستحضر التعديلات المقترحة مقتضيات الفصل 77 من الدستور،وأن تراعي التلازم القائم بين قانون المالية وقوانين أخرى (المدونة العامة للضرائب،والمدونة العامة للجمارك..الخ) ،كما يجب أن يصاحب كل اقتراح تعديل يهم تخفيض مورد عمومي اقتراح لتعويضه..إلى آخر هذه الشروط التي تجعل من العسير على البرلمانيين إلى حد الاستحالة إدخال تعديلات على مشروع قانون المالية ،لكون هذا الأخير قائم على توازن سابق بين الموارد والنفقات ،بالإضافة إلى ارتباطه بتوازنات معينة تتعلق بالتزامات المغرب مع الخارج ،وخاصة مع المؤسسات المالية ، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي ،ذلك أن مشاريع قوانين المالية اليوم يصعب أن تقوم على تصورات ضيقة في زمن أضحت فيه التزامات الدول متداخلة ، ناهيك عن ارتباط مشروع قانون المالية ببرنامج الحكومة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ،ولعل هذه المعطيات مجتمعة هي ما يعقد إمكانيات إدخال تعديلات على مشاريع قوانين المالية ،ويلزم المعارضة بمراعاة مجموعة من الشروط عند تقديمها لمقترحات التعديل على مشروع قانون المالية ،وذلك لتلافي الرفض الذي تجابه به من طرف الحكومة التي تسارع إلى إشهار الفصل 77 من الدستور في وجه تعديلات البرلمانيين..فما هو مضمون هذا الفصل ؟
الفصل 77 من الدستور،أو"فيتو" الحكومةعلى تعديلات البرلمانيين
ينص محتوى الفصل 77 من دستور فاتح يوليوز 2011 ، على رفض المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء مجلسي البرلمان على مشروع قانون المالية ، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية ،أو إحداث تكليف عمومي ،أو الزيادة في تكليف موجود ،وهذا الفصل هو استمرار للفصل 51 من دستور1996، مع إضافة تعديل طفيف يتعلق بضرورة بيان الأسباب الموجبة للرفض ،وذلك لتفادي كل تأويل تعسفي من جانب الحكومة إزاء اقتراحات البرلمانيين..وتتعزز المقتضيات أعلاه على مستوى القانون التنظيمي للمالية ،مثلما تتعزز على مستوى النظاميين الداخليين لمجلسي البرلمان ،حيث تتضافر مجموعة من المقتضيات الدستورية والقانونية والتنظيمية على تقييد سلطة البرلمان في المجال المالي عموما..وهكذا درجت الحكومات المتعاقبة على التحجج بهذه المقتضيات لقطع الطريق على كل مبادرة أو تعديل لأعضاء البرلمان ،من شأن قبوله أن يؤدي - بنظر الحكومة - إلى تخفيض الموارد العمومية ،أو إحداث تكليف عمومي ،أوالزيادة في تكليف موجود ،وهذا ما يجعل تعديلات أعضاء البرلمان على مشروع قانون المالية مجرد اقتراحات للاستئناس لا تلزم الحكومة في شيء ،مما يثير غضب المعارضة تحديدا، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمبادرات واقتراحات معقولة وجادة ، تستوفي الشروط المطلوبة ،لكنها تصطدم ب "فيتو" الحكومة- أي بالفصل 77 من الدستور- الذي تشهره في وجه المعارضة كي تحرمها من "شرف" المساهمة في بناء معالم القانون المالي ،فما هو مآل إقتراحات التعديل التي يتقدم بها أعضاء البرلمان على مشروع قانون المالية ؟
مآل تعديلات البرلمانيين..الرفض غالبا
رغم كل اللغط والصخب اللذان يصاحبان عرض مشروع قانون المالية على أنظار البرلمان قصد مناقشته ،ثم المصادقة عليه ،فإن دور البرلمان ،وخاصة فرق المعارضة في تعديل ملامح مشروع قانون المالية يبقى ضعيفا إلى منعدم ،مما يبين الدور المحدود للبرلمان في التشريع ومراقبة الحكومة ..وبناء عليه من المنتظر أن يوافق البرلمان على آخر مشروع قانون مالية في ولاية حكومة عبد الإله بنكيران ،دون أن يفلح أعضاءه ،وتحديدا فرق المعارضة في تمريرأي تعديلات ذات بال على مشروع قانون المالية للعام 2016 ،إلا ماكان من تعديلات طفيفة تقدمت بها في الغالب فرق الأغلبية الحكومية ،وساهمت المعارضة في مناقشتها دون أن تتمكن من إملاء اقتراحاتها التي يكون مآلها في الغالب الرفض ، بغض النظر عن وجاهتها ، أو انضباطها للمقتضيات الدستورية والقانونية والتنظيمية، ذلك أن الحكومات تحرص على أن لا تمنح لأعضاء البرلمان بصفة عامة، ولفرق المعارضة بصفة خاصة ، فرصة "للاستدراك عليها" ،أوالظهور أمام الرأي العام بمظهر " الموجه" و"المصحح" لسياساتها من خلال مشروع قانون المالية ،الذي يعتبر التجلي الأبرز لبرنامج الحكومة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية..لذلك لن يفلح التعديل الطفيف الذي لحق الفصل 77 من الدستور،الذي ألزم الحكومة ببيان أسباب رفضها لاقتراحات التعديل التي تتقدم بها المعارضة على مشروع قانون المالية ،في منعها من الاستمرار في تجاهل اقتراحات البرلمانيين،وخاصة اقتراحات فرق المعارضة على مشروع قانون المالية ،فستكون هناك -دائما- أسبابا - بنظر الحكومة - موجبة لرفض تعديلات المعارضة ،قد لا تكون أسبابا "مشروعة" ووجيهة بالضرورة بل أسبابا "سياسة" ومصلحية في الغالب ..ومن هنا رفض الحكومة لاقتراحات التعديل التي يتقدم بها أعضاء البرلمان على مشروع قانون المالية..!