إن الفرد العربي يوجد اليوم أمام تحديات كبرى، وضعته أمام خيارات صعبة ومصيرية، لم يكن معتادا في مرحلة الاستبداد السابقة على مواجهتها.

لقد كان عرب الجاهلية على أعراف من الشهامة والحميّة والكرم، بها تمكنوا من إحراز تواجد "سياسي" محلي في محيطهم القبلي، وإن لم يبلغوا مكانة تؤهلهم لمنافسة الإمبراطوريات التي كانت تحوز الثقل "العالمي" بالمعنى المناسب لذلك الزمان؛ ونخص بالذكر الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية.

ثم جاء الإسلام ليعيد بناء الكيان العربي على وحي من الله، أسس أول دولة بالمعنى المعروف آنذاك في المنطقة، ووحد القبائل التي كانت متناحرة فيما بينها، في غياب أدنى وعي استراتيجي. وسرعان ما صارت الدولة (الأمة) الإسلامية وريثة للإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، فغدت بذلك القوة العالمية الكبرى، التي يُحسب لها في العلاقات الدولية وقتها، ألف حساب.

وما لبثت الدولة الإسلامية أن بدأت في التقهقر لأسباب أهمها الخروج عن النهج المستقيم للدين، والتحريف الذي لحق الأحكام على أيدي فقهاء السلاطين، الذين أفرغوا التدين من محتواه؛ بلغ مبلغه زمن آخر ملوك العثمانيين، عند صعود النعرات القومية (العروبية خصوصا) التي غطت على الوازع الديني، وصيرته تابعا لها في المرتبة الثانية.

ولقد أدى هذا الوضع المتدهور إلى إغراء الدول الأوربية باستعمار أجزاء كبيرة من الوطن العربي، وإخضاعه لعملية مسخ ممنهجة، لم تنمح معالمها رغم تحقق الاستقلال الصوري للأقطار العربية بعد مدة الاحتلال.

ولقد حاولت الشعوب العربية الخروج من أزمتها التي بلغت بها درجة التساؤل عن الهُوية على أصعدة التاريخ والقومية والدين جميعا، مع محاولة استنساخ للتجربة الأوربية في بناء ما يسمى "الدولة الحديثة"؛ فكان التناول الفكري والسياسي أقل اكتمالا من أن ينتج جوابا مكافئا لضخامة هذا السؤال.

ولقد ضاقت الشعوب العربية من صنف الحكم الذي ساد بعد "الاستقلال"، إلى درجة الرفض والغضب اللذين كانا وقود ما سمي بـ "الثورات العربية"، التي صارت تتلاحق من قطر إلى قطر؛ معيدة السؤال الكبير من جهة واقعية، سبقت تنظير النخب واستشراف المفكرين. لم تكن الشعوب على وعي تام، أنها تعيد السؤال على المستوى الفردي، الذي ظنوا أنهم سيتلافونه باعتماد صيغ الاحتجاج الجماعية والدخول في مختلف التكتلات والتيارات.

إن فشل ما يسمى "دول الربيع العربي" في تجاوز الجسر الانتقالي إلى تحقيق كيانات متماسكة ترضي تطلعات الشعوب، يعود إلى الخواء الفردي وانمحاء الشخصية لدى الفرد، قبل أن يكون من القصور الجماعي.

إن الفرد العربي اليوم، ليس له من مقومات تشكيل الشخصية، إلا هوية باهتة، ضائعة في مناخ عولمي، كأنها من غير لون. وإن محاولات الإجابة عن سؤال الهوية من قِبل الجماعات الدينية، لم يزد الأمر إلا استفحالا، في غياب القيادات الربانية التي تربط الناس بربهم ربطا حقيقيا لا ظنيا كما هو الواقع. أما الإجابات المقترحة من قِبل السياسيين، فإنها لا تعدو أن تكون وجها من أوجه الفساد الذي عم البلاد، بمخالفتها لأدنى شروط الفكر السياسي.

لم نر في هذا الوضع، من يُنبه إلى المرتكز الفردي للمسألة، ممن يتناولون الكلام في الإعلام أو ضمن المجالات المتخصصة الأكاديمية، إلا نادرا جدا. إن توجيه الاهتمام إلى الفرد، سيكون مؤشرا أولا على بداية المعالجة الصائبة، التي يمكن أن يتولد عنها حل تدريجي للأزمة المتعاظمة.

ولا إصلاح للفرد معتبَرا إلا بالدين؛ ولا دين مدرَكا، إلا بالتحقُّق؛ بعد أن صار التدين الشائع بين الناس، ضربا من أضرب النفاق؛ ولا تحقق بالدين، إلا من وراء الاستمداد من معين النبوة الفياض لدى الوارثين. وبعد تشخيص الداء ومعرفة الدواء، لا يبقى أمام الفرد إلا بدء مرحلة العلاج، أو الاستعداد لاستقبال الموت. ولا نعني بالموت هنا، إلا الموت القلبي، الذي يخسر به المرء مرتبة إنسانيته، ويستحق به الانخراط في جملة البهائم، التي لا يحق لها أن تتكلم عن أزمة أو عن حل؛ بل تنتظر ما يُفعل بها من تسمين أو ذبح أو تسخير، بحسب حسابات، كلها خارجة عنها، إدراكا وفعلا.