العنف داخل الجامعة،و نقصد به العنف المادي المباشر المترتب عن جماعات أو أفراد تنتمي لهذه المجموعة أو تلك من الجماعات السياسية بالجامعة كتلك التي تقع بين الحركة الثقافية الأمازيغية-البرنامج المرحلي أو الطلبة الصحراويونMCA- ...و ليس ذاك المترتب عن حدث عارض كشجار بين طالبين أو ما ماثله والذي يعتبر طبيعيا في أي تجمع بشري.العنف هذه البكتيريا الطفيلية التي صارت تتوطّن أكثر فأكثر في جسم الحركة الطلابية و صارت تهدد السلامة الجسدية و المصير الدراسي للعديد من الطلاب و تدمّر كل عمل تأطيري بنائي يروم إخراجالجامعة من مستنقعها و جعل الحركة الطلابية عمودا قويا لبنيان الحركة الاجتماعية المناضلة المغربية و صمّام أمان لكل حركة سياسيةأو ثقافية جادةبذلك صارت الجامعة ساحة للفتوات و السيوف كأي حي مهَمّش في إحدى المدن أو القرى فالغلبة لمن يتقن تسديد الطعنات و الضربات لا لمن يتقن إعمال عقله في الواقع و ينيرنفسه و الآخرين. و مما يزيد الأمر استفحالا أن العنف لم يعد مصدره الاسلاميون أو الدولة فقط بل هم منتمون لليسار و في بعض الأحيان مجموعات من نفس الفصيل اليساري برنامج مرحلي–برنامج مرحلي أو كما وقع مؤخرا حين رأينا مظاهر الدم و الاعتداء بجامعة القنيطرة من طلبة، يُنسبون إلى فصيل ظل أملا لكل التقدميين، اتجاه رفاقهم بنفس الفصيل.فهذا العنف الذي أسقط في 10 سنوات الأخيرة، من مصابين و موتى أكثر مما أسقطته العمليات الإرهابية في المغرب، صار يفرض نفسه كتجلي من تجليات ضعف التأطير السياسي و غياب البدائل لدى الشباب و صرخة لأُناس يحملون من الأعراض النفسية-الاجتماعية ما يكفي لأن يصيروا أدوات تدمير لا أدوات بناء. لذا ارتأينا أن ندّق ناقوس خطر حول ما يقع، من مسكوت عنه، في الجامعة المغربية، لعلّه يوقظ النائم فينا من ضمير اتجاه مؤسسة اجتماعية حسّاسة، بموقعها، كالجامعة.هذا العنف في كل مرة يعود، تعود معه أسئلته المؤرقة و تنتصب أمامنا ضرورة سبر غورها حتى لا نمضي في نفس الطريق الخاطئ مرتين.
أولا:حتى نستفسر عنهذا العنف و عن أسبابهوجب، في نظرنا، على الكل، طرح الأسئلة التالية: من يمارس العنف؟ و ضد من؟و لأجل ماذا ؟و أي دوافع نفسية-اجتماعية(psychosociologiques) لهذا العنف؟و كيف يستقوي هذا العنف أمام سداد الرأي و التحليل و ينتصر عليه رغم أننا في فضاء هو للفكر و العلم؟
ثانيا:فبعد أن مارست فصائل الإسلام السياسي العنف و ارتكبت جرائم يسجّلها التاريخ السياسي المعاصر للمغرب، طيلة سنوات 90،و حتى الآن، كان ضحيتها جيل بكامله من الطلاب أبرزهم بنعيسىآيت الجيد و المعطي بوملي و قبلهما ،في سنوات 70، القيادي الاتحادي عمر بن جلون،و بعد أن أغذقت الدولة على طلابها، و لازلت، بقمعها و منعها،لكل عمل سياسي معارض لسنوات، ها هو العنف يحطّ جهارا،في 10 أو 15 سنة الماضية، بأيادي "تقدميين" و يصير سيوفا مسلّطة على رقاب من يخالفونهم في الرأي أو الشكل أو الانتماء فنجد مثلا أنهم إما "منتمون" للقاعديين أو الحركة الثقافية الأمازيغية أو طلبة صحراويين و هي كلها مجموعات، على الأقل، تقارب الأطروحة العلمانية و معارضة لأطروحة الاسلام السياسي العنيف و تؤمن بالنضال الفكري.فأن يمارس العنف منتمون لجماعات الاسلام السياسي فهذا أمر لا نستغرب له فالعنف المادي رافق كل محطات تشكلهم ولازال ركنا في أدبياتهم و أيديولوجيتهم لا تستحمل الكثير من مخالفة الرأي و حرية الإنسان في التعبير و الانتماء لجماعة سياسية مخالفة،لكن أن نفاجئ بمن يدّعي نضاله لأجل حرية الإنسان و تحرره و العلمانية، يمارس هذا الكم من العنف اتجاه من يخالفونه الرأي أو الانتماء،و كل حسب تبريره الواهم(العنف الثوري أو لجان شعبية لنصرة الشعب الأمازيغي أو مواجهة المستعمر...) فهذا ما يفاجئنا و يستدعي منا الاستيضاح أكثر ببحوث في الواقع النفسي-الاجتماعي لهؤلاء،هذا إذا استحضرنا أن أدبيات كل اليسار،من يساره إلى يمينه ،و حتى منظروه الكبار اعتبروا الجامعة حقلا من حقول ممارسة النضال الفكري أو لنقل "ممارسة الصراع على المستوى الأيديولوجي" و جعلوا من مهمة النقابة كأوطم الإصلاح و ليس الثورة و نشر ثقافة التعايش و الانتماء للوطن الواحد لا القومية الشوفينية.
هذه الحالة المتناقضة مع مرجيتها و أدبياتها تجعلنا نتساءل مرة أخرى: هل حقا ما يقع من عنف في الجامعة هو وليد صراعات سياسية ؟أم هي فقط تعبيرات نفسية-اجتماعية عن وضع القهر الذي عاشه هؤلاء الأشخاص و لم يجدوا طرقا منظمة و سليمة للتعبير عن هذا السخط ليتوجه ضد العدو الحقيقي و ضد سبب قهرهم؟و إن كان حقا هو صراع سياسي و نقابي فلم لا يقع كذلك في بلدان مثل فرنسا و النرويج و السويد علما أن في جامعاتها يسار طلابي له من التاريخ و التنظير ما يعفينا عن التعريف به؟
ثالثا:
أ‌) نرسم بعضا من معالم هذا الطالب المتّسم بسيكولوجية الإنسان المقهور، حتى نقترب من الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه.
إن أغلب، إن لم نقل الكل، ممّن يمارسون العنف هم ذووا أصول اجتماعية مهمّشة تنتمي إمّا لمناطق المغرب العميق أو هوامش المدن بما تحمله هذه المجالات من تناقضات و اضرابات و فقر و قهر و قلة الحيلة أمام واقع يجثوا على صدورهم يوميا و ما يترتب عن مثل هذا الواقع من اضطرابات نفسية غالبا ما ترتد إلى اللاوعي و تبحث عن طرق لتفريغها، فإن لم تتفرغ عبر قنوات سليمة و تتحول عامل تقوية للمجتمع، فهي تتفرغ عبر قنوات الاضطراب و تتحول إلى آلة دمار لنفسها و محيطها. و ليس من قبيل الصدفة أن تتلاقى هذه المميزات و الصفات مع ما أورده د.مصطفى حجازي في بحثه التي نلخص البعض منها:
 انعدام الثقة بالنفس و القسوة عليها و عقدة النقص
 انعدام الكفاءة الاجتماعية و المهنية و الدراسية
 طغيان طابع الحزن و الانفعال و الحقد اتجاه الآخرين
 الانكفاء على الذات و التمسك بالتقليد و الرجوع إلى الماضي المجيد
 إنسان راضخ و تابع لذلك فهو يمارس التسلط و السيطرة على من هم أدنى منه مرتبة أو قوة.
 لا يستطيع أن يتحمل مسؤوليته و يحمّل كل أخطائه للآخرين المتربصين به و يحملهم أوزار أفعاله و عجزه الوجودي ليفسح المجال لنفسه في مرحلة أخرى للاعتداء عليهم.
فكيف لمن تجتمع فيه كل هذه المحدّدات الاجتماعية أن يصير غير ثلاثة نماذج؟:إما مجرم في حيه و مدينته يمارس فتوّته،كأي آت من قرون المجتمعات الزراعية،أو داعشييكفّر الجميع و يتمنى قتلهم،أو واحدا من هذه الحالات،المركّبة التي أمامنا، من الطلاب اللذين ذكرناهم، و المنتمي قسرا للصف التقدمي و الديمقراطي و هو في الحقيقة جزء من آلة دمار ليس للديمقراطيين فقط بل لجامعة صارت أملا أخيرا للعلم و الفكر في بلادنا إنه دمار لشعب، ولا نجازف إن قلنا أن البعض منهم يحمل أفكارا تقارب الإرهاب ولو توفّرت التربة الخصبة لهم أكثر فتحوا الأمور إلى ما لا يتمناه أحد في هذا الوطن. فاستثناءات قليلة من هؤلاء ممن تنفلت،اليوم،عن هذه المُخرجات الثلاث و تنتج أطرا في السياسة و الفكر و الفن لمجتمعها و هذه الأخيرة ما نتمنى و يجب أن نعمل لتصير أغلبية، تصير طلابا مكافحين مناضلين ضد واقعهم متحدين له كالبعض ممن لازالوا اليوم، في الجامعة شمعة أمل، يصارعون هذه الريح العاتية و يقاومون بفكرهم و أصواتهم دولة قامعة و ظلاما أصوليا و سيكولوجية إنسان مقهور.
ب) مسؤولية الدولة في إعادة إنتاج الدمار و تفتيت الجامعة العمومية :النظام الحاكم في المغرب و منذ عقود كان قد وضع الجامعة ضمن مخططاته التدميرية للتعليم العمومي و جعلها آلة لإنتاج تقنيين و طلاب في أحسن الحالات، لا يحملون من العلم و الفلسفة والفكر غير الأسماء، أجيال مُغيَّبة لا هي يمين و لا يسار و ليبيرالية ولا إسلامية...و لا أي شيء، كائنات مستهلكة غرباء في وطنهم.هذه الأجيال أنتجت أجيالا من الطلبة في الجامعة يفتقدون لحد أدنى من التأطير السياسي و الثقافي و يفتقدون أدوات تحليل واقعهم و بذلك تصير الاختيارات التي أمامهم متضائلة و أحيانا منعدمة،فلا يجدون غير العنف و التطرف طرقا للتعبير عن واقعهم.
رابعا:ما المطلوب لتجاوز وضعية الدمار هاته؟ نبدئ بالقول: أن الناس لا ترغب في أشياء هي لا تعرفها و لم تُتح لهم الفرصة للتعرف عليها مرة.لذلك نحن محتاجون، كل منموقعه السياسي أو المدني لتنويع العرض،الإيجابي، أمام هؤلاء و تأطيرهم في مراحل التعليم الأولى لليتعرفوا على بدائل غير العنف و الحقد على المخالفين و أن الجريمة و العنف ليست سبيلا للفهم الواقع و تغييره.
و التنظيمات اليسارية في حاجة إلى تمعن كتاباتPaulo Freire حتى ترفع من قدرتها التأطيرية و تجوّدها لتكون هي بديلا عن الوضع المتأزّم و تسمح لمن يأتونها أن يتخلصوا من أمراضهم و يحملوا قيما جديدا و يتعلّموا أهميتها في حياتهم و حياة الآخرين و هذا باستحضار وضع التمايز بين الوافدين لها فليس كل من يأتيها مناضل و ذو قيم إنسانية.
أخيرا:نجد أن من يمارسون العنف هم ثلاثة أنواع: نظام مستبد و أصولية دينية و شوفينية و و نوع ينسب نفسه لليسار نسمّيه المناضل ذو سيكولوجية الإنسان المقهور.
نود القول أن بسطورنا هاته لسنا نبحث عن تبرير لهذا العنف بل نحن بصدد تفسيره لتجاوزه، و لسنا نتشفّى لواقعناالمُزري و وضعية التهميش و القهر لأننا منها و هي جزء منا و من الضروري أن نعمل عل تغييرها.
لنتذكر قول شهيد العنف المفكر مهدي عامل :ضد ظلامية العصر عافية العقل ، و نضيف لها ضد سيكولوجية المقهورين لنا نضال ضد الأسس الاجتماعية للقهر.
.