تأملوا هذا الكلام الخطير جدا، لعبد الإله بنكيران، أمين عام حزب "العدالة والتنمية"، والمتداول، اليوم، بشكل واسع على الصفحات الإجتماعية، على خلفية تصريحات أدلى بها الأمين العام لحزب "الاستقلال" حميد شباط، مؤخرا، لإذاعة "ميد راديو" قال فيها شباط: "عندما جرى تعيين بنكيران استقبلني في مكتبه بتزامن مع تعيين فؤاد عالي الهمة في الديوان الملكي، فخاطب بنكيران الهمة قائلا السي فؤاد، انت هبة من عند الله، انت أكرمنا بك سيدنا، وحنا نتعاونوا وما تديش عليا يلا سمعتي شي تصريح ولا قريتي فشي جريدة، راه غير كنكون خارج الموضوع وأنا منفعل، وغنخدموا اليد فاليد”.
يقول بنكيران، في كلامه الخطير للغاية عن الهمة، والذي يتضمنه الشريط أسفله: "لم يستطع أن يهزمنا رغم علاقته بالملك، بل حتى وهو وزيرا منتدبا في الداخلية، وبعد أن رأى الإخوان ينتخبونني على رأس الحزب، سارع إلى تأسيس حزب، في بضعة شهور، ومع ذلك تصدر نتائج الانتخابات، بعد أن وُضِعت وسائل الدولة رهن إشارته، ثم كسروا تحالفاتنا في الدار البيضاء مع ساجد، الذي سيرنا معه هذه المدينة لمدة ست سنوات، فكسروا لاحقا تحالفاتنا في طنجة ووجدة والرباط وسلا، قبل أن يحيكوا الألاعيب لجامع المعتصم، ويلفقوا له ملفا مفبركا، فأدخلوه للحبس، وكل ذلك ليقنعوا المستشارين ورجال الأعمال والموظفين بعدم الاقتراب من حزبنا".
ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني، بحسب بنكيران، أن الهمة استغل نفوذه وصداقته بالملك لتفكيك تحالفات حزبية خاصة بعمادات عدد من المدن الكبرى، بل والأخطر والأفظع، أنه بحسب نفس المتحدث، فبرك ملفا لمواطن "بريء" وأدخله للحبس، "ظلما وعدوانا" !
إذن نحن أمام كلام في غاية الخطورة، صادر عن مسؤول حزبي كبير، مما يقتضي إعمال القانون معه، فإما أن بنكيران يفتري على الهمة كذبا ويتحدث عن تصرفات تكتسي وصفا لجريمة لا وجود لها في الواقع، فيكون بذلك تحت طائلة المساءلة القضائية طبقا للفصل 264، من القانون الجنائي المغربي، الذي يعتبر إهانة، ويعاقب بهذه الصفة، قيام أحد الأشخاص بتبليغ السلطات العامة عن وقوع جريمة يعلم بعدم حدوثها أو بتقديم أدلة زائفة متعلقة بجريمة خيالية، وكذا طبقا للفصل 445 الذي يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى ألف درهم كل من أبلغ بأية وسيلة آكانت، وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر ، وهما الفصلين الذين بموجبهما يوجد اليوم ناشطين من حركة 20 فبراير في الحبس، وهما وفاء شرف القابعة بسجن طنجة وأسامة حسني القابع في سجن عكاشة بالدار البيضاء.
في ملف كريم لشقر تتابع الإدارة العامة للأمن الوطني صحفيا، بتهمة "الوشاية الكاذبة والتبليغ عن جريمة يعلم بعدم حدوثها وبإهانة هيئة منظمة"، وهل هناك إهانة أكبر من إهانة المؤسسة الملكية ووزارة الداخلية، بادعاء أن شخص استغل قربه من الملك وعمله داخل هذه الوزارة لإفشال تحالفات حزبية لرئاسة جماعات وعمادات بعض المدن وإلوقوف وراء تلفيق وفبركة ملف لإدخال مسؤول جماعي "بريئ" إلى السجن لتشويه صورة حزب سياسي معترف به، من قبل الدولة نفسها، طبعا إذا صحت وشاية بنكيران.
تصوروا مستوى العبث الذي وصلت إليه الدولة المغربية، بوشعيب أرميل، وهو رئيس جهاز الأمن الوطني، المعين من قبل الملك، يقاضي صحفيا، فقط لأنه نقل خبرا عن مواقع إلكترونية والجمعية المغربية لحقوق الانسان والوكيل العام السابق لدى استئنافية الحسيمة، والأفظع بل والسخافة التي ما بعدها سخافة أن دفاع أرميل يسأل الصحفي في الجلسة الأخيرة ليوم 4 ماي، لماذا نشرت خبرا منشورا؟ والأحرى أن يجيب عن سؤال الصحفي: لماذا لم تقاض، الذين نقل عنهم الصحفي الخبر !؟ علما أن الملك يقول "المغاربة عندي سواسية"، فأي مصداقية يترك أرميل، اليوم، للخطاب الملكي مع هذه المتابعة، التي تكفي لوحدها بإسقاط حكومة لو وجدت برلمانا أصيلا ونخبة أصيلة ومعارضة تعرف من أين "يؤكل الكتف" في إطار تدبير الصراع من أجل الوصول إلى السلطة لبناء الديمقراطية.
وأي مصداقية بقيت لشعار دولة الحق والقانون والحريات وحقوق المواطنين، التي يسهر الملك على حمايتها، وفقا لما ورد في الفصل 42 من الدستور؟ أين نحن من سمو القانون الذي يطبق على البعض ويستبعد في مواجهة البعض الآخر؟ هل بهذه الإزدواجية نؤسس للمواطنة؟ أين نحن من ربط المسؤولية بالمحاسبة ؟ أين نحن من المساواة؟
في الدول التي تحترم شعوبها والقانون، يكفي فيها تبادل اتهامات بين نائب رئيس الوزراء بولند ارينج ورئيس بلدية العاصمة التركية مليح غوجك، شهر مارس من السنة الماضية لمثول الجميع امام القضاء، وإذا وُجهت اتهامات للأجهزة الأمنية في بريطانيا بشأن تورط في تعذيب مواطنين احتجزوا في دول أخرى فإن الحكومة لن تستثن من المساءلة، وحتى إذا كان المتهم يحمل اسم جاك شيراك بصفته رئيس دولة فرنسا سابقا، فإنه ليس فوق القانون، إذا اتهم بتوظيف أشخاص خارج القانون والمشروعية حتى وإن كان هذا الفعل يعود لسنوات بعيدة.
وفي المغرب الحبيب، يتحدث رئيس الحكومة عن استشهاد زميله عبد الله باها، ويتَّهِم صراحة الرجل الثاني في حركة "التوحيد والإصلاح" امحمد الهيلالي، حميد شباط بالتسبب في وفاة باها، ويحمل "المجلس الوطني لحقوق الإنسان"، وهو مؤسسة رسمية، صراحة السلطات المغربية مسؤولية وفاة رشيد الشين في "آسا" وكمال العماري في آسفي، ويُظهر شريط فيديو رجال شرطة يضربون الراحل كريم الشايب، والأخطر من كل ما سبق، أن رئيس الحكومة المعين من طرف الملك يتهم المستشار الملكي، المكلف بملفات الأمن والإعلام والسياسة، حسب ما يذهب إليه عدد من المراقبين...بتدمير تحالفات الأحزاب داخل عمادات، بل ويا للفظاعة، التي ما بعدها فظاعة، يتهمه بإدخال مسؤول حزبي "بريء" إلى الحبس، ولا يفتح تحقيق في كل هذه الاتهامات، ولا يحال أحد على المتابعة، وحين يقوم صحفي بعمله العادي جدا في نقل خبر، نقلته قبله العديد من المواقع الإلكترونية، بل وينقل تصريحات لمسؤولين، تشهد الدولة المغربية على كفاءتهم وأهليتهم، آنذاك فقط تهتز غيرة الدولة على القانون وهيبة مؤسساتها، لتقرر متابعة الصحفي، فقط لأنه رفض أن يخون رسالته، اللهم إن هذا لمنكر، اللهم إن هذا لمنكر....