طلع علينا خلال شهر رمضان الكريم الكريم هذا،رجل من دار المخزن معتمر بالديار المقدسة ، مهللا مكبرا، معظما ساعيا بين الصفا المروة،محرما ،عارضا علينا لقاءه مع الشيخ الفلاني والعلاني،واصفا لنا الكعبة ومايحيط بها،راميا الجمار،مهرولا بين أطرافها القصي منها والداني.مرسلا لنا صورا قرب قبر الرسول(ص) تارة،وبالمدينة المنورة تارة أخرى،وتوالت الصور،وتبعتها التعليقات والشروحات والأدعية من قبيل"اللهم لاتحرمنا من هذا المقام" "اللهم اجعل المسجد الحرام قبلة لنا " وآخرون يلتمسون من المعتمر عبر الفايسبوك" نسألك الدعاء" .وهو يرد عليهم " سأدعو لكم إن شاء الله"
كأنما صاحبنا مستجاب الدعاء،أو قد عبر النهر وجفت قدماه كما يقول العامة في أمثالنا القديمة.وبين هذا التعليق وذاك،وهذا الابتهال، اختلط الحابل بالنابل،وانجرفت الخطابات الى الحضيض بسبب لبس الموقف، وتلبس إبليس بالمعتمردون أن يدري.وأسقطه في مهاوي الخطيئة والمعصية.
فمن باب التحصين الديني كما يقول الفقهاء، وبسبب قدسية المقام وجلاله ،وهيبته وروحانيته، فلا يسمح لأحد أن يعرض المقدس ،ويعريه للمدنس،فذلك المقام الروحاني الطاهر،لايحتاج الى التسويق الالكتروني،ولا إلى إعلانات أو إشهارات،حتى ولو خلصت النية،وصفت الدواخل،وتاب الباطن.فما معنى أن يشهر الانسان حجه أمام الملأ ،إذ لاخير في فريضة يتبعها العويل،ولاخير في توبة لا أحد يعلم إن كانت ستقودها صاحبها الى الجنة، أم إلى الجحيم والسعير،وتدبير الفرائض يحتاج الى إعمال العقل، والاستعانة على قضاء الحوائج بالكتمان.فأن ترى(بضم التاء وفتح الراء) في أداء العمرة عبرمشاهدة عنكبوتية واسعة،فذلك لايمت للتوبة بصلة ،والتائب الحقيقي مشغول بذنونبه ومعاصيه، بكاء على خطيئته،وليس مصرا بكشف عمرته أمام الملأ،(ففي الحج لارفث ولافسوق).لأن التشهير بالعمرة قد يفسدها.وقال العنبري"اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض ،فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي ولحيته ترجف،فقال: عليكم بالقرآن،عليكم بالصلاة،ويحكم! ليس هذا زمان حديث،إنما هذا زمان بكاء وتضرع واستكانة، ودعاء كدعاء الغريق،إنما هذا زمان،احفظ لسانك وأخف مكانك ، وعالج قلبك وخذ ماتعرف ودع ماتنكر"
لقد كان الأنبياء صلوات الله عليهم، والصحابة رضوان الله عليهم والزهاد والأولياء،والعلماء والمتصوفة يستحيون من الظهور أمام الناس، ويلزمون الصمت في الكثير من المواقف، ماعدا ماتعلق بالشرع والنصيحة .فما بالك بمن يجهر بعمرته تلاحقه الألسن والعيون، وتتعقبه التعليقات ،وبذلك يفتح على نفسه أبوابا من الشر، لايدري كيف يغلقها؟ وألسنة من السوء لاكابح لها.فإظهار العمرة في الفايسبوك تكبر.فقد قال الحسن: كان الرسول(ص) يركب الحمار، ويلبس الصوف ،وينتعل المخصوف ويلعق أصابعه، ويأكل على الأرض .ويقول" إنما أنا عبد آكل كما تأكل العبيد،وأجلس كما تجلس العبيد"
فالطريق إلى الله والى رسوله أبوابها معروفة ،ومداخلها مشروطة بالقرآن والسنة ،فالعابد لله في القول المأثور صرع إبليس مرتين، لما غضب لله وكانت نيته للآخرة،لكنه صرع من طرف إبليس في الثالثة، لأنه غضب لنفسه وللدنيا.فكذلك عارض نفسه على الأمة، وهو يؤدي مناسك العمرة بلاشك هو عرض المراد منه المباهاة والتكبر والاعتزاز بالنفس،كقول الشاعر:
قد بقينا من الذنوب حيارى * نطلب الصدق ما إليه سبيل
فدعاوى الهوى تخف علينا* وخلاف الهوى عليـــــنا ثقيل.
فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه، أن يكون نطقه فيه لله، فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين.لأن الصدق ما أريد لذاته، بل للدلالة على الحق ،والدعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه.
فالمعتمر في ذلك المقام الرباني ،ينبغي أن يلزم أدب المراقبة والمحاسبة للنفس،ومن يلزم هذين الأدبين، شغله الفايسبوك وغيره عن حقيقة ماهو فيه ،لقوله تعالى" اقترب للناس حسابهم، وهم في غفلة معرضون ،ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث ،إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم"
والتوبة الخالصة خطوة ،تبدأ من العمرة أو الحج أو خارجهما. لأن الاجتهاد في الشرع بغير علم ،كالذاهب للهيجاء بدون سلاح.
وقد حذر الرسول(ص) أمته من المتفيقهون في الدين،وقد أصبح عدد الدعاة باسم الدين، أكثر من عدد المخبرين.
وأمام معارك العصر وتلبس قضاياه ،نحتاج نحن في كل مرة إلى فتاوى جديدة حول"ماحكم من أظهر نفسه في الفايسبوك وهو معتمر؟
أعتقد أن الأمور بدأت تسوء أكثر فأكثر،في عصرنا الحاضر، وأخاف أن يعود بنا بعض المتفيقهين إلى عصور الردة.