كنت قد كتبت هذا المقال، ونشره في يوم 12/04/2014، موقع "الإسلاميون". أعود إليه اليوم، لأجد مضامينه لا زالت صالحة، ولا زالت تعالج إشكالية غياب وحدة التصور ووحدة السلوك لدى الحركة الإسلامية، مما ينتج عنه هزات داخلية تؤدي إلى استقالات وانشقاقات داخل صف الحركات الإسلامية!

أعود إلى الموضوع اليوم، لراهنيته، وأعيد صياغته.

إن من أعوص ما تعانيه التنظيمات الإسلامية، افتقارها لخط فكري يوحد تصور الأعضاء، وتربوي يوحد سلوكهم، ويجعلهم صفا واحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ويجعلهم جسدا وروحا واحدة، قادرين على مواكبة المستجدات بكل تبصر ووضوح رؤية. جسم التنظيم إن لم يكن متماسكا مترابطا متلاحما، لا يستطيع صمودا وهو يتدافع مع القوى الأخرى.

كان أول ما فعل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته، أن رسخ "لا إله إلا الله" في القلوب والعقول. "لا إله إلا الله"، شكلت وحدة السلوك في القلوب وشكلت وحدة التصور في العقول، جعلت أعضاء الجماعة المؤمنة صفا واحدا ضد الاستبداد الجاهلي وفساده العقدي والسياسي والاجتماعي... فكانت الفكرة المركزية التي اجتمعت حولها قلوب المؤمنين وعقولهم، وباتت تشكل ما يمكن أن نسميه اليوم ـ وأعوذ بالله من هذا التشبيه ـ بالإيديولوجيا. سرعان ما توسعت وحدة التصور لدى الصحابة الكرام رضي الله عنهم، مع بداية نزول الوحي تترا. فكان القرآن الكريم، مؤطرا ومسددا وموجها وموحدا لتصور الجماعة الأولى، ومحددا لمهماتها وواجباتها ومسؤولياتها. وكانت التربية النبوية المحضن الذي حافظ على تماسك الصف من أن تذهب به التفسيرات والتأويلات والنفسيات والذهنيات للتصور أدراج الرياح.

كانت الاجتهادات في الجزئيات، أما عموميات وكليات التصور، فكانت الضابط من الإنحراف. غياب وحدة التصور عند الكثير من الحركات الإسلامية، فتح عليها أبواب بروز تيارات فكرية متباينة داخل الصف، مما عرضها لسلسلة انشقاقات متتالية، أضعفت شوكتها، وحدت من فاعليتها وفعاليتها، بل جعلتها عرضة لاختراقات أمنية ساهمت بشكل كبير في الدفع بها نحو ما وصلت إليه اليوم.

يشير الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، إلى هذا الخلل، حين تحدث عن ضرورة وأولوية توحيد السلوك والتصور والإرادة، لبناء الجسم المنسجم، القادر على مواجهة مهمته التاريخية: "لا يمكن أن يتجاوز المسلمون خصائص الأنانية الفردية، وخصائص السمات الاجتماعية، إلا بتوحيد عميق لما يجيش في القلوب، وما تعالجه العقول، وما تتحرك فيه الجوارح". ويضيف: "الانتماءات السطحية الشيطانية للشهوة، والطموح الفردي والعصبية المحلية، والوطنية والقومية، حواجز نفسية وسياسية واجتماعية ومصلحية، تحول دون تكوين جماعة منسجمة، ودون لقاء المجتمعات المسلمة المغلوبة على أمرها لتكون جسم الأمة الصحي القادر على مواجهة مهماتنا التاريخية وحمل أعباء حضارتنا ورسالتنا للعالم". ثم يضيف: "أول العلم التوحيد، يتلوه عبادة الله سبحانه. وحدة العقيدة تلزم وحدة المعبود. وهذه تلزم وحدة السلوك الإيماني، ووحدة الولاية، ووحدة الغاية والهدف". ويجمل الإمام رحمه الله أسباب المنزلق في ثلاث:

1ـ ما طرأ على الكتاب والسنة وتفرع عنهما من شروح واجتهادات القرون. فروع الاجتهاد الفقهي العبادي وهو أكثره، ومذاهب أصول الدين وأصول الفقه، تمثل كتلة أمام ناظرنا تحجب عنا الأصول. فلكل مذهب وفئة مخلفاتها من الاجتهاد.

2ـ اختلاف المؤمنين المعاصرين في درجة الفهم والقدرة على النظر. فلكل جماعة من المسلمين المجاهدين نظرتها للإسلام ومقاصده، والجهاد ووسائله، والزحف ومراحله.

3ـ ما يغشى هذه الإرادات البشرية من فتور يدعو لمسالمة الواقع، أو حماس مندفع يريد القفز إلى المستقبل قبل أن يوطد أقدامه في الحاضر، أو نفور وتنافس بين الأشخاص، أو حب للظهور والرئاسة وغلبة الخصم في الحجة.

"هذه العوامل الثلاثة مجتمعة متشابكة، يغذي بعضها بعضا ويعضده. فاستصلاح اجتهاد فقهائنا الأقدمين في الفروع، وتوحيده، وإدماجه في اجتهاد مجدد كلي، ضرورة وواجب كفائي به نتجاوز الخلاف في النقل. وقابلية التعلم بالانفتاح العقلي والثقة بمن لهم القدرة على النظر ضرورة وواجب في حق جند الله. والإخلاص لله وحده في حق الجميع، ناظرين ومتعلمين، ضرورة وواجب، بدونه تخبث النفوس، ويحركها الشيطان والهوى. وحدة اجتهاد وحدة تصور. وحدة إرادة. بدون هذا تكون سفرتنا إلى غير رشاد. جند الله ينبغي أن يكون لهم نفس الفهم لمهماتهم (...) إذا شرعنا في عمل جماعي قبل أن نتفق على تصورنا للعمل من كل جوانبه، فأدنى خلاف يوقفنا، وسنختلف على كل شيء، ومن ثم سنعجز عن الاستمرار، ونقف، ونفشل، ونرتد إلى فرديتنا وغثائيتنا الأولى. نعوذ بالله من النكسات! الذهنية عاجزة عن تصور عمل إسلامي في نسق منتظم على منهاج يرتب الوسائل لتبلغ الأهداف، ويرتب المراحل والأولويات، ويترك في حسابه مكانا للمرونة عند الطارئ المفاجئ والضرورة الغالبة". نتج عن هذا الغياب أن أصبحت التنظيمات الإسلامية عبارة عن لاقط للأفكار والطروحات والتصورات، فكلما برز نجم فكر وتجربة قالت هذا أكبر، فما يلبث أن يفل حتى تكفر به. وهكذا رأينا تنظيمات تتنقل في تبنيها من أطروحة لأخرى، ومع كل "نجاح" أو "فشل" لحركة تتنقل العقول والأفئدة، ومع كل "فشل" تشل حركتها وتذبل همم أبناءها وتصاب باليأس والقنوط. كانت أولى التجارب التي حظيت بالإلتفات حركة "الإتجاه الإسلامي" التونسية ـ حركة النهضة حاليا ـ فكانت كتابات ومحاضرات الشيخ راشد الغنوشي، النبراس، ومع الإمتحان الأول، انتقل الإعجاب بتجربة جبهة الإنقاذ ومشروعها، فلما أفلت، تم تبني تجربة الشيخ حسن الترابي، رحمه الله، فإخوان الأردن، فحزب الإصلاح اليمني، فحركة الإخوان المسلمين، فنموذج أردوكان التركي. مرد هذه الإلتقاطية، غياب مرجعية فكرية وتربوية تجتمع حولها الهمم والإرادات والعزائم، وقيادات قادرة على لم الشمل وجمع الجسم على الكلمة السواء. هذه التحولات تذكرني بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو يبحث عن الحقيقة، فلما أعياه البحث، قال قولته التي خلدها القرآن الكريم، وهي التي تفتقدها الحركات الإسلامية اليوم، وهي تبحث عن ذاتها..

يقول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ".

الحركة الإسلامية اليوم في حاجة إلى العودة إلى ذاتها، لتقول بكل جرأة وشجاعة: "يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ".