أفرزت الانتخابات الأخيرة (4 شتنبر 2015) وضعا سياسيا، يستحق أن نهتم به، خاصة وأن الأجواء التي مرت فيها هذه الانتخابات- عكس ما يروج له الخطاب الحكومي- لم تكن لا عادية ولا طبيعية؛ بل تميزت بظهور الكثير من المظاهر السلبية التي أعادت عقارب الساعة إلى الوراء (وذكرتنا بالانتخابات في عهد "إدريس البصري")؛ وبرزت أيضا بعض الحالات غير المعهودة والتي تستحق أن تشكل مواضع للدراسة في مجال علم الاجتماع السياسي، أو على الأقل، أن تكون مثار تساؤل ونقاش بين الممارسين والمهتمين.

تحذوني الرغبة في فهم ما وقع في هذه الانتخابات، ولماذا وقع ولأية مصلحة؛ خاصة وأنه من الصعب علي أن أقنع نفسي بأن ما وقع، هو عبارة عن أحداث معزولة أو مواقف فردية. بالطبع، ليس من السهل الوصول إلى الحقيقة كلها؛ لكن، هل من الضروري الوصول إلى كل الحقيقة لفهم ما جرى وما يجري حولنا؟ هناك شيء اسمه القرينة؛ وهناك وقائع دالة؛ وهذا كله يسمح بالاستنتاج، وبالتالي الفهم والإدراك، ولو بشكل نسبي.

وسأركز، في مقاربتي للموضوع، على عنصرين أساسين: موقف السلطات (بكل أصنافها ورواتبها يوم 4 شتنبر) والاكتساح الذي حققه حزب العدالة والتنمية، خاصة في المدن الكبرى والمتوسطة. وهما عنصران دالان وجديران بتوضيح الكثير من الأشياء.
فيما يخص العنصر الأول، فقد سبق لي أن تحدثت، في مقالين ("من أجواء اقتراع يوم 4 شتنبر بمكناس"، جريدة "الاتحاد الاشتراكي" 07-09-2015، و"عودة إلى أجواء اقتراع 4 شتنبر 2015"، نفس الجريدة بتاريخ 22-09-2015 )، عن الموقف السلبي لكل الجهات الموكول لها (أو المخولة بـ) حماية العملية الانتخابية من الإفساد. وقد عشت هذا الأمر بحكم مسؤوليتي الحزبية.

وأسجل، هنا، بكل مسؤولية أن موقف رجل الدرك أو عون السلطة، في أقصى نقطة في جغرافية الإقليم، كان هو نفس الموقف الذي وجدناه عند رجل الشرطة وعون السلطة بالمدينة. وهو أمر مدهش حقا. وما زاد من منسوب دهشتي وحيرتي- لكن سمح لي، أيضا، بالكثير من الوضوح في الرؤيا- هو أن يكون هذا الموقف (الموقف السلبي؟؟) عاما، أو يكاد، على الصعيد الوطني.

أما فيما يخص العنصر الثاني، فيبدو لي أن للأمر وجهان: الوجه الأول يتعلق بالتصويت "المكثف" (أضع الكلمة بين مزدوجتين لكون نسبة المشاركة في المدن كانت، بصفة عامة، متدنية) على لوائح العدالة والتنمية، والذي مكنه من اكتساح أغلب المدن، إن لم نقل كل المدن؛ والوجه الثاني مرتبط بهذا الاكتساح (سماه البعض التسونامي) الذي يشكل استثناء (هل هو استثناء مغربي جديد؟) في النظم الانتخابية القائمة على النمط اللائحي في الاقتراع.

لقد أرجعت بعض التحاليل (الصحفية بالخصوص) نجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة إلى السيد "عبد الإله بنكيران"، الأمين العام للحزب، وأساسا إلى طريقته في التواصل مع المواطنين وأسلوبه الخاص في مواجهة خصومه السياسيين. ليكن !!
لكن "بنكيران" هو، أيضا، رئيس حكومة، وبالتالي، فهو- إلى جانب مسؤوليته في تدبير شؤون البلاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية...- المسؤول الأول، سياسيا وأخلاقيا وقانونيا وإداريا وتنظيميا، على كل ما يتعلق بالانتخابات، خاصة وقد رفض مطلب المعارضة بتكوين لجنة مستقلة للانتخابات وفضل إسناد مهمة الإشراف والتتبع إلى وزيريه في الداخلية والعدل.
من الصعب علي- وأنا كنت في الميدان وسجلت الكثير من التجاوزات والانتهاكات والخروقات وأبلغت بها الجهات المعنية- أن أصدق أن الانتخابات كانت عادية وشفافة ونزيهة، الخ (وقد أكدت الندوة الصحافية لقيادة الاتحاد الاشتراكي، يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2015، استنادا إلى معطيات ملموسة، وقائع الغش التي شابت المسلسل الانتخابي الذي نحن بصدده)؛ ومن الصعب أيضا هضم النتائج المعلنة، خاصة بالنظر إلى نمط الاقتراع (النمط اللائحي) الذي يساهم في البلقنة السياسية، وليس العكس.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه النتائج كانت مفاجئة بشكل كبير، وحتى للذين فازوا فيها(ويعتبر الحصول على الأغلبية المطلقة- إي 50%+1- في النمط اللائحي أمرا غير عادي)؛ إذ فاقت توقعاتهم بثلاث أو أربع مرات؛ مما جعلهم يتخوفون من سلوك ومردودية الذين أصبحوا مستشارين، بينما لم يكن الكثير منهم أكثر من "حطب الليل".

يبدو لي أن في الأمر أسرارا وألغازا، مفتاحها يوجد عند صناع الخرائط السياسية (الذين كنا نعتقد بأنهم قد انقرضوا). فإذا صدقنا بأن أسلوب "بنكيران" في التواصل كان وراء نجاح حزب العدالة والتنمية، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل يمكن لطريقة التواصل (الخطاب الشعبوي والفرجوي) أن تنسي الناس في الواقع المعاش المتسم بالتردي والتأزم؟ أو هل للخطاب كل هذا السحر وكل هذا التأثير على الوجدان والعقول حتى ينعدم التمييز بين الواقع والخيال وبين الصدق والكذب وبين الجد والتهريج...؟
وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهذا يعني أن السياسة قد أصبحت خداعا وغشا وكذبا وتزويرا للواقع؛ وبمعنى آخر فقد أصبحت نصبا واحتيالا. أليس نصبا واحتيالا أن تعد الناس بأشياء وتتنكر لها بعد الفوز؟ أليس نصبا واحتيالا أن تقول شيئا وتفعل عكسه؟ أليس نصبا واحتيالا أن توهم الناس بغد أفضل وتقوم بما يجعل هذا الغد في حكم المجهول المخيف؟ أليس نصبا واحتيالا أن تتحدث عن الإصلاح وتفسد ما هو قائم؟ أليس...؟ وأليس...؟ وأليس...؟

في عملية النصب، كيفما كان نوعها، هناك ضحايا. لكن هؤلاء الضحايا ليسوا، بالضرورة، بريئين تماما مما يقع لهم؛ إذ بغفلتهم وعدم يقظتهم، يسهلون عملية النصب والاحتيال عليهم؛ وهذا ما يقع، بالضبط، في النصب على طريقة "الساموي".

ولمن لا يعرف هذه الطريقة (والتي انتشرت في مجتمعنا بشكل كبير)، نشير إلى أنها طريقة تستعملها عصابات (تتكون من فردين إلى أربعة) لسلب الناس أموالهم برضاهم. وتستغل هذه العصابات، ولهذه الغاية، الموروث الديني والسحري، بحيث يوهم زعيم العصابة (وغالبا ما يكون ذا مظهر وقور ومتقدما في السن و"خبيرا" في التواصل؛ مما يمكنه من كسب احترام الضحايا وثقتهم) يوهم الضحية - بعد سقوطها في فخ المشاركة، دون إدراك منها، في مسرحية محبوكة الفصول وقائمة على خدعة مدروسة، تجعل الضحية تصدق كل ما يقال لها- يوهمها إما بأنه قادر (حين تكون الضحية رجلا) على مضاعفة ما لديه من مال شريطة إحضاره ليلمسه بيده، وإما (حين تكون الضحية امرأة) بأنه خبير في تطهير المجوهرات والحلي من السحر و"التابعة" (بعد أن يكون قد أقنعها أن ما لديها من الحلي يحتاج إلى التطهير). وفي كلا الحالتين، تنتهي المسرحية بفقدان الضحية لكل ما لديها من مال و/أو مجوهرات.

قد يتساءل البعض عن العلاقة بين "السماوي" والسياسة، والأصح"السماوي" والانتخابات. لقد أوحى لي بهذه الفكرة، أو بالأحرى هذه المقارنة، ما ذهبت إليه بعض الكتابات من كون نجاح حزب العدالة والتنمية يعود إلى طريقة تواصل السيد "بنكيران" (ونعرف أن أصحاب السماوي، "السمايرية"، هم خبراء في التواصل ويتقنون فنون الإغراء الذي يضعف أمامه الضحايا). ولو لم يكن هذا الأخير رئيسا للحكومة لما استقامت هذه المقارنة ولما تجرأت على اقترافها؛ أما وهو رئيس الحكومة، وسجله حافل (منذ وطأت قدماه مقر رئاسة الحكومة) بالتراجعات الخطيرة (الأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة) وبالقرارات المجحفة والضربات الموجعة الموجهة للقدرة الشرائية للفئات الوسطى وذوي الدخل المحدود وعديمي الدخل القار من المواطنين- ومع ذلك يصوتون له ولحزبه بكثافة- ، فهذا أمر مدعاة للتساؤل الحائر، يلزم الكثير من السذاجة لرفع هذه الحيرة عنه.

يخيل إلي- وأنا أستحضر ما عرفه يوم 4 شتنبر من تجاوزات وخروقات بسبب الموقف السلبي للسلطة وأسترجع، بالمناسة، الكلام الجميل الذي سمعناه من المسؤولين حول الحياد الإيجابي وحول الجاهزية لحماية العملية الانتخابية من التلاعب انسجاما مع الخطاب الملكي في الموضوع- أنني كنت أمام مشهد من مشاهد النصب والاحتيال على طريقة السماوي. وهي طريقة تعتمد، كما أسلفنا، على مهارة الإقناع للإيقاع بالضحايا. لقد تم إقناع الناحبين، والأصح تضليلهم، بشعار محاربة الفساد الممهور بالطابع الديني (وهذا شبيه بما يقوم به زعيم "السمايرية" في إقناع الضحايا بضرورة تخليص أموالهم من السحر و"التابعة")؛ وتم أيضا إقناع الفاعلين (وكلاء اللوائح والمسؤولين الحزبيين) بأن السلطة (تماما، كما يفعل زملاء "السمايري" مع الضحايا) ستحرص على احترام قواعد "اللعبة" الديمقراطية، لنكتشف، في الأخير وبعد فوات الأوان، أننا كنا ضحية غش. وأخطر ما في الأمر، هو أن يتم النصب على الديمقراطية باسم الديمقراطية؛ فذلك هو قمة الغش وقمة الفساد الذي تبين أنه يعم كل البلاد.