أحمد ابن الصديق

إنه المفهوم القديم الجديد الذي أصبح حاضرا في المواد الإعلامية وعناوين الجرائد الورقية والرقمية، رغم غيابه عن قاموس الإعلام الرسمي. فما هو هذا الكائن الجديد الذي لم يسبق أن خضع للتحليل أو التمحيص أو حتى الأخذ بعين الاعتبار عند محاولات فهم بعض القرارات المفاجئة المتضاربة والمتناقضة؟

هل هو بدعة لغوية، أم أداة من أدوات الحكم لا يعرفها الدستور المكتوب ولكنها من صميم "الدستور العرفي"، أم من اختراعات الحقل السياسي على النمط المغربي الذي لا تنقضي عجائبه (الملكية الاستراتيجية، التناوب التوافقي، التنزيل الديمقراطي، الاستفتاء التأكيدي، المفهوم الجديد للسلطة، المجتمع الحداثي الديمقراطي، الأصالة والمعاصرة...)، أم هو من ابتكارات الحكامة "المولوية" التي يحتكرها الملك فهي حلال عليه وحرام على غيره من المسؤولين حيث قلما سمعنا عن غضبة رئيس الحكومة أو غضبة وزير أفقدت مسؤولا كبيرا منصبه بسبب تعسف أو فساد أو تهاون في القيام بالواجب. ذلك أن الحكومة من أمِّ رأسها إلى أخمص قدميها تدرك أن غضبها حتى لو كانت ممارسته جماعية فإن كثيرا من الأجهزة والمؤسسات لن تكترث لغضبتها لكون تلك المؤسسات لا تعترف فعليا إلا بسلطة القصر، وهوما أكده رئيس الحكومة عندما صرح على رؤوس الأشهاد أن الملك هو من يحكم البلاد. ومن كان يحكم البلاد منفردافلا غرابة أن يحكم في الغضب ويحكم بالغضب بل ويحكم حتى على الغضب، فيغضب عمَّن يشاء ويرضى عمَّن يشاء.

كما تطرح حكاية هذه الغضبات المفترضة وخاصة تلك التي تثيرها شكاوى مواطنين (كما حصل مؤخرا في مدينة الحسيمة، أبلغوها مباشرة للملك وسلموه يدا بيد ملفات عما تعرضوا له من حيف حسب منظورهم) مسألة من لم تُتح له الفرصة للقاء الملك مباشرة، فأين هي دولة المؤسسات وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين؟ أم أن الحصول على اهتمام بشكاية أو تظلم أصبح شبيها باليانصيب ولعبة البوكر؟ من كان محظوظا ربح الغضبة الملكية ومن لم يكن محظوظا فليَمُت كمدا أو ليذهب إلى الجحيم!
إن الإعلام الذي يغرق في استعمال هذا الصنف من المصطلحات الغامضة (مثل مصطلح الجهات العليا) يكرس عن غير وعي في ذهن المواطن القارئ تعايشا وتطبيعا مع استمرار الحكم الفردي والقرارات الاستبدادية الخاضعة لتقلبات المزاج ومصالح الوسطاء وأهواء البطانة، وهذه نماذج من بعض الغضبات الملكية التي شملت أكثر من ميدان، من الخدمات البلدية إلى السياسة،ومن الأمن إلى الرياضة، ومن الطب إلى الإعلام، وهنا رصد لبعض عناوين وفقرات من مقالات وأخبار منشورة على الجرائد الرقمية المغربية كلها تتحدث عن "الغضبات الملكية" الميمونة:

1. أول رئيس منتخب للهيئة الوطنية للأطباءينتظر الاستقبال الملكيفهل للأمر علاقة بغضبة ملكية؟ بعد مرور أزيد من شهر على انتخاب الحسين الماعوني، مدير مستشفى الولادة ابن سينا بالرباط، رئيسا جديدا للهيئة، خلفا لمولاي الطاهر العلوي، الرئيس السابق الذي قضى ثمان سنوات على رأس أهم تمثيلية لأصحاب البذلة البيضاء على الصعيد الوطني، بدأ الحديث في ردهات ومكاتب المؤسسات الصحية عن سبب عدم استقبال الملك محمد السادس لحد الآن للماعوني، وهل للأمر علاقة بغضبة ملكية..."(عن موقع كود)

2. الملك غاضب من "سميرة سيطايل" من إقحام اسمه في صراع التلفزيون. أوردت مصادر عليمة ما مفاده أن الملك محمد السادس 'غاضب' من تصريحات سميرة سيطايل الأخيرة والطريقة 'الفظة' التي تم من خلالها إقحام اسم الملك في صراعات سيطايل مع خصومها..."(عن موقع زنقة20 )

3. علم موقع "نون بريس" أن غضبة من غضبات الملك قد طالت أحد رجال الشرطة، في أخر لحظة من زيارة الملك للدار البيضاء، مساء يوم أمس، بحيث قامت مصالح الأمن بالدار البيضاء بمجرد من توصلهم بالخبر من قبل الحارس الخاص للملك عزيز الجعايدي، الذي أوضح بحسب مصادر "نون" أن سبب غضبة الملك على أحد الصقور، هو أن رجل الشرطة لم يقم بأداء التحية للملك، وفي نفس اللحظة نقل الشرطي المغضوب عليه إلى معهد الشرطة بالقنيطرة للتأديب...(عن موقع نون بريس)

4. أقدمت الإدارة العامة للأمن الوطنيعلى إعفاء العميد الإقليمي كرماح رئيس منطقة أمن عين السبع من مهامه وتنقيله إلى مدينة تاوريرت بدون مهمة بسبب خطأ مهني عند مرور الموكب الملكـي، ويأتي هذا الإجراء إثر غضبة ملكية بعد أن احتج سكان كاريانسانترال بالحي المحمدي بالطريق السيار مما دفع الموكب الملكي إلى تغيير مساره والانعراج عبر حي العنترية بالحي المحمدي...(عن موقع العيون24).

5. خيمت الانتقادات التي وجهها الملك محمد السادس، خلال افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة للولاية التاسعة، لطريقة تسيير مدينة الدار البيضاء، على دورة أبريل للمجلس الجماعي لمدينة الرباط، حيث أبدى مسيرو العاصمة تخوفهم من "غضبة ملكية" في حال استمرار حالة الارتباك التي تعيشها".( عن موقع هسبريس )

6. فضيحة مشروع باديس الذي شيدته الشركة العقارية العامة لم تتوقف عند حدود إرسال لجنة إلى الحسيمة يرأسها عبد المجيد الحنكاري، رئيس مدير الشؤون القروية في وزارة الداخلية، وتجاوزته لغضب ملكي شديد على مسؤولي صندوق للإيداع والتدبير على إثر شكايات متعددة سلمها مهاجرون مقيمون في كل من هولندا وبلجيكا إلى الملك أثناء قضائه عطلته الصيفية فيالمدينة المتوسطية."(عن موقع فبراير).

الغضبات الملكية لم تعد سرا، ولا مجرد عناوين في الصحف الورقية والرقمية وإنما باتت مادة للتعليق كما هو الشأن مع هذا التعليق للسياسي عبد الكريم كريبي الذي كتب على صفحته على "الفيسبوك" متسائلا: " لماذا لم نسمع أبدا أن أوباما غاضب، أو أن كاميرون في لحظة غضب غير طاقمه الأمني، بل حتى بوتين لم يأتي خبر يفيد أنه غير وزير قصوره وتشريفاته في لحظة غضب؟"

على سبيل الختم نورد ما كتبه الفنان الملتزم رشيد غلام على صفحته على "الفيسبوك": "عندما يختزل الوطن في واحد... فيصبح يوم ميلاده عيداً وطنياً، ويوم تقلده الحكم عيداً وطنياً، وخطابه قانوناً وقولهُ سداداً، ورأيهُ حكمةً، وحُكْمُهُ نعمةً إلهيةً، وبيعتهُ ديناً ونزعها جاهليةً، وطاعتهُ إسلاماً وعصيانهُ رِدةً، ومدحُهُ غنيمة ونقدهُ حبساً، فاعلم أنك في المغرب ... منبت الأحرار".